مصدر الصورة: By Pline – عمل شخصي, CC BY-SA 3.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=900431

 

 

مدخل

حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر، وحصة إيران تسمى بــ “پارس جنوبي” وحصة قطر بـ” حقل غاز الشمال”، وهو حقل غاز طبيعي في الخليج العربي، ويعتبر أكبر حقول الغاز في العالم، وتبلغ مساحته 9.700 كم مربع، منها 6.000 تقع في المياه الإقليمية لقطر وتسمى كما ذكرنا “حقل غاز الشمال”، و3.700 تتبع إيران وتسميه “پارسى جنوبي”، وحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية فإن هذا الحقل يضم نحو 51 ترليون متر مكعب من الغاز أي (1800 تريليون قدم مكعب) من الغاز الطبيعي، ونحو 8 مليار متر مكعب من مكثفات الغاز الطبيعي، تم اكتشافه عام 1971 ولكن بداية الإنتاج  تعود إلى عام 1989م.

ويعتبر الغاز الطبيعي أحد أهم مصادر الطاقة البديلة عن النفط، وخاصة أنه يعتبر من المحروقات عالية الكفاءة وقليلة الكلفة وقليلة الانبعاثات الملوثة للبيئة أيضا، ويعتبر الغاز الطبيعي مورد طاقة أولية مهمة للصناعة الكيماوية، ولهذه الأسباب له تأثيره الجيوسياسي على الدول، ويرافق بتأثيره تعزيز مكانة الدولة الغنية به سياسيا واقتصاديا، كما هو الحال مع قطر التي أصبحت من أكثر دول العالم غناء بسبب الغاز، واستطاعت من خلالها بناء شبكات اقتصادية واستثمارية ضغطت من خلالها على المواقف السياسية للعديد من الدول.

 

الحصة القطرية “حقل الشمال”

استمرت قطر في إنتاج الغاز من هذا الحقل منذ عام 1991حتى عام 2005 حين أعلنت تعليق تطوير حقل غاز الشمال لإتاحة الوقت للبلاد لدراسة تأثير مثل هذه الزيادة السريعة في الإنتاج على الاحتياطيات، حيث ستعطي قطر الأولوية للتأكد من طول أمد الاحتياطيات، في المقابل لم تتمكن إيران من جني الثمار من حصتها قبل عام 2002، والسبب يعود للعقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على طهران، حيث استطاعت قطر استقدام شركات عالمية واستغلت الحقل لتصبح أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم في حين تعرقل تطوير إيران لحصتها “لبارس الجنوبي” جراء تأخيرات طويلة بسبب العقوبات الدولية.

ومع بداية إنتاج إيران للغاز من حصتها في هذا الحقل عام 2002، كانت قطر قد أنتجت خلال الــ 11 عاما 214 مليار متر مكعب من الغاز، ومنذ عام 2002 حتى عام 2014 ورغم ما أعلنته قطر من تعليق لتطوير حقل الشمال، كانت قد استخرجت نحو 1242 مليار متر مكعب، في حين كان إنتاج إيران نحو 710 مليار متر مكعب، أي أن إنتاج قطر زاد عن إنتاج إيران في هذه المرحلة نحو 70%، ولم يتقارب الإنتاج فيما بين الطرفين إلا في عام 2005، وأيضا في عام 2014 حيث بلغ إنتاج قطر نحو 177 مليار متر مكعب، وإيران نحو 95 مليار متر مكعب، بينما في عام 2015 كان إنتاج قطر ضعف إنتاج إيران.

وفي قطر تنتج الغاز الطبيعي المسال شركتان هما: قطر للغاز وراس غاز وتملك شركة قطر للبترول حصة الأغلبية فيهما في حين تحوز شركات نفط عالمية حصصا صغيرة في بعض خطوط الإنتاج، وتملك شركة قطر للبترول حصة تبلغ 70 في المئة في راس غاز وتملك اكسون موبيل 30% الباقية في حين تعود ملكية قطر للغاز إلى كونسورتيوم يضم قطر للبترول وتوتال واكسون موبيل وميتسوي وماروبيني وكونوكو فيليبس ورويال دتش شل، وتوفر شركة قطر لنقل الغاز “ناقلات” السفن لنقل الغاز الطبيعي المسال القطري، وجدير بالذكر أن هذا الحقل يسهم بجميع إنتاج قطر من الغاز تقريبا وحوالي 60 في المئة من إيرادات التصدير.

وفي العام الماضي كانت قطر قد أعلنت العودة لإنتاج الغاز من حقل الشمال، بعد توقف اختياري لمدة 12 عاما، وهي الفترة التي كانت إيران تخضع فيها لحظر وعقوبات لا تمكنها من استغلال الحقل الذي تشترك فيه مع قطر، وفي الوقت نفسه كان نائب رئيس شركة النفط الوطنية الإيرانية ” غلام رضا منوشهري ” قد أعلن أن  إيران قد بدأت بإنتاج الغاز من حقلها “بارس جنوبي”، وذلك في مارس عام 2017، وقال إنه يتوقع أن تبدأ الآبار بإنتاج 5 آلاف برميل يوميا وستبلغ 35 ألف برميل يوميا في غضون أسبوع، وأضاف أننا نأمل خلال 30 إلى 45 يوما أن تصبح لدينا أول شحنة جاهزة للتصدير من الطبقة النفطية في بارس الجنوبي، وتسعى طهران إلى زيادة حصتها في أسواق النفط العالمية لتعود إلى مستويات ما قبل فرض العقوبات الغربية عليها على خلفية نشاطها النووي، وترى أن الطريق للوصول إلى هذا الهدف يتم عن طريق الإنتاج في حقل “بارس الجنوبي” وهو أكبر حقل غاز في البلاد، وكذلك التوصل إلى إنتاج بنفس المستوى الذي تنتجه قطر من هذا الحقل.

المساعي الإيرانية بدأت صراحة بعد تمكن الحكومة من التوصل إلى اتفاق نووي رفع على أثره بعض العقوبات عن طهران بداية عام 2016، ما فتح المجال أمامها لتصدير النفط والغاز، فخرجت بعد ذلك دعوات ومطالبات من قبل خبراء سياسيين واقتصاديين للحكومة الإيرانية بضرورة توجيه الاهتمام إلى الإنتاج من الحقل الغازي في جنوب البلاد، والذي تستغله قطر على حساب إيران.

وبعد نجاح الحكومة الإيرانية في التوصل إلى اتفاق مع الغرب حول برنامجها النووي، وما فتح لها الأبواب من مجالات لإعادة تصدير النفط والغاز، خشيت قطر من فقدان مكانتها في سوق الغاز الطبيعي لا سيما بعدما تجاوزتها استراليا، وما أعلنته روسيا أيضا من مساع حثيثة لتكون أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وعقد طهران اتفاقية مع توتال الفرنسية لتطوير الجزء الذي يتعلق بها من هذا الحقل، سارعت الدوحة إلى العودة إلى العمل وتطوير حقل الشمال، ونفت على لسان الرئيس التنفيذي لقطر للبترول “سعد الكعبي” أن يكون قرار إعادة العمل في حقل الشمال مرتبطا بالجهود الإيرانية لمضاعفة إنتاجها من الحقل، بعد رفع العقوبات عن طهران.

ولا تزال الجهود الإيرانية في تطوير حقولها النفطية والغازية رغم تحقيق تقدم بنسبة ما، تواجه قلق ومخاوف الشركات العالمية من عودة العقوبات على طهران وخاصة بعد التصعيد الأميركي الأخير ضد السياسات الإيرانية، وزيادة احتمالية إلغاء الاتفاق النووي ما يعني عودة العقوبات مجددا على إيران، إضافة إلى ذلك فإن بعض هذه المخاوف تتعلق بخشية الشركات من التورط في شبهات دعم الإرهاب فيما لو عقدت اتفاقيات مع الجانب الإيراني والذي من المرجح أن يكون الحرس الثوري لسيطرته على نحو 70% من القطاعات والأنشطة الاقتصادية لإيران.

وقبل الأزمة القطرية، لم يكن هناك علاقات فريدة علنية بين إيران وقطر سوى تقاسم البلدين حقل الغاز المشترك في الخليج العربي، بل أن العلاقات بين البلدين شهدت تراجعا بعد الأحداث السورية لتناقض الأهداف واختلاف الجهات المدعومة، وتجاريا كانت ولا تزال العلاقات التجاریة بین إیران وقطر لا تقترب من حجم العلاقات التجاریة القائمة بین طهران وأبوظبي؛ فالإمارات تعد واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران في المنطقة، حيث تعتبر دولة الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإیران بعد الصين.

وفي أبريل العام الماضي، أعلنت الدوحة إنهاء التعليق المؤقت على تطوير حقل الشمال والذي كانت قد فرضته على تطوير أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم منذ عام 2005، وأعلنت عن حقبة تطوير جديدة لهذا الحقل ستعمل على زيادة الإنتاج الحالي بنحو 10% أي إنتاج 2 مليار قدم مكعب من الغاز يوميا، وستضيف حوالي 400 ألف برميل يوميا من المكافئ النفطي لإنتاج قطر، كما أعلنت  الدوحة مؤخرا أنها  تعتزم زيادة إنتاجها من هذا الوقود بنحو 30% بحلول عام  2024، وفي بداية العام الجاري أعلنت عن اكتمال اندماج شركتي “قطر غاز” و”رأس غاز” ما يسهم في تحقيق وفرات مالية تصل إلى ملياري ريال (549.4 مليون دولار) من التكلفة التشغيلية سنويا، وأيضا دعمها لمشروع تطوير حقل الشمال.

ووفقا للتقارير والدراسات فإن كميات الغاز الموجودة في القسم الإيراني “بارس جنوبي” تبلغ حوالي 500 تريليون قدم مكعب، مع احتياطي يقدر بحوالي 360 تريليون قدم مكعب، بينما تبلغ كميات الغاز الموجودة في القسم القطري “حقل الشمال” بنحو 1300 تريليون قدم مكعب، مع احتياطي يقدر بحدود 900 تريليون قدم مكعب وهو ما نسبته 20% من احتياطي الغاز العالمي، الأمر الذي جعل قطر الثالثة عالمياً في احتياطات الغاز بعد روسيا وإيران، وقد ارتفع معدل إنتاج الغاز من حقل الشمال إلى حوالي 9 مليار قدم مكعب يوميا، وبفضل منشآت بمليارات الدولارات شيدتها الدوحة بالتعاون مع شركات الطاقة الغربية أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بينما حالت العقوبات الغربية دون تحقيق إنجاز مماثل في إيران، ما جعل الأخيرة  تعزز الإنتاج من حقل بارس جنوبي بوتيرة سريعة، ويخشى البعض في قطر أن تؤدي المبالغة في نشاط الحفر الإيراني إلى إضعاف معدلات الاستخراج في كلا البلدين.

وكانت قطر قد أكدت أن كل طرف يعمل على تطوير ما لديه من احتياطيات الغاز بشكل منفصل، غير أن الواقع وما تبنيه الدوحة من علاقات غير علنية مع طهران تشكك في هذه المقولة، وتشير إلى أن تطوير مشاريع إنتاج الغاز لدى إيران وقطر يتم ضمن اتفاقيات مبرمة بين الطرفين، وخاصة أن وزير الطاقة القطري كان قد صرح لرويترز خلال اجتماع لمنظمة أوبك في فيينا إن هناك قنوات اتصال بين الجانبين حول حقل الغاز المشترك لكنه رفض الخوض في التفاصيل، كما أن الرئيس التنفيذي لشركة قطر للبترول المملوكة للدولة “سعد الكعبي” كان قد أكد أن إيران ليس لها أي علاقة بعملية تطوير غاز حقل الشمال، ليتراجع بعد ذلك ويقول: لكن توجد لجنة مشتركة قطرية إيرانية تجتمع سنويا لمناقشة تطوير هذا الحقل، ويرى بعض الخبراء إنه ليس بوسع قطر أن تزيد الإنتاج دون التعاون مع جارتها إيران، بل إن البعض ذهب إلى أن الغاز المسال حاليا هو كل شيء بالنسبة إلى قطر، لكن “مأمون فندي” وهو مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن قال في تغريدة له إن قطر تقوم بمساعدة إيران تحت الطاولة، من خلال بيع حقل الغاز المشترك بينهما وتقسيم ريعه، مضيفا أن ذلك يعد فعلا مضادا لقوانين الحصار الدولية المفروضة عليه.

وتعتبر قطر أكبر المصدرين للغاز في عام 2016 بنسبة 30%، تليها أستراليا بنسبة 17%، ثم ماليزيا بنحو 10%.

الشكل البياني يوضح نسب الدول المصدرة للغاز عام 2016

قطر والغاز

حولت العائدات المالية لتصدير الغاز قطر إلى أغنى دول العالم، ورفعت دخل الفرد السنوي إلى 130 ألف دولار، وأصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، وبسبب ثورتها الغازية بنت علاقات قوية مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران، وهي تستضيف قاعدة عسكرية أميركية كبيرة، ومنحت ثروة الغاز قطر قوة اقتصادية ساعدتها في ممارسة سياسات أكبر من حجمها ومعاندة دول إقليمية كبيرة كمصر والسعودية، مثل إصرارها على دعم تنظيم الإخوان المسلمين، كما أن أموال الغاز مكنت الدوحة من تأسيس مشروعات إعلامية ضخمة ذات نفوذ عربي وعالمي كبير وعلى رأسها قناة الجزيرة.

وأصبحت قطر من أغنى دول العالم عن طريق بيع الغاز من حقل الشمال البحري العملاق إلى أوروبا وآسيا والأميركيتين، ليمول جزء من هذه العائدات والأرباح استعداداتها لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022، واستخدمت الدوحة اقتصاديات الغاز في بناء ترسانة استثماراتية وشبكة علاقات تجارية مع شركات عالمية لها تأثيرها على قرارات المجتمع الدولي، ومن ثرواتها النفطية والغازية طورت قطر علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع دول قوية في العالم، وهو ما يفسر رفض المجتمع الدولي وخاصة أميركا وأوروبا استخدام دول الرباعي العربي القوة العسكرية ضد قطر لإنهاء الأزمة الراهنة، رغم أن هذه الدول أقرت في أكثر من موقف بأن قطر تدعم الإرهاب، غير أنها رجحت كف مصالحها الاقتصادية مع الدوحة على كف الخلاص من سياسات النظام القطري بتدخل عسكري قد يلحق الضرر بتلك المصالح والاستثمارات.

