By Istanbulian91 – عمل شخصي, CC BY-SA 3.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=27115087

في صدمة لم يتوقعها من يروجون لتركيا وسياستها التي تتزين بالخطاب الديني لتمرير نفوذها وتسلطها في المنطقة، أصدرت المحكمة الدستورية التركية قراراً يفيد قانونياً بإباحة الشذوذ والمثلية وعدم التحرج من إشهارها والإعلان عن مظاهرها في الشارع التركي. القرار صدر في الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي، وتناقلت مصادر الأخبار مضمونه الذي يشرعن بشكل قانوني للمثلية ويبيح تجمعات المثليين وانتظارهم أو بحثهم عن أقرانهم في الشوارع والأماكن العامة، لتفتتح تركيا العام الجديد 2018 بهذا القرار، الذي لم يصدر بشكل مرتجل، وإنما لكي يؤسس لقاعدة قانونية تسري في تركيا ويتعامل بها القضاء التركي في المستقبل ويحكم بموجبها، هذا الحدث التشريعي تم في ظل رئاسة رجب طيب أردوغان، المشهور بمزاعم إحياء العثمانية، والذي يتغنى بالخلافة ويغازل أحلام الماضي السلطاني البائد.

وشكّل قرار القضاء العالي في تركيا صدمة غير متوقعة لمن يعتبرون تركيا القبلة الجديدة لقيادة الإسلام السياسي، أو يفترض أن يشكل لهم صدمة رغم أنهم يتجاهلون مثل هذه الأمور ويركزون على خطابات أردوغان التحريضية، فهل يسعى أردوغان كما يحدث في انتخابات أوروبا لكسب أصوات المثليين، لأن مضمون القرار القضائي الصادر في عهده يعتبر إشهار المثلية في الفضاء العام التركي مشروع قانونياً، وللتذكير فإن أردوغان يبني حضوره وشعبيته الزائفة على الخطاب الشعبوي العاطفي الديني، وعلى النفاق مع التيارات الدينية المتطرفة ومع الجماهير التركية التي يحشدها تحت اسم حزبه الإسلامي شكلاً والسلطوي من حيث الجوهر والممارسة.

المغزى الذي يمكن استنتاجه أو تأكيده من فحوى قرار المحكمة الدستورية التركية، هو أن هناك تركيا أخرى غير التي يروج لها أردوغان وحزبه، أما تركيا الخيالية التي يتحدث عنها الإخوان الهاربون في اسطنبول فإنها مجرد وهم وشبكة لاصطيادهم لخدمة النفوذ التركي والتنظيم الدولي الإخواني.

ومنذ سنوات يستخدم أردوغان الديكور الإسلامي لأغراض سياسية وسياحية، بينما تأخذ مظاهر الحياة في شوارع المدن التركية طابعاً لا علاقة له بالديكور الزائف المتداول في الإعلام الإخواني خارج تركيا.

أما عن قصة وظروف صدور القرار القضائي بخصوص إباحة مظاهر المثلية في الشارع التركي، فقد تناولتها التغطيات الأخبارية التي أشارت أواخر ديسمبر الماضي إلى أن المحكمة الدستورية التركية أصدرت قراراً يسمح للمثليين بالبحث عن زبائن في الشوارع والطرقات، كما أوردت صحيفة زمان التركية الخبر بالتفصيل يوم الخميس الموافق 21 ديسمبر 2017، وعن ملابسات صدور القرار، أوضحت الصحيفة التركية أن المحكمة الدستورية اجتمعت للنظر في دعوى النقد المقدمة من شخص “مثلي”، فرضت عليه الشرطة غرامة مالية وفقاً لقانون “الأعمال الفاضحة في الطريق العام”، أثناء انتظاره لأحد الزبائن، وبناء عليه أصدرت أعلى محكمة في تركيا القرار المذكور، وذكرت صحف تركية أن المحكمة قالت في قرارها الذي صدر بأغلبية الأصوات مقابل اعتراض قاضٍ وحيد: “لا يجوز فرض عقوبة على المثليين الجنسيين في الشوارع، والطرقات، لانتظار زبائنهم”، وبحسب قانونيين فإن نص قرار المحكمة في القضية سيتحول إلى مرجع فقهي دستوري يتم تطبيقه، وأوضحت المحكمة في سياق توضيح مبررات قرارها، إن فرض الغرامة بدعوى المثلية الجنسية تتعارض مع المادة رقم 37 من القانون رقم 5326 المتعلقة بالأعمال الفاضحة في الطريق العام ومضايقة الآخرين”، مشيرةً إلى أن “الانتظار هنا لم يضايق أحداً”. وبذلك فإن المحكمة التركية استندت في إباحتها لمظاهر وتجمعات المثليين في الشوارع التركية شرطاً واحداً فقط، وهو عدم مضايقة الآخرين!

وتندرج قوننة مظاهر الشذوذ والمثلية في تركيا مع خطوات سابقة سارية من قبل تتعلق بتقنين بيوت الدعارة بشكل رسمي، ورغم هذه المظاهر التي تتعارض شرعياً وأخلاقياً مع مبادئ الدين الإسلامي، إلا أن المطبلين للنظام التركي في وسائل الإعلام الإخوانية يروجون للسياسة التركية باعتبارها إسلامية التوجه، ويمهدون الطريق للدور التركي المشبوه ومحاولاته المتكررة لاختراق الأمن القومي الجماعي والفردي لدول المنطقة.

يذكر أن المهتمين بدراسة الإسلام السياسي يتجهون لتفسير التناقضات التي يقع فيها أتباع هذا التيار من خلال الإشارة إلى اعتماد قيادته على منهج ميكيافيلي يعتمد على التفكير في الغايات مهما كانت الوسائل، وفي سبيل تحقيق أهداف الإسلام السياسي المتمثلة في الوصول إلى الحكم والسيطرة على القرار والثروة، لا يمانع أتباع التيار وفي مقدمتهم الإخوان والتنظيم الدولي من الرضوخ لأجهزة استخبارات عالمية أو دول وأنظمة متطلعة لبسط نفوذها، كما في النموذج التركي الذي يمزج بين الشعبوية الإخوانية ونمط الحياة المفتوحة وغير المنضبطة بقيم دينية أصيلة وتقاليد راسخة تحترم أعراف المجتمع.

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٧ يناير ٢٠١٨