إن أي ثورة حدثت في التاريخ القديم أو المعاصر كان لها مسببات وافية جعلت الشعوب بين خيارين اثنين إما الخلاص من النظام الحاكم أو الموت تدريجيا بلا أي قيمة، وكان هناك مسببات اشتركت فيها غالبية الثورات التي نجحت في إسقاط الأنظمة، وعلى رأسها الظلم والجور والفساد والفقر والقمع والاضطهاد، ومنها من انفردت بمسببات جاءت نتيجة أخطاء سياسية قاتلة أو تدخلات أجنبية أو التدخل في شؤون الغير أو إقحام البلاد في حروب غير مسببة ومحاولة احتلال مناطق ودول.

إن المسببات الحقيقية لأي ثورة إذا ما اجتمعت في دولة واحدة كان سقوط نظامها حتمي، بحيث تكون هذه المسببات هي الدافع الرئيسي لخروج المواطن ضد النظام بعد ما تتساوى لديه الدنيا بالآخرة، ويتجرع مرارة الموت وهو على قيد الحياة مرات عديدة، وقتها ينكسر الخوف وتخرج أفواج وجموع الناس بطريقة تلقائية عشوائية لإعلانها رفض سياسات النظام، شعارها في ذلك إما الخلاص من النظام وإما الخلاص من الحياة.

ولكن في الدول التي يسيطر عليها أنظمة أمنية راديكالية قمعية، لا بد من توافر مسببات كبيرة لثورة شعبية حاسمة، بسبب القبضة الحديدية ومقدرة هذه الأنظمة على قمع المتظاهرين، كما حدث ويحدث في إيران حاليا، فإن كافة مسببات ثورة أو انتفاضة قد توافرت على الساحة الإيرانية سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ورغم قوة وفتك النظام وأجهزته الأمنية التي لا تعرف سوى لغة القتل والتهديد، فقد خرج مئات الآلاف من الإيرانيين في عدد من المدن الإيرانية من بينها العاصمة طهران يهتفون الموت للدكتاتوري، والموت لخامنئي، وحرقوا ومزقوا صورا للمرشد الإيراني وقائد فيلق القدس قاسم سليماني مهندس الإرهاب الإيراني في المنطقة.

ما حدث ويحدث في إيران، هو عبارة عن باكورة انتفاضة وثورة شعبية ستنهي عمر النظام الحالي في أقرب وقت، وليس كما تحاول السلطات الإيرانية الترويج بأنها سحابة عابرة خططت لها قوى عالمية وإقليمية، بل أنها مقدمات لثورة اكتملت مسبباتها ووضعت حجر الأساس لتغيير النظام الحالي.

إن وجود نحو 40 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر، منهم حوالي 15 مليون لا يجدون قوت يومهم، ووجود فساد متفشي ومتجذر في كافة أركان النظام، وقد تورطت به كافة الرموز والحكومات سواء التابعة للتيار الإصلاحي أو المعتدل أو المتشدد، ووصول معدل البطالة في بعض المناطق إلى 60% وأدناها إلى 12%، وإعدامات شبه يومية تنفذها السلطات الإيرانية بحق النشطاء السياسيين والحقوقيين والمعارضين، واتساع دائرة الخلافات المصلحية والوصولية بين أركان النظام ومؤسساته، وانتهاء صلاحية المنظومة الفكرية والعقائدية للنظام الإيراني وسياسات الخميني الرجعية ورفض غالبية الشعوب الإيرانية لها، وصعود جيل شباب إيراني يتطلع إلى مواكبة العصرنة والانفتاح على العالم ويرفض حكم ولاية الفقيه جملة وتفصيلا، واعتماد النظام على شراء الولاءات في استمرار حكمه، وسيطرة وتفرد مؤسسة الحرس الثوري على أركان الدولة وخاصة الاقتصادية، وعدم توزيع الثورات بما يضمن سيئا من العدالة وإهدار الأموال في التدخلات الخارجية، وقمع الداخل وتهميش واضطهاد القوميات غير الفارسية التي تشكل نحو أكثر من نصف سكان إيران، ووجود أحزاب ومؤسسات ورموز تضمر رفضها لحكم الملالي وتنتظر الفرصة للانشقاق عن جسد النظام وغيرها من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية جميعها تعتبر مسببات لثورة مؤكدة ستطيح بالنظام الإيراني في أقرب وقت ممكن.

وفي نظرة سريعة على الموازنة التي تم تحديدها للعام الإيراني القادم الذي يبدأ في تاريخ 21 مارس المقبل، فإن هذه الموازنة سترفع وتزيد من مسببات الثورة في البلاد، بعد تخصيص غالبيتها على تطوير قدرات الحرس الثوري وتدخلات فيلق القدس ذراعه الخارجي في المنطقة ودعم الإرهاب، وافتقارها لأي برامج تنموية داخلية، ونية حكومة روحاني وقف المعونات على الفقراء، وفرض مزيد من العقوبات على طهران، مع زيادة احتمالية توجيه ضربة عسكرية لإيران من قبل الولايات المتحدة، بسبب إصرارها على تهديد أمن واستقرار المنطقة والعالم، جميع ذلك سيخلق الظروف ويهيئ الجميع لثورة تطيح بالنظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 يناير 2018