ومع أنه لا يزال حتى الآن الغاز أقل استخداما من النفط، إلا أنه أصبح له علاقة بالجغرافيا السياسية للمنطقة، وبالنسبة لقطر التي تحتكر مبيعات سنوية قدرها 80 مليون طن، تمثل نسبة 30% من العرض في السوق العالمية، فإن هذا يعطيها دورا استراتيجيا في الاقتصاد العالمي في ما يخص الطاقة، ولأن الغاز الطبيعي أقل تلويثا بكثير من النفط، يظل بديلا مهما في مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري وخاصة لإنتاج الطاقة الكهربائية في دول آسيا.

يعد الغاز عماد الإستراتيجية القطرية الحالية والمستقبلية، وعائداته هي مصدر التمويل الأساسي لتنفيذ  “الرؤية الوطنية القطرية 2030″، لذا تبنت قطر سياسة غازية لتطوير القطاع بالشراكة مع كبريات الشركات الغربية، ولتطوير الصناعات الغازية لاسيما إنتاج الغاز المسال، وبحكم تطويرها للقطاع فإن إمكاناتها الاستغلالية أضخم من إمكانات جارتها المنافسة إيران، إن قطر ضعيفة الثقل في الأوبك كونها غازية، ولكنها نشطة في منتدى الدول المصدرة للغاز، الذي لعبت دورا في إنشائه في عام 2001، وتقوم إستراتيجية قطر أيضا على إستثمار سياستها إقتصاديا مثل مساعيها حول الغاز في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي سنة 2011.

الحصة الإيرانية “بارس جنوبي”

تقدر الدراسات الإيرانية قيمة حصة إيران من حقل الغاز المشترك 155992 طن من الذهب، وبمعنى آخر فإن لها قيمة تعادل نحو 120 سنة من إنتاج النفط في إيران، وفي الوقت الراهن، يعادل إنتاج الغاز من هذا الحقل 2،223،000 برميل من النفط الخام، والذي سيزيد بنحو 5 ملايين برميل من النفط الخام عند الانتهاء من مراحل تطوير هذا الحقل الخاص بإيران “بارس جنوبي.

قامت السلطات الإيرانية بهدف استغلال هذا الحقل أكبر قدر ممكن بتقسيم مراحل تطويره إلى 24 مرحلة، قامت بفصل كل مجموعة عن الأخرى، ويمكن القول بعد الإطلاع على التقارير الإيرانية المتعلقة بهذا الموضوع، أن نحو 61% من هذا الحقل يتم حاليا استخراج الغاز منه، و29% من الحقل لا يزال في حالة تطوير غير مكتمل، و8% لم تقم السلطات بالحفر حتى الآن، و2% لا يزال تحت مسمى الاستكشاف الوصفي.

مجمل كمية الغاز الداخلي في “بارس جنوبي” يقدر بـنحو 14 (تريليون متر مكعب)، وعدد المراحل المتوقعة 24 مرحلة، وعدد المنصات 40، وحجم الاستثمارات في هذا الميدان حوالي 72 مليار دولار، وإجمالي عدد الآبار المنتجة 604، بينما تتراوح أعداد جميع الآبار 416.

بدأت إيران إنتاج الغاز من هذا الحقل عام 2002، بنحو 20 مليون متر مكعب يوميا، واستمرت في حالة تصاعد رغم العقوبات حتى وصلت حسب التقارير الإيرانية إلى نحو 450 مليون متر مكعب يوميا في العام الجاري، وفيما يلي شكل بياني يوضح تدريج زيادة الإنتاج الإيراني من هذا الحقل منذ عام 2002 حتى الآن:

 

وكانت إيران قد أطلقت العام الماضي نحو عشرة مشاريع في مجال النفط والغاز في جنوبها، وتم تدشين خمس مراحل جديدة في مشروع حقل بارس الجنوبي المشترك مع قطر بحضور الرئيس الإيراني حسن روحاني، وأكدت طهران أنها تقوم بتمهيد الطريق أمامها لتجاوز مستويات إنتاج الغاز لدى قطر التي تتشارك معها في هذا الحقل الضخم، وفي أبريل الماضي أعلنت طهران عن توقيع نحو 20 اتفاقية مع شركات عالمية إلى جانب إجراء مفاوضات مع شركة “توتال” لتوقيع اتفاقية تطوير حقل بارس الجنوبي، وأكدت أنه تمت تسوية جميع المسائل المالية المتعلقة بالاتفاقية، وتؤكد إيران أنه بحلول عام 2020 سيتجاوز إنتاج إيران من جنوب فارس إنتاج قطر من حقل الشمال، كما سعت إيران إلى وضع مراحل تطوير لمنع تسلل الغاز الإيراني إلى الجانب القطري أيضا.

