لا تزال الحملات العسكرية التركية على المناطق الكردية السورية مستمرة في حين يقول الرئيس التركي أردوغان أن هذه العمليات سوف تستمر حتى تحقيق أهدافها بشكل كامل، معتبرا أن عمليات ما أطلق عليه اسم “غصن الزيتون” هي مكملة وامتداد لعمليات درع الفارت.

ما يثير التساؤلات هو صمت المجتمع الدولي إزاء العمليات العسكرية التركية في عفرين وارتكاب القوات التركية لجرائم في حق النساء والأطفال والمدنيين، حيث أدت العمليات التركية إلى مقتل العشرات من المدنيين حتى الآن إضافة إلى تشريد مئات الأسر والعائلات.

حاليا تصطدم الحكومة التركية في ظل سيطرة حزب العدالة والتنمية بعشرات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهناك آلاف الأشخاص من المعتقلين وأضعاف أعدادهم أيضا من الذين طردوا من وظائفهم على خلفية اتهامهم بالمشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت صيف 2016، وتتسع دائرة العداء التركي وعزلة الدولة خارجيا، وبإطلاق تركيا لعملياتها العسكرية في عفرين تكون قد ضربت بعرض الحائط كافة منشورات الأمم المتحدة ومبادئ عدم اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، ويسعى أردوغان إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية الصفوية من خلال التدخل في أكثر من دولة إقليمية، ومحاولة نشر وبناء قواعد عسكرية يؤكد الخبراء أنها أصبحت أكبر من حجم تركيا، ولا قدرة لأنقرة في الاستمرار في توسيع نفوذها على النحو الذي يريده أردوغان، وفي هذه الحالة يكون مصير النظام الحاكم مرتبط بمدى جدوى هذه القواعد والنفوذ والتدخل التركي، والذي على ما يبدو بأنه عديم الجدوى بل ويلحق الأضرار بتركيا نفسها من خلال توسيع دائرة أعدائها وبالتالي زيادة عزلتها سياسيا واقتصاديا، فمبدأ ترجيح القوة العسكرية على القوة السياسية والاقتصادية هو خطأ استراتيجي يصر عليه أردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا.

إن العمليات العسكرية التي تشنها تركيا على عفرين يراها المتابعين والخبراء بأنها تقوض الأمن والسلم الإقليمي والعالمي، وتفتح الأبواب على مصراعيها لتشكيل وانتشار الجماعات الإرهابية والمتطرفة، كما يرى المحللون أن هذه العمليات جاءت كنتيجة للسياسة المتخطبة التي تسيطر على قرارات أردوغان المتسرعة وغير المدروسة، وتدل على عدم اتزان السياسة في الحزب الحاكم لتركيا الذي يرجح مصالح تنظيم الإخوان على المصالح الوطنية التركية، بمعى أن تركيا أصبح حالها كحال قطر مرهونة إخوانيا.

ومن متابعة تصريحات الرئيس أردوغان، تتضح النوايا الحقيقية للتحركات التركية في سوريا، حيث صرح أكثر من مرة أن العمليات لن تقف عند عفرين بل ستشمل الشمال السوري حتى الحدود العراقية بشكل عام، ما يعني أن الهدف من هذه التحركات ليست المحافظة على الأمن القومي التركي كما يدعي أردوغان، بل من أجل التوسع وبسط النفوذ والسيطرة على الشمال السوري، وهو ما يتعارض تماما مع القوانين الدولية ومبادئ ومنشورات الأمم المتحدة، لا سيما وأن الضحايا الذين يسقطون في العمليات العسكرية التركية التي يشنها نظام أردوغان على منطقة عفرين شمال سوريا هم في حقيقة الأمر من الأطفال والنساء والرضع والمدنيين.

والجميع متفق على أن الأهداف من العمليات العسكرية التركية في المناطق الكردية في سوريا تتعدى محاربة الإرهاب والمحافظة على الأمن القومي التركي، فالرئاسة التركية تعلم جيدا أن القوات التركية هي عبارة عن برامج للولايات المتحدة التي تعدها لأجل محاربة الإرهاب ومنع السيطرة الإيرانية على الