خدمت رمادية الإرهاب عددا من الأنظمة الإقليمية التي استغلت فضفاضية هذا المصطلح لتحقيق مآربها السوداوية على حساب شعوب المنطقة، متنقلة من زاوية إلى أخرى في المساحة التي أتاحها الإرهاب الرمادي لهذه الأنظمة وعلى رأسها نظام الرئيس التركي أردوغان الذي لا يزال يستغل هذه الرمادية أبشع استغلال في محاولات تمرير مشروعه الوهمي.

ورمادية الإرهاب تعني الخلط بين المقاومة المشروعة وما شابهها من ثورات وانتفاضات شعبية وبين القتل والإرهاب والتطرف وترويع الناس، أي وجود مساحة فضفاضة تشمل القوة الشرعية والقوة غير الشرعية، حيث أدى عدم وضع معالم محددة متفق عليها دوليا إلى ظهور هذه الإشكالية في تحديد ماهية الجماعات الإرهابية، ما جعل بعض الدول تستغل هذه الرمادية في تحقيق سياساتها التوسعية وإيجاد ذريعة لتدخلاتها في شؤون الدول الأخرى.

ما سبق جعل لنظام أردوغان مفهوم خاص للإرهاب أعطاه أكبر مدى من الليونة، بحيث يستطيع اتهام أي من يعارض سياساته بأنه إرهابي، ومن يوافق سياساته أو يعتبر أداة لتحقيق أوهامه التوسعية فهو مقاوم له شرعيته، وعلى هذه المعادلة يمكن فهم السياسات التركية المتقلبة تارة والمتخبطة تارة أخرى.

وقف أردوغان إلى جانب تنظيم جماعة الإخوان المسلمين بكل قوة ضد النظام المصري، معتبرا الجماعة مقاومة والنظام إرهابي انقلابي، كما دعم بشدة الجماعات المسلحة ضد النظام السوري، وشكل جماعات مقاتلة معتبرا ذلك حقا مشروعا للشعب السوري، في المقابل وقف أردوغان إلى جانب النظام الإيراني ضد الانتفاضة الشعبية التي خرجت ضد النظام مؤخرا ولا تزال مستمرة، معتبرا الشعب الإيراني إرهابي والنظام له الحق في مقاومة إرهابية الشعوب الإيرانية، وساند النظام القطري في مواقفه وأرسل قوات عسكرية وأمنية لقمع أي ثورة شعبية ضد نظام الحمدين، في تناقض خجل أطفال المدارس أن يسقطوا به من شدة وضوح زيفه وخداعه للعقول.

وإذا ما تتبعنا المواقف السياسية التركية وخاصة في الفترة الأخيرة، يتبين أن أردوغان قام بقلب أطراف المعادلة رأسا على عقب، واتهم الأنظمة الشرعية والشعوب المظلومة الثائرة بالإرهاب، في حين أكد على مشروعية أنشطة الجماعات الإرهابية والأنظمة القمعية والتوسعية وعلى رأسها النظام الإيراني وتنظيم الإخوان، ما جعل تركيا تغرد خارج السرب العالمي وتصطف مع تحالف الشر قطر وإيران.

الخطير في التقارب التركي الإيراني القطري هو تعزيز قدرات الجماعات الإرهابية وما تشكله من أخطار وتهديدات على شعوب المنطقة، لأن التعاون والتنسيق بين هذه الأطراف الثلاث سيكون بمثابة إعادة الروح من جديد للإرهاب في المنطقة، وسيشكلا عائقا كبيرا أمام القوى الإقليمية والعالمية التي تقود عملية مكافحة الإرهاب.

المستفيد الأول من هذا التقارب ستكون القوى الخفية التي ترعى الإرهاب ونشر الفوضى الخلاقة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها الكيان الصهيوني والنظام الإيراني، والخاسر الأكبر في هذا التقارب هي شعوب المنطقة بما فيها تركيا وقطر، ما يجعل من الحكمة القول أن على النظام القطري والتركي أن يراجعا سياساتهما الداخلية والخارجية، ويضعان خطوات فعلية تثبت نواياهما في وقف دعم الإرهاب والتطرف، وإيجاد حل الأزمات العالقة والمضي قدما مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، وفي غير ذلك فإن الشعب القطري والتركي وقوى المعارضة وحكماء البلدين معنيين بالضغط على هذه الأنظمة ووضعها بين خيارين إما العودة إلى الجسد العربي والإسلامي وإنهاء سياسات دعم الإرهاب وإما السقوط، وهو حق مشروع لكافة الشعوب التي تقودها أنظمة قمعية ظالمة تقود البلاد إلى التهلكة والضياع وتهدر أموالها وثوراتها على دعم الإرهاب والتطرف ومشاريع توسعية وهمية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 يناير 2018