وتشكك بعض التقارير باختيارية قطر في اتخاذ قرار وقف التطوير عام 2005، وتقول أنها اضطرت إلى ذلك بعد تلقيها تحذيرات إيرانية من قيام الدوحة باستغلال الوضع الراهن ومحاصرة إيران من أجل زيادة إنتاج الغاز من الحقل المشترك ما يعني ضياع الحقوق الإيرانية من هذا الحقل بعد فترة زمنية.

آثار تفعيل مشروع تطوير الغاز على الأزمة الراهنة

لا شك أن إعلان قطر عن خطط جديدة لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال بنسبة 30%، بعد مرور أشهر عن اندلاع أزمتها مع الدول الخليجية، كان له تأثير قوي على مواقف المجتمع الدولي وخاصة الدول الأوروبية، فزيادة إنتاج قطر للغاز باعتباره سلعة ضروروية يبعث رسالة إلى الدول الغربية، مفادها أن النزاع الخليجي إن استمر طويلا فقد يؤثر على إمدادات الطاقة من قطر ما يعرض أمن المنطقة الاستراتيجي بالكامل للخطر، وهذا بحد ذاته أثر سلبا على مواقف الدول المقاطعة وإيجابية لمواقف قطر، باعتباره شكل ضغوطا قطرية إضافية على الدول الأوروبية.

كما يعتبر قرار تفعيل مشروع تطوير الغاز القطري أحد الاستراتيجيات التي انتهجها النظام القطري في مقاومة الأزمة وأضرار المقاطعة، واعتبر ذلك مصدرا ماليا لتمويل الصمود القطري في وجه هذه العاصفة، وسلاحا لشراء مواقف بعض الدول التي تحتاج إلى هذه السلعة، إضافة إلى استخدامه كورقة ضغط كما أشرنا سابقا.

وترى بعض الدراسات أن الزيادة الإنتاجية في الغاز القطري ستؤدي إلى إحداث وفرة للغاز المسال عالميا، وبالتالي يحدث انخفاض للأسعار بشكل مفاجئ، ما يغرق العديد من المنافسين ممن ترتفع تكلفة الإنتاج لديهم، على رأسهم الشركات الأميركية والأسترالية والروسية، بينما لن تتأثر قطر كثيرا باعتبار أن تكلفة إنتاج الغاز فيها أقل تكلفة من بين البلدان المنتجة والمصدرة للغاز في العالم، وهو ما أكده “أجاي سينغ” المستشار الخاص في شركة اليابان للتنقيب عن الغاز والمدير التنفيذي السابق للغاز في شل، حيث يقول لدى قطر واحدة من أدنى تكاليف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، وقد اتبعت سياسة صارمة لتعظيم القيمة من أسعار السوق في جميع أنحاء العالم.

وربما هذا ما يفسر القرار القطري برفع إنتاج الغاز بنسبة 30% في حين أن الأسعار في حالة هبوط، ويأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه أسعار الغاز الطبيعي المسال من الانخفاض، ففي العام الحالي انخفضت أسعار الغاز المسال حوالي 40% إلى 5.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وبلغت نسبة الهبوط 70% مقارنة بأعلى سعر عام 2014، وتأتي هذه الخطوة القطرية لتؤكد استمرار هيمنتها على أسواق الغاز الطبيعي المسال في العالم بعد أن تلقت إشارات خطيرة من أستراليا والولايات المتحدة وروسيا بسبب إنتاجها الزائد من الغاز التقليدي وثورة الغاز الصخري ودخولهم أسواق الغاز الطبيعي المسال أيضا.

لذا فقد تهدد قطر بإغراق الأسواق بالغاز الطبيعي المسال برفع إنتاجها بنسب أعلى ليحل محل النفط، في مسعى منها للانتقام من الدول النفطية المقاطعة وعلى رأسها السعودية والإمارات، ومن المؤكد أن النظام القطري لديه العديد من المخططات والبرامج التي يسعى من خلالها إلى تعزيز مواقفه مقابل إضعاف مواقف الدول المقاطعة، وربما أنه ينتهج حاليا سياسة ومخطط لتدمير أسعار النفط عالميا من خلال إقناع العالم باستبداله بالغاز القطري من أجل الضغط اقتصاديا على الدول الخليجية المصدرة للنفط وهي السعودية والإمارات، وعملية تطوير مشروع الحقل المشترك مع إيران تأتي ضمن هذا المخطط، ومن غير المستبعد مطلقا أن يكون هناك اتفاق إيراني قطر في الاشتراك في هذا المخطط، بحيث سمحت إيران لقطر بإنتاج ما تستطيع إنتاجه من الغاز المشترك مقابل تعويضات قطرية لإيران بهدف الضغط على السعودية والإمارات وهو الهدف المشترك الأهم في الوقت الراهن بين إيران وقطر.

والرسالة التي تريد أن تبعثها قطر للسعودية والإمارات من تطوير إنتاجها في الحقل مع إيران هي: أننا سنقوم بترويج الغاز الطبيعي المسال كبديل للنفط.

