العدوانية والارتباك والتخبط مفردات مسيطرة ومهيمنة على الأوضاع والتحركات الحالية في قطر، وتكمن الخطورة في أن التخبط السياسي والاقتصادي يتحكم بأعصاب القيادة القطرية، ناهيك عن أولوية تضغط بقوة وتتعلق بتوقع تمرد من داخل أسرة آل ثاني،  ولن تدوم السيطرة على الأسباب التي تهيئ لحدوثه إلى الأبد، فالظروف التي وضعت فيها قطر من قبل تنظيم الحمدين الذي لم يتنازل عن إدارة الحكم عبر واجهة تميم، لم تعد ظروفاً عادية ويمكن السيطرة عليها، فحين تتشعب التحديات على دولة صغيرة مثل قطر تكون في خطر حقيقي، وبخاصة أنها تحديات غير معتادة وغير مسبوقة، ففي الماضي كان المال القطري يحل الأزمات العابرة، أما اليوم فإن الأزمة كما يعلم القطريون أخطر من السيولة المالية والتحديات الاقتصادية وانهيار الأسهم.

ولا جديد في قطر سوى الانهيار الذي يتضاعف ويخلق أزمة داخلية تتعمق نتيجة لتمادي الدوحة في المراهنة على فوائد وهمية من وراء الابتعاد عن الحاضنة الخليجية، بينما كانت إيران تقف بالمرصاد لتستغل الوضع لصالحها تجارياً، ومنذ أن وضعت قطر المكابرة نهجاً لسياستها العدمية التي تضر بالقطريين وثروتهم ومستقبلهم، لم يتعافى الاقتصاد القطري ولم تتوفر حلول سحرية كانت الدوحة تروج لها، وبدأ التخبط يزداد من خلال الترويج الإعلامي لأوهام ذات كلفة عالية من الناحية المالية، مثل افتتاح خطوط بحرية بين قطر وبلدان في أقصى خريطة العالم، وبالتالي لن توفر للقطريين أي فائدة مباشرة وقريبة، وبخاصة إذا ما نظرنا للشريك الإيراني للدوحة الذي استفاد أكثر منها بكثير وأصبح عناد الدوحة وانسلاخها عن محيطها الخليجي يصب في مصلحة طهران، التي تبحث بدورها عن كل قشة لإنقاذها من أزماتها الاقتصادية التي لا تنتهي.

وبالفعل جاءت الأرقام التي أعلنت عنها إيران بخصوص العلاقة الاقتصادية الطارئة مع الدوحة لتثبت حجم الاستفادة الإيرانية، وبالأرقام طبقاً لوكالة سبوتنيك الروسية، قامت إيران مؤخراً بصدير 1900 حاوية إلى قطر عبر ميناء “بندرلنكة” الإيراني، ويخطط الإيرانيون أيضاً بعد أن انفتحت شهيتهم لدفع قطر إلى تمويل تطوير الميناء لتحسين إمكانياته، وفي النهاية تكون النتيجة زيادة التبادل التجاري مع قطر لصالح إيران بالطبع، لأن الدوحة لا تملك شيئاً لتصديره، على العكس تبقى بحاجة للمواد الغذائية الأساسية بشكل دائم، وبذلك عثرت إيران على حنفية نقود مفتوحة تصب في خزنتها، مقابل تسهيلات لا قيمة لها تتمثل في السماح لقطر باستخدام المجال الجوي الإيراني الذي لن يوفر لها بدائل اقتصادية مثالية تغنيها عن الاحتياج للمجال الجوي الخليجي الأقرب والأغنى حركة وازدهاراً.

من ناحية أخرى تفاقمت الأزمة الاقتصادية في الدوحة، وتقول مؤشرات بداية العام 2018 أن الوضع هذا العام سيكون قاسياً على البنوك القطرية والميزانية القطرية بشكل عام، مما دفع الدوحة إلى التفكير بطرح سندات بقيمة تسعة مليارات دولار لتمويل العجز في الميزانية، ومما نشرته وسائل الإعلام أن محادثات تسعى قطر لإتمامها مع بنوك دولية لبحث عملية بيع السندات، مما يعني أن الحكومة القطرية وصلت قبل الأوان إلى مرحلة حرجة دفعتها إلى بيع السندات، وهي خطوة ذات دلالات سلبية تكشف عن عجز اقتصادي أجبر المسؤولين على اتخاذ تدابير سيادية استثنائية غير مسبوقة!

في سياق آخر وضمن التخبط السياسي الذي يهيمن على تحركات الدوحة، ويزيد من تعميق الأزمة مع جيرانها في نفس الوقت، مما يدل على أنها تقوم كل يوم بخطوات جديدة لقطع أي احتمالات للمصالحة، ذكرت مصادر قيام النشرات القطرية الصفراء بالترويج والدعاية لموقع قطري إعلامي نشأ لأهداف تخريبية تتجاوز الخطوط الحمر، والموقع يبث من ماليزيا، وتزعم الوسائل القطرية أنه لسان حال ما أسمتها “هيئة دولية تأسست لمراقبة إدارة المملكة العربية السعودية للحرمين والمشاعر المقدسة، بما في ذلك المواقع التاريخية الإسلامية، بذريعة أو منع استخدام الأراضي المقدسة لأغراض سياسية”. بمعنى أنه تخصيص وتمويل قطري لمنبر تكون مهمته إثارة قضية مرفوضة في كل العالم الإسلامي، وهي قضية تدويل الأماكن المقدسة، وبحسب معلقين فإن الأهداف المعلنة للموقع القطري الإخباري الجديد تعتبر إعلان حرب ضد المنظومة الخليجية، مما يثبت أن قطر تتحرك في المشهد كل يوم بنوايا سيئة، وبعد ذلك تشتكي وتتباكى وتدعي أنها مظلومة، بينما وسائلها لا تتوقف عن نسف أي أمل لعودة العلاقات الطبيعية بينها وبين جيرانها الأقرب لها من إيران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 يناير 2018