الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق على رفع تمديد العقوبات عن طهران للمرة الأخيرة ضمن شروط لن تستطيع إيران تنفيذها بأي حال من الأحوال، والمهلة المقرونة باختبار إيران في مدى إلتزامها ببنود الاتفاق النووي لن تتجاوز الأربعة أشهر، وإيران منذ بداية عقد الاتفاق النووي لم تلتزم ببنوده مطلقا وقد أكد ذلك عدد من تقارير وكالات الإستخبارات الأميركية والغربية، ما يعني أن طهران بين خيارين أحلاهما مر، إما الخضوع لمطالب الولايات المتحدة والاستسلام لإرادة الشيطان الأعظم أو إلغاء الاتفاق النووي وعودة العقوبات على طهران وبالتالي سقوط الدولة اقتصاديا.

وفيما يتعلق بالخيار الأول، فإنه سيكون بمثابة حبال المشنقة التي ستلتف حول أعناق النظام الإيراني، فقد أكدت كافة رموز النظام الإيراني السياسية والعسكرية والدينية، بأن إيران لن تخضع للولايات المتحدة ولن تعيد التفاوض حول الاتفاق النووي ولن تفاوض حول برنامحها الصاروخي مهما كان الثمن، وقطعت على نفسها الوعود أمام الشعوب الإيرانية، لذا فإن الانصياع لإرادة الولايات المتحدة سيجعل النظام الإيراني يفقد ما تبقى من شعبيته المؤدلجة، ويطيح بمشروعه النووي الذي أهدر لأجله المليارات بهدف الحصول على أسلحة نووية يهدد بها المنطقة والعالم، كما أن الخضوع للتفاوض مرة أخرى على الاتفاق النووي وأيضا برنامج إيران الصاروخي يعني عزل الحرس الثوري داخليا، ما يجعل الظروف مناسبة بشكل أكبر لتقسيم الداخل الإيراني إلى قطبين متناحرين، وما يجري الآن من مناقشات إيرانية داخلية حول كيفية التعامل مع هذه التحديات يفرض جوا مرتبكا ينذر بانقسامات كبيرة سيعجز المرشد الإيراني على رأب صدعها لا سيما إذا رافقتها احتجاجات ومظاهرات مدعومة من حكومة روحاني التي ستتمسك بالاتفاق النووي وتختلف مع التيار المتشدد والحرس الثوري في كيفية التعامل مع أزمتها الحالية مع أميركا في ظل وجود رئيس لا يرغب باستمرار الاتفاق النووي، ووقتها لن يكون أمام الحرس الثوري سوى حلين إما المضي قدما مع روحاني وإما الخلاص من حكومة روحاني.

أما الخيار الثاني أمام إيران، وهو الإصرار على رفض أي تغيير في الاتفاق النووي، ورفض أي تفاوض حول البرنامج الصاورخي الإيراني، فإنه سيؤدي إلى إلغاء الاتفاق النووي ولكن هذه المرة برغبة أميركية أوروبية، الأمر الذي سيعيد بشكل تلقائي فرض العقوبات مجددا على إيران، وفي هذه الحالة لن يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود لأكثر من بضعة أشهر، لا سيما أن ميزانية العام الإيراني  القادم (يبدأ من 21 مارس) أعدت على أساسي استمرار رفع العقوبات واستمرار إيران تصدير النفط والغاز، ومع ذلك تعاني من عجز كبير وتفتقر إلى البرامج التنموية والتطويرية.

آخر التطورات تشير إلى تقارب شبيه بتوافق الآراء بين الكتلة الأوروبية وواشنطن حول ضرورة إعادة التفاوض على الاتفاق النووي وتغيير ما يوجب تغييره وأيضا وجوب التفاوض على الصواريخ الإيرانية البالستية التي تهدد بها إيران دول المنطقة، وقد دل على هذا التقارب ما صرح وزير الخارجية الأميركي “ريکس تيلرسون” الذي أكد فيها أن واشنطن وأوروبا قد بدأتا العمل على تغيير الاتفاق النووي، وأضاف أن مجموعات العمل مع أوروبا قد بدأت أعمالها ومهماتها في إصلاح مشاكل الاتفاق النووي، كما تم انعقاد عدة جلسات من أجل تحديد المتغيرات المطلوبة ومستوى مشاركة إيران في هذه الأعمال، وكشف تيلرسون بأنه استطاع الحصول على موافقة بريطانيا وفرنسا وألمانيا على إصلاح وتعديل الاتفاق النووي، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدد أنه في حال عدم إصلاح الاتفاق النووي فإن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق وتعيد العقوبات على طهران، وبهذا التقارب الأوروبي الأميركي تكون حكومة روحاني قد فشلت في جذب المواقف الأوروبية إلى المواقف الإيرانية حول البقاء على الاتفاق النووي، وهي مرحلة قاسية سيتجرع مرارتها النظام الإيراني وحكوماته بشكل عام، وحتى إن رضخ لكافة المطالب الأميركية والأوروبية، فإن تنازله هذا سيكون نجاح أو خطوات باتجاه تغيير نظام الملالي في إيران، كما سيعزز تنازله وخضوعه للولايات المتحدة مفهوم تغيير النظام الإيراني ما يعني فتح الأبواب أمام العديد من السياسيين وحتى العسكرين لأجل الانشقاق ولو الضمني عن النظام، والقفز من سفينته قبل الغرق.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

29 يناير 2018