الآثار السلبية لتفعيل مشروع تطوير الغاز القطري

إن أول ما يجب لفت الانتباه إليه هو أن تطوير قطر لحقلها الشمالي من أجل رفع زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي سيؤدي إلى مساع إيرانية مشابهة لإنتاج مزيد من الغاز، ومن شأن زيادة الإنتاج القطري والإيراني من الحقل أن يرفع معدل العرض العالمي من الغاز الطبيعي المسال من 268 مليون طن العام الماضي إلى أكثر من 300 مليون طن، ما يعني أن الغاز سيلحق بالنفط في هبوط أسعاره عالميا، وخاصة أن أسعار الغاز الطبيعي قد شهدت في الآونة الأخيرة هبوطا بأكثر من 70 في المائة عن مستواها في عام 2014، وفي حال استمرار زيادة الإنتاج القطري والتنافس الإيراني والعالمي، وعدم نمو الطلب العالمي بشكل كبير سيؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط على الأسعار.

وحسب التقارير حول الطاقة الإنتاجية العالمية للغاز في العام الماضي، فقد بلغت نحو 300 مليون طن مقابل حوالي 268 مليون طن في العام الذي قبله أي عام 2016، ما دفع بأسعار الغاز إلى التراجع بشكل ملحوظ، حيث تراجع بنسبة 70% عن أعلى سعر له وصل عام 2014، ليتراجع ليصل إلى 5.65 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية.

لذا فإن تطوير قطر لمشروع حقل الغاز الشمالي، سيؤدي إلى زيادة نحو 10% من إنتاجها حسب ما أعلنته قطر رسميا، إضافة إلى ذلك فإن استراليا وروسيا أيضا لهما نفس البرامج، ناهيك عن قيام إيران مؤخرا بتدشين عشر وحدات غازية جديدة في حقل بارس الجنوبي لتنقية الغاز وتشمل مشاريع تطوير مراحل 12 و15 و16 و17 و18 بحقل بارس الجنوبي، ومن المتوقع أن يزيد إنتاج إيران من الغاز الطبيعي اذا استمرت عملية رفع العقوبات عن طهران بحوالي 100 مليون متر مكعب بعد تدشين المراحل الجديدة بحقل بارس الجنوبي، ما يعني أن العالم مقبل على تخمة من الغاز وبالتالي زيادة المعروض بشكل حاد ما سيؤدي إلى مزيد من هبوط الأسعار، لهذه الأسباب فإن البعض في قطر يخشى أن تؤدي المبالغة في نشاط الحفر الإيراني إلى إضعاف معدلات الاستخراج في كلا البلدين كما أشرنا سابقا، وخاصة أن علاقات الغرب بإيران قد تحسنت بدرجة تسمح لخبراء في قطاع الطاقة القطري بإطلاع الإيرانيين على بعض المعلومات التي تم جمعها من خلال دراسات في أعماق الخليج.

أضف إلى ذلك أن زيادة إنتاج الغاز على هذا النحو سيعزز موقف المشترين العالميين في تحديد شروط التعاقد والشراء، وهي حقيقة قاسية أشار إليها كبار المسؤولين في كبرى الدول المنتجة للغاز الذين اجتمعوا في بوليفيا في شهر نوفمبر الماضي، حيث تواجه هذه الدول منافسة متزايدة مع صادرات الولايات المتحدة والأسعار التي تحددها، وخاصة أن الأخيرة تسعى لتصبح ثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال فى العالم بعد قطر وأستراليا..

وفي طبيعة الحال وحسب رأي الخبراء في هذا المجال، فإن ذلك سيدفع المشترين للغاز إلى إبرام عقود لآجال أقصر وشروط أكثر ملاءمة لهيكلة الطلب لديهم دون المخاطرة بدفع أموال بسبب بنود الاستلام أو الدفع، وهي بنود تلزم المشترين بتسلم الإمدادات أو دفع مبلغ محدد إذا امتنعوا عن تسلمها، وهذا الأمر سيصب في مصلحة المشترين ويعطيهم مرونة أكثر ويزيد المنافسة بين المصدرين.

في المقابل سينعكس ذلك سلبا على المصدرين أو المتنافسين، ويفرض عليهم ضغوطا في عملية إبرام العقود والتمسك بشروط أكثر حزما، ما قد يفقدهم الكثير من المشترين الذين بالطبع سوف يتجهون إلى الولايات المتحدة في هذه السوق والتي تتبنى شروط تعاقدية أكثر مرونة من مصدري الغاز التقليديين، فبعض الموردين للغاز في الولايات المتحدة مثل شركة “تشينير إنرجي” وهي أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في أميركا، تسمح للمشترين والعملاء بإعادة بيع الشحنات، وهو ما خلق سوقا رابحة للشركات التجارية، كما يجري إبرام المزيد من صفقات البيع الفوري والمبادلة، ولا تزال السوق الأميركية تتسع في مجال تصدير وبيع الغاز، ما يشير بالضرورة إلى تهديد مباشر لأسواق الغاز القطرية في المستقبل القريب والبعيد.

وانخفاض أسعار الغاز الطبيعي وأيضا الغاز الطبيعي المسال في الوقت الحالي والمستقبل أيضا نظرا لتطورالإنتاج، سيخلق ظروفا صعبة للغاية لقطر، التي تعتمد بشكل أساسي على بيع الغاز الطبيعي المسال، وستكون مجبَرة على إنتاج أكبر لتغطية التكاليف الثابتة، حتى لو كانت العائدات الصافية منخفضة.

وتؤكد تقارير شركة “شل” أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال من المتوقع أن ينمو بين 4 و5% بشكل سنوي حتى عام 2030، في حين أن مشاريع تطوير إنتاج الغاز سواء في قطر أو إيران أو استراليا وكذلك الغاز الصخري من الولايات المتحدة وغيرها ستتيح نسبة أعلى من ذلك بكثير/ وربما تصل إلى 20% سنويا، ما يعني أن المعروض سيكون أكثر بكثير من المطلوب، وبالتالي تنافس الأسعار وهبوطها إلى مستوى يشكل خطرا كبيرا على اقتصاديات هذه الدول وخاصة قطر التي تعتمد بشكل أساسي على هذا المورد.

ويبقى الغاز الصخري أهم التحديات التي تواجه مصدري الغاز المسال وعلى رأسهم قطر، حيث أثار النجاح غير المتوقع لمشروع غاز بارنت الصخري في تكساس بوجه الخصوص التهافت على مصادر أخرى للغاز الصخري في كل من الولايات المتحدة وكندا، ولا تزال هناك عمليات استكشاف هائلة بهدف تحديد مواضع مكامن غاز صخري ذات استمرارية، غالبا من قبل شركات صغيرة نسبيا، وإن بدأت تظهر علامات اهتمام متزايد بالأمر لدى الشركات العملاقة العالمية وقد وردت تقارير عن مثل هذه العمليات في الدول التالية: النمسا وأستراليا وكندا والصـين وفرنسا وألمانيا والمجر والهند ونيوزيلندا وبولندا وجنوب أفريقيا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ومن غير الممكن أن تكون قطر قد بدأت بتطوير حصتها من هذا الحقل دون أن تكون قد اتفقت على التقسيم مع إيران، وهذا التقسيم لا بد أن يكون قد تم بناء على تفاهمات واتفاقيات ضمن بنود مدرجة، وحاجة قطر إلى إيران بعد الأزمة مع الدول الخليجية أصبحت أكبر من حاجة الثانية للأولى، ما يعني أن إيران استغلت الأزمة القطرية من أجل إبرام اتفاقيات مع قطر حول محاصصة الغاز في الحقل المشترك، وهذا المشروع التطويري من الجانب القطري لا بد أنه تم ضمن اتفاقيات مع الجانب الإيراني ستظهر نتائجه السلبية على قطر والدول الخليجية على المدى البعيد إذا ما حصلت إيران على امتيازات كبيرة من الجانب القطري، وفي ظل خلاف الدوحة المتصاعد مع الدول الخليجية فإن تعاونها الصامت والسري فيما قبل مع إيران في مجال الغاز الطبيعي يزداد بكل تأكيد، حتى وإن كان البلدان يتنافسان بدرجة أكبر فى أسواق الغاز، وتؤكد وكالة “بلومبرج” في تقرير لها أن السؤال المثير للاهتمام الآن يتعلق بالصفقة أو التفاهم الذي توصلت إليه قطر مع إيران بشأن توسعاتها المستقبلية، لا سيما أن قطر تبحث عن حليف وإيران ترى في ذلك فرصة لاستغلال هذه الأزمة لتطوير علاقاتها بقطر وتواجدها بالمنطقة واقتناص امتيازات من حقل الغاز المشترك، وهو ما يشير إلى صدق التحذيرات الإماراتية في عام 2005 من مساع إيران للسيطرة على حقل الغاز المشترك مع قطر.

وعادة ما تشير الصحف الإيرانية إلى احتمال نشوب خلافات حادة بين إيران وقطر بشأن استغلال الاحتياطات الهائلة للحقل المشترك بينهما، في ظل تزايد المنافسة بين البلدين على استغلال الحقل، مع عدم وجود معاهدة تنسيق مشترك تحدد المصالح طويلة الأجل لكلا الجانبين، كما تتضمن وسائل الإعلام الإيرانية دعوات لخبراء اقتصاديين إيرانيين تطالب السلطات بضرورة التسريع في تطوير حقول الغاز المشتركة مع قطر للاستفادة منها قدر المستطاع، وعدم السماح لقطر باستغلال هذا الحقل بمفردها ودون أي حق، لذا فمن المرجح أيضا أن تحدث بالفعل نزاعات مستقبلية بين البلدين لا سيما إذا تأخرت إيران في تطوير الإنتاج من حصتها نظرا لتأخر الشركات الغربية عن القيام باتفاقياتها بسبب خوفها من العقوبات وعدم شعورها بالثقة والاستثمارية في ظل الأجواء المتوترة بين إيران والولايات المتحدة وزيادة احتمالية إلغاء الاتفاق النووي وبالتالي عودة العقوبات على طهران والتي ستحرمها مجددا من تصدير موادرها النفطية والغازية، وقتها لن تجد حلا سوى مطالبة قطر بدفع تعويضات عن إنتاجها للغاز أو التوقف الفوري عن إنتاج الغاز من الحقل المشترك بين البلدين، والذي يعتبر مردوده على قطر هو عصب وشريان الاقتصاد القطري بشكل عام.

