يزداد التحالف بين ثلاثي الشر الإخواني (قطر، تركيا، السودان) عبر تنسيقات أمنية واقتصادية، وعبر بناء قواعد عسكرية، ولكن على أساس أن تكون اليد الطولى فيها لتركيا، على مستوى التمدد والتواجد الجيوسياسي، لاختراق المنطقة العربية بتسهيلات قطرية وسودانية، بينما يتم تحويل قطر إلى أداة اختراق، إلى جانب السودان التي عرفت منذ أواخر الثمانينات بمواقف تضع رجلاً مع التطرف والأخرى تحاول أن تتقرب بها من الدول الداعمة.

ومما ساعد على تبلور تحالف الشر الإخواني الثلاثي، الاستمرار في تفعيل نغمة إسلاموية قديمة تشترك فيها تيارات الإسلام السياسي القديمة والجديدة، ممثلة بالإخوان والقاعدة وداعش، وتقوم على نبذ مفهوم السيادة الوطنية، وتبرير الاختراقات وانتهاك السيادة وإقامة القواعد، بحجج أممية إسلاموية خيالية، تستوحي منطقها من تراث الخلافة العثمانية المزعومة، الأمر الذي جعل تقارب قطر والسودان مع تركيا يحلل الانتهاك التركي لسيادة الدولتين بإقامة قواعد عسكرية، لكن تنظيم الحمدين مع نظام السودان المقرب من الإخوان ينظر لتلك القواعد الأجنبية التركية وكأنها طلائع جنود الخليفة الذي يريد أن يعيد العثمانية إلى المنطقة من البوابة الإخوانية.

جاء تبلور تحالف الشر الثلاثي بين قطر وتركيا والسودان، وفقاً لخلفيات وممارسات ومصالح ضيقة تصر عليها قطر رغم أنها تهدد أمن غالبية دول المنطقة، وتلك المصالح جمعت بين الثلاثي الإخواني، وترتكز على مواجهة مشروع العقلانية والتنمية والاستقرار، مقابل مواصلة خدمة مشروع الفوضى التي يحلمون بل ويعملون على أن تؤدي إلى تمكين الإسلام السياسي من الهيمنة، ولكل طرف من عناصر الحلف الثلاثي هدفه من هذه الغاية.

الهدف القطري كان واضحاً منذ صعود تنظيم الحمدين الذي استشعر صغر حجم قطر، وقرر أن يبني لها قوة ناعمة وأن يتحالف مع التيار الأكثر شغباً والأعلى صوتاً في المنابر التي تستغل الخطاب الديني، وظلت قطر مدفوعة نحو المراهنة على جماعة الإخوان ومتحالفة معها في اتفاق ضمني على تشجيعها إعلامياً وتسليمها مفاتيح إدارة وصياغة الرسالة الإعلامية والتوجه التحريري للأدوات القطرية وأبرزها قناة الجزيرة، ولم يكن التحالف القطري الإخواني صامتاً أو طارئاً، بل كانت له خلفياته التاريخية، ابتداء باستضافة الدوحة لوجوه إخوانية عتيقة مثل القرضاوي وغيره من الأسماء التي نزحت من مصر إلى قطر منذ الستينيات، وتبلورت مصلحة قطر مع الإخوان ودعمت صعودهم إلى الحكم في مصر عقب سقوط نظام مبارك عام 2011، ثم سارعت قطر أيضاً بتوفير الملاذات الآمنة للإخوان الهاربين بالتعاون مع تركيا، واستضافت السودان بعض العناصر أيضاً، كما لعبت السودان دوراً سيئاً تجاه الأزمة الليبية ودعمت المتطرفين واختلفت مع القيادة المصرية التي يهمها استقرار ليبيا وبناء دولة تضبط الإيقاع وتفرض سلطة القانون في المدن الليبية.

بالنسبة للسودان أيضاً لا ننسى أن جينات الإسلام السياسي الإخواني تجري في دم القيادة السودانية منذ وصول البشير إلى الحكم عام 1989 على أكتاف الإخوان، الذين اخترقوا الجيش ومؤسسات المجتمع السوداني ودعموا وصول النخبة الحاكمة حتى اليوم، ومهما ابتعد البشير عن الإخوان أو اختلف معهم يعود دائماً إلى الحاضنة التي يعتبرها بيئته الطبيعية التي يتبادل معها لعبة تجديد العهد لمواصلة حكم السودان وتأجير سياساته وشخصيته الرسمية لصالح الإسلام السياسي والقوى التي تتبناه في المنطقة، وللتخبط السوداني محطات يلزم تناولها بشكل مستقل في تناولات قادمة، لأنها تمثل الضلع الأكثر شعبوية الذي يستغله المتطرفون بقدر ما يستغلهم النظام السوداني ويتبادل معهم أوهام التمكين، لدرجة أن زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن أقام لفترة في السودان وأنشأ معسكرات تدريب إلى جانب استثمارات لتمويل الإرهاب .

