من الواضح أن جوهر الخلاف بين دول الخليج الكبرى (السعودية والإمارات) وبين قطر، يتعلق بالنفوذ الإخواني المستمر، الذي اختطف السياسة القطرية وخطابها الإعلامي، وما يصاحب ذلك النفوذ من استخدام إخواني للمال والإعلام والقرار القطري الخارجي لصالح التنظيم، سواء بغرض دعائي يبرز تسلط الإخوان وتحكمهم بالمؤسسات القطرية، أو لأهداف انتقامية بعد الخسارة التي لحقت بالتنظيم في مصر والإمارات وتونس وغيرها.

لقد دعمت قطر تنظيم الإخوان بشدة على المستوى الإعلامي أثناء فوضى الربيع العربي، وعندما انهار حكم المرشد في مصر، وجد الإخوان في قطر قاعدة ملائمة لمواصلة الإعلان عن وجودهم. لكن سلوكهم الذي يمتاز بالجشع أدى إلى الإضرار بقطر وعزلها عن محيطها الخليجي. وساعدهم على التغول والسيطرة مكابرة القيادة القطرية وتماهي مشروع تنظيم الحمدين مع المشروع الإخواني. وبذلك أصبحت اللعبة بين الطرفين واضحة المعالم والمهام. فقطر تمول وتوفر الآليات والوسائل والخدمات الضرورية، والإخوان ينفذون الاستراتيجية ويطلقون حملاتهم الإعلامية الضارية ضد مصر والإمارات والسعودية. فحجم ما أنتجته قطر من مواد إعلامية تستهدف بتركيز متعمد السعودية والإمارات يشير إلى أن الدوحة منحت الضوء الأخضر للكوادر الإخوانية، ووفرت لها الإمكانيات اللازمة للقيام بحملات ضد دول المقاطعة، تعبيراً عن عجز الدوحة عن التراجع والعودة إلى الصواب، وهروباً من المطالب المتكررة لها باتخاذ مواقف حاسمة ضد الإرهاب وبما يجعلها تعيد تموضعها في الإقليم كدولة إيجابية.

الدليل على أن اللوبي الإخواني يتحكم بكل تفاصيل الخطاب الإعلامي لقطر، أن الذراع الأكثر كلفة ونفقات والمتمثل بقناة “الجزيرة” يدار بفريق عمل إخواني، من غرفة التحرير والبرامج إلى المراسلين والكتّاب والمحللين. وبنظرة فاحصة لما تبثه القناة على شاشتها أو موقعها الالكتروني، تبرز للمتابع البسيط ملامح التوجهات الإخوانية التي ضاعت بين سطورها قطر واختفت وأصبحت مجرد قاعدة لخدمة الإخوان وتبني مواقفهم الانتقامية ضد مفهوم وكيان الدولة التي تسعى لبسط الاستقرار وتحقيق التنمية، سواء في مصر أو غيرها.

في المحور المصري، يركز إعلام قطر الإخواني على التعليق بسخرية وانتقاص وتهكم ضد كل ما يدور في مصر وما يحدث فيها من تفاعلات. حيث لم تترك “الجزيرة” خطاباً واحداً أو لقاءاً أو مؤتمراً للرئيس عبدالفتاح السيسي من دون أن تعلق عليه بمزاج إخواني ولغة رخيصة وخالية من المنطق الإعلامي الرصين. ناهيك عن استئجار صبيان الإخوان من الكوميديين الفاشلين لتقديم برامج هزلية لا تليق بقنوات فضائية يفترض أن جمهورها يتوقع مادة إعلامية أرقى من السخرية الموجهة لجمهور الإخوان المحدود من حيث العدد ومن حيث ضيق الأفق المقترن بنزعة الانتقام والحقد. فما يتوقع جمهور الإخوان من إعلامهم لا يتعدى تهييج مشاعر الحقد والبكاء على أطلال السلطة التي خرجت من أيديهم. وحتى في ما يتعلق بالحرب المفتوحة التي يخوضها الجيش المصري ضد المتطرفين في سيناء، يعتمد الإعلام الإخواني القطري على التشكيك وإنكار وجود إرهابيين من الأساس، في مقابل التعاطف مع من يستهدفون جنود الدولة، ويتم تناول العمليات الإرهابية التي تستهدف قوات الأمن المصرية برؤية تميل إلى التشفي والانحياز إلى صف الإرهابيين القتلة.

ومن تناقضات إعلام الدوحة الذي يسيطر عليه تنظيم الكراهية الإخواني، نلاحظ انحياز التغطية الإخبارية ووقوفها مع الجانب التركي هذه الأيام، في سياق تغطية التوغل التركي العسكري في الأراضي السورية. ونظراً للتحالف الآخر بين الإخوان وتركيا لا يمكن أن يتناول الإعلام الإخواني التحركات التركية بانتقاد أو تحليلات تعترض عليها. رغم أن التطفل التركي في المشهد السوري يضر بالسوريين بشكل عام ويخترق الأمن القومي العربي لأن تركيا تضع مصلحة نظامها في المقدمة على حساب السوريين وعلى حساب سيادة ووحدة سوريا.

وبذات التناقض يتعامل إعلام قطر الإخواني مع أحداث اليمن. فمنذ انسحاب قطر وإنهاء دورها ضمن التحالف العربي بدأت تنحاز إعلامياً إلى جانب المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران. ولم يكن هذا الموقف مستبعداً، لأنه يتسق مع الموقف السياسي القطري الرسمي الذي باع السياسة القطرية الخارجية في غمضة عين لطهران، مقابل تسيير إيران رحلات بحرية تمد قطر بمواد غذائية منخفضة الجودة وتباع للدوحة بثمن مرتفع، وكل ذلك من أجل أن تواصل قطر عنادها وابتعادها عن البيت الخليجي بحسب توجيهات تنظيم الحمدين وتنسيقه مع تنظيم الإخوان!

وفي كل محفل منذ أن كشفت قطر عن إصرارها على تبني دعم التطرف وجماعات الإرهاب، تقوم دائما باختيار الموقف الذي يشكل عامل تهديد للأمن القومي الخليجي والعربي. ومن أبرز المواقف التي تتصف بالحماقة؛ استدعاء النفوذ التركي والسماح بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر، وهذا ما لم تكن أنقرة تحلم به وبتحققه بتلك السهولة، لولا اللوبي الإخواني الذي اخترق مؤسسات القرار القطري، ووضع أجندة التنظيم في المقدمة، مراهناً على المال القطري وعلى إيرادات بيع الغاز. واتضح أن المال وحده لا يمكن أن يبني شخصية اعتبارية لدولة إذا كانت تضع إعلامها وقرارها في يد تنظيم إرهابي متسلق مثل تنظيم الإخوان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 يناير 2018