كما أن قطر تعتمد في تطوير سوقها الغازي على رؤية مستقبلية ليست مؤكدة في قرارها حول تطوير مشروع إنتاج الغاز، وترى حتى الآن أن انخفاض الأسعار لم يؤثر عليها، لكنها لم تضع أي حسبان لحدوث عكس المتوقع، فهي ترى أن العالم سيكون بحاجة كبيرة للغاز، وأن هذه المادة سيكون لها أسواق جديدة، وعلى هذا الأساس أقدمت قطر على هذا المشروع والمخاطرة.

وبالعودة إلى السبب الرئيسي الذي دفع قطر إلى وقف تطوير الحقل الشمالي عام 2005، وهو المحافظة عليه للأجيال القادمة، وتخوفا من أن الإفراط في استغلال الحقل قد يتسبب في أضرار للمدى الطويل، تكون الدوحة قد أعلنت مشروع تطويرها لهذا الحقل وهي تعلم كافة الأضرار والتي منها احتمالية استنزاف هذا المصدر ونضوبه.

وفي نظرة للنوايا الإيرانية التي بدأت تظهر في الآونة الأخيرة حول أطماعها في حقل الغاز المشترك مع قطر، وتظهر مدى جدية إيران في مد خطوط إمداد الغاز إلى الدول المجاورة لتصل حتى أوروبا، سوف تجد الدوحة استثماراتها الكبيرة في الغاز الطبيعي المسال أقل ربحية بكثير مما كانت تتوقع، ومثل ايران، قد تضطر إلى التحول إلى مد أنابيب غاز إلى جيرانها والمزيد من منتجات ذات قيمة مضافة تعتمد على الغاز الطبيعي، ما يجعل خيارات الاستثمار القطري في الغاز محصورة، لذا فإن تقاسم أكبر حقل للغاز في العالم يمكن أن يكون تحديا لإيران وقطر، ويتحول إلى مصدر للمنافسة والتوتر بدلا من فرصة للتعاون.

ولا شك أن الأوضاع السياسية وما تشهده المنطقة من تطورات وأزمات تلقي بظلالها على كيفية تكوين الأسواق النفطية والغازية، وخاصة أن قطر تعتبر طرفا رئيسيا في الأزمة التي تشهدها منطقة الخليج، ما يعني أن اقتراب قطر من إيران، ومقاطعتها من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، سيخلق إشكالية سياسية لدى الدول الأوروبية في عملية شراء الغاز القطري والروسي كما هو الحال الإيراني، ما سيدفع الدول الأوروبية إلى استغلال غاز المتوسط في “مصر وقبرص واليونان” وترجيحه على الغاز القطري والروسي، خاصة في ظل وجود احتياطات كبيرة تضمن تأمين كافة احتياجات منطقة حوض المتوسط والدول الأوروبية.

والأخطر في تطوير قطر لمشروع الغاز هو الخوف من أن يقوم الحرس الثوري الإيراني ببناء دفاعات في حقل “بارس الجنوبي” لحماية تطويره، ويتخذ من تطوير قطر لمشروع الغاز في الحقل المشترك ذريعة لتواجد الحرس الثوري في أقرب منطقة لقطر والدول الخليجية، وهذا بحد ذاته يعتبر تهديدا للأمن القومي القطري والخليجي معا.

وختاما، فإن الحظر المفروض على الناقلات القطرية التي تصدر الغاز إلى المشترين في العالم، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال، في مياه السعودية وحلفائها، يؤثر بشكل كبير في تسليم الغاز إلى الدول الأوروبية، وخاصة إذا ما أغدقت قطر بإنتاج الغاز والذي سيكلفها المليارات، لذا فإنه لا جدوى من قيام قطر بتوسيع تطوير إنتاجها للغاز في ظل وجود عقوبات من قبل السعودية والإمارات والبحرين والتي تؤثر بشكل سلبي على عملية تصدير الغاز القطري إلى الدول الأوروبية والآسيوية أيضا، حيث ستضطر الناقلات إلى الوصول إلى مضيق هرمز لإيصال الشحنات إلى دول آسيا عبر مسارات في المياه الإقليمية الإيرانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٩ يناير ٢٠١٨