تقود دول عربية وإقليمية وعالمية استراتيجية شاملة لمحاربة الإرهاب واجتثاث جذور التطرف ومحاصرة الأنشطة الإرهابية والحد من انتشارها في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع، وقد قطعت هذه الدول أميالا وأشواطا في عملية مكافحة الإرهاب على الصعيد الميداني العسكري والثقافي الفكري، وحققت إنجازات وانتصارات ساهمت إلى حد بعيد في عملية احتواء الإرهاب، وتجفيف مصادره وكسر أجنحته، غير أنها اصطدمت ببعض سياسات دول المنطقة التي لا تزال تشكل عائقا أمام عملية مكافحة الإرهاب وعلى رأسها سياسات الرئيس التركي أردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

إن ما جعل تركيا تنشق علانية عن تحالف محاربة الإرهاب هو عدم قدرتها على حفظ التوازن بين دعم الإرهاب ومحاربته، وعدم تمكنها من المضي قدما في هذا التناقض وإخفاء دعمها للجماعات الإرهابية، لا سيما أن ذلك يقيد من أنشطتها الإرهابية، ما جعلها ترفض التعاون مع القوى الداعمة لمحاربة الإرهاب ومضيها قدما في دعم الدول الداعمة للإرهاب، ولهذا توجهت بثقلها إلى إيران بعد أن خطفت قطر عن طريق الإخوان.

لكن السؤال كيف تحولت تركيا من عدو لإيران إلى صديق لها بشكل مفاجئ؟

إن تركيا بقيادة الرئيس الإخواني أردوغان وحزب العدالة والتنمية، قد دخلت بثقلها فجأة إلى جانب الشعب السوري الذي هب لإسقاط النظام السوري بعد عقود من فشل إدارة البلاد، وذلك بعد أن كان أردوغان صديق حميم لبشار الأسد، غير أن تعاليم الإخوان تنص على الانقلاب في المواقف فورا إذا ما اقتضت الأطماع، ولكن لم يرق لأردوغان أن تنجح الثورة ويأتي نظام آخر يحكم البلاد ويديرها بقوة واقتدار، فكان هدف تدخله هو احتلال أجزاء من الأراضي السورية بالإضافة إلى السيطرة على القرار السيادي السوري، بمعنى ابتلاع سوريا كاملة كخطوة أولى من خطوات إعادة حلم إمبراطورية أجداده العثمانيين، فراح النظام التركي يشكل المجموعات الإرهابية وينشئ لها قواعد ومقرات تدريبية ثم يدخلها إلى سوريا لمحاربة نظام الأسد، غير أن الدخول العسكري من طرف آخر له نفس المطامع والأهداف التوسعية، وهو النظام الإيراني في المعادلة السورية الذي أفشل مخطط أردوغان في ابتلاع سوريا، فاستمرت القوتان تتصارعان على جثث المواطنين السوريين حتى تم الاتفاق بينهما على تقسيم المطامع بعد أن لعبت روسيا وقطر دور الوسيط بينها، واستطاعت عقد اتفاقية إرهابية توسعية بين الطرفين على حساب الدول العربية، من هنا يفسر التغيير المفاجئ لموقف أردوغان من إيران.

كان لا بد لأردوغان من الانسحاب من أي عمل قد يؤثر على حلمه الوهمي في إقامة إمبراطورية تركية على حساب الدول العربية، والمخطط هو نشر الفوضى والاقتتال في دول المنطقة حتى تصل لدرجة تمكن تركيا من التدخل فيها تحت ذرائع مختلفة لنشر الفكر الإخواني والسيطرة على عقول الشعوب إما بالأدلجة المسمومة أو بالقوة والترهيب، وهذا يتطلب صناعة جماعات إرهابية ونشرها في هذه الدول، وخاصة بعد الانتصارات التي حققها التحالف الدولي في القضاء على داعش، ولهذا السبب اتجهت تركيا إلى إيران وقطر لتشكل معهما حلفا لدعم الإرهاب علانية.

الآن بدأت أخطاء سياسات حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان تكشف عن نتائج كارثية على تركيا وخاصة بعد أن سيطرت المجموعات الكردية على قسم كبير من الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا وبدأت بالتهديد بتشكيل دولة كردية في تلك المناطق، إضافة إلى افتقار أنقرة في الوقت الحالي إلى حلفاء أقوياء، حيث انحصر حلفاء أردوغان في دائرة قطر وإيران، إلى سياسة مؤثرة في المنطقة، لا سيما بعد بناء العداوات مع دول عربية لها تأثيرها وقوتها في المنطقة مثل الإمارات والسعودية ومصر وغيرها، وقد قادت سياسات أردوغان إلى مشاكل اقتصادية تتفاقم يوما بعد يوم، وتتعرض تركيا الآن إلى انتقادات شديدة وصلت إلى عقوبات من قبل المجتمع الدولي بسبب قمع الحريات وكثرة الاعتقالات وانتهاك حقوق الإنسان، كما أن سياسات الحكومة التركية أدت إلى زيادة ملحوظة في عزلة تركيا إقليميا وعالميا وخلق أعداء جدد لها، وقادت إلى تدهور الأوضاع الأمنية، واستمرار العمليات الإرهابية.

تلك التهديدات جعلت الأحزاب والقوى السياسية التي أدركت خطر السياسة الأردوغانية على البلاد، والتي يتبعها حزب العدالة والتنمية، تأخذ موقفا معارضا وتدعوا إلى تغيير سياسات الحكومة التركية وعدم جر البلاد إلى الدخول في أزمات مع الدول المحيطة، و الرأي العام التركي يعتبر أن الحكومة مسؤولة عن هذه العمليات الإرهابية وسياساتها الخاطئة قادت إلى حالة انعدام الأمن والاستقرار، لذا فإنه من الضروري إيقاف مثل هذه السياسات وعلى الفور قبل أن تنزلق تركيا إلى هاوية الانفلات الأمني وصعوبة التعايش مع الأوضاع الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية.

لذا فإن المعارضة التركية لأردوغان سوف تتسع بشكل أكبر خلال الأشهر القادمة رغم كافة الأساليب القمعية والاعتقالات التي تمارسها السلطات الأمنية في حق المواطنين والمعارضين، لأسباب عديدة أهمها تدهور الأوضاع الاقتصادية والذي قاد إلى تراجع نسبة النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، وأيضا انعدام الاستقرار السياسي نتيجة الحرب التي يشنها حزب أردوغان على الأحزاب السياسية المعارضة وما نجم عن ذلك من انقسامات وخلافات في المواقف والآراء، أما السبب الثالث فهو إصرار الحزب الحاكم على المضي قدما في أخطائه السياسية التي أدت إلى زيادة عزل تركيا وجلبت لها المشاكل والأزمات.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 يناير 2018