أصبح من الصعب التحدث عن السلوك القطري بعيدا عن المخطط الإيراني في المنطقة، ومن يحلل أي تصرف قطري في الوقت الراهن بعيدا عن السياسة الإيرانية ومخططات طهران لن يصيب الحقيقة ونتائج تحليله ستبقى ناقصة، ولا بد من قراءة ما في عقول قادة إيران لنتمكن من تقديم استشراف مستقبلي لأزمة قطر الراهنة، باعتبار أن من يخطط للنظام القطري في الوقت الحالي ويهندس سلوكه لا سيما تجاه الدول المقاطعة وعلى رأسها السعودية والإمارات هم قيادات إيرانية تتبع فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس الثوري.

وفي حقيقة الأمر، فإنه لا يمكن فصل التصعيد القطري الأخير تجاه دولة الإمارات والدول العربية المقاطعة عن الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي اندلعت مؤخرا في المدن الإيرانية وشكلت تهديدا مباشرا للحرس الثوري والنظام الإيراني، وما عقبها من اتهامات إيرانية بشكل مباشر للسعودية وغير مباشر للإمارات بالضلوع في إحداث تلك المظاهرات وما صدر من جهات إيرانية سياسية وعسكرية من تهديدات مبطنة تجاه هذه الدول.

لقد أرادت طهران هذه المرة استخدام الورقة القطرية في تهديد أمن وسلامة الدول الخليجية وخاصة الإمارات والسعودية، فدفعت الدوحة بداية إلى تلفيق التهم للإمارات باختراق طائرات إماراتية للمجال الجوي القطري كخطوة أولى لتبرير تهديدها المباشر للطيران الإماراتي المدني، وتشكيل تهديد على سلامة الملاحة الجوية من وإلى الإمارات، باعتبار ذلك انتقام إيراني من الدول الخليجية التي لفقت إليها اتهامات بتحريض الشعوب الإيرانية على نظام الملالي.

إن قراءة ما جرى من زاوية القوة والاقتدار، يكشف عدة حقائق حول الإفلاس الإيراني في الدرجة الأولى والقطري الإخواني في الدرجة الثانية في امتلاك الأدوات والأوراق التي من الممكن أن تجعلها تصمد على مواقفها وتصر على سياساتها إلى زمن أطول، فاعتراض طائرات مدنية إماراتية من قبل طائرات عسكرية قطرية تعتبر هزيمة قطرية أخرى من الناحية الأخلاقية والقانونية وحتى العسكرية، وهي لا تضيف إلى سجل الحمدين الأسود سوى بضعة صفحات من الفشل والانكسار والهزيمة.

الهدف الإيراني من هذه العملية قد باء بالفشل، فالنظام الإيراني يريد أن يعسكر الأزمة بين قطر والدول العربية المقاطعة باستفزاز بمثل هذه التمردات القطرية، غير أن حكمة القيادة الإماراتية وما تتمتع به من من خبرة ودراية قادت تماما على تفويت الفرص وإفشال مخططات إيران كما أفشلت من قبلها مخططات الإخوان.

المهم في هذه المرحلة هو دراسة المخططات الإيرانية القطرية وما تنوي قيادات الحرس الثوري وتنظيم الحمدين افتعاله، فالمهم في ما حدث ليس محصورا في تهديد سلاح الجو القطري لطائرتين مدنيتين إماراتيتين، وأن الموضوع قد حدث وانتهى، بل إن ما حدث هو عبارة عن جزء من مخطط ونشاط خطير تقوده طهران والدوحة ضد الدول المقاطعة وخاصة السعودية والإمارات، ويهدف هذا المخطط إلى جر دول المنطقة إلى مواجهات واشتباكات عسكرية، وقد وضع هذا المخطط بناء على جملة من الأهداف الإيرانية والقطرية، فالدوحة قد يأست من إيجاد حلحلة لأزمتها، ما جعلها تبحث عن حلول آخرى تعبر عن يأسها وانتحاريتها، وهي التهديد والتصعيد العسكري، أما طهران فهي تبحث عن أي صراع مسلح شرق أوسطي آخر لإشغال الولايات المتحدة والدول الأوروبية بهذا الصراع عن سلوكها وأنشطتها الإرهابية، إضافة إلى محاولة إجبار الولايات المتحدة إلى تمديد رفع العقوبات عن طهران بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن قرار تمديد رفع العقوبات عن طهران سيكون الأخير، لذا تسعى قيادات النظام الإيراني إلى إحداث بلبلة وفوضى في منطقة الشرق الأوسط لتجعل ترامب يعيد حساباته في عدم الانسحاب من الاتفاق النووي تخوفا من انفلات الأوضاع في المنطقة بشكل عام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 يناير 2018