أما الضلع الأكثر توهماً باستعادة زمن الخلافة وإعادة نشر الجيش الانكشاري المتخلف فهو الجانب التركي. حيث كان وصول الإسلاميين المهادنين للمجتمع العلماني التركي إلى الحكم فرصة بالنسبة لهم لتجريب شكل آخر من أشكال الخداع والتمويه التي يلعبها الإسلام السياسي. وعمل إسلاميو تركيا على بعث ما تسمي بالعثمانية الجديدة، التي يحلمون من خلالها بتحقيق مجموعة أهداف متداخلة ومشتركة، منها كسر شوكة العلمانية التركية ورشوة المجتمع التركي للقبول بالإسلاميين لأطول فترة ممكنة، عبر تحسين جودة الاقتصاد، وإيجاد نفوذ خارجي قوي في الشرق الأوسط يرضي غرور الأتراك، ويشتري صمتهم وسكوتهم على تصرفات أردوغان وعلى الأيديولوجيا السلطانية العثمانية التي يقوم بمحاولة بعثها على مراحل، وفي نفس الوقت يخدم المشروع الإخواني ويلتقي مع قطر والسودان أو يستغلهما لتحقيق أهداف أكبر من حجم الشريكين المغفلين، والدليل على ذلك رضوخ قطر والسودان الفوري والسريع لإقامة قواعد عسكرية تركية يعتبر تواجدها في المنطقة مثيراً للشكوك، لأنه يعيد تركيا العثمانية التي رحلت من البلاد العربية مطرودة، ويهيء لها قواعد لم تكن تحلم بإقامتها من جديد!

بناء على التمهيد السابق، كانت الطبيعة الانتهازية التي تتميز بها دول ثلاثي الشر عاملاً مشتركاً سمح بتبني توظيف جماعات الإسلام السياسي، وتحويل أنظمة البلدان الثلاثة إلى واجهات رسمية وملاذات آمنة ومنابع تمويل للإخوان وغيرهم من جماعات التطرف والإرهاب، فعلى سبيل المثال نلاحظ كيف اتخذ الدور التركي في سوريا طابعاً لا يبتعد عن هذا التوجه المنحاز لأسلمة الصراعات وإكسابها طابعاً أيديولوجياً دينياً يغطي على حقائق أخرى اقتصادية وثقافية وإنسانية.

أحدث مستجدات تحالف الشر الثلاثي، منح السودان جزيرة سواكن للأتراك من أجل إقامة قاعدة عسكرية متقدمة لتهديد أمن المنطقة، وقبلها منحت قطر تركيا فرصة على طبق من ذهب للتواجد العسكري في الدوحة، وبمنظور الأمن القومي العسكري، تعتبر هذه الخطوة خيانة للأمن الخليجي والعربي، وتفتح المزيد من المنافذ القانونية والمنطقية لمشروعية مقاطعة قطر وعزلها، وهي المقاطعة التي دخلت منذ سماحها للأتراك ببناء قاعدة في الدوحة في باب الواجب الحتمي والضروري.

وعندما نتأمل مشروع دول تحالف الشر الإخواني، نجده يتقارب مع مشروع الجماعات الإرهابية العدمية التي ترفع شعارات شعبوية بعيدة عن الواقع، ومكمن الضعف لدى تحالف ثلاثي الشر الإخواني أنه يحاول الصدام مع مشروع آخر في المنطقة لديه خطاب حديث وتنموي وحضاري متسامح، يقوم على تبني النهضة والتنمية والتعايش والتفكير بإيجابية تجاه المستقبل، هذا المشروع تمثله الإمارات إلى جانب كل الدول المتطلعة لتوفير مستقبل آمن للأجيال القادمة يسوده الاستقرار والتفوق والابتكار، وليس الترويج لشعارات متطرفة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٦ يناير ٢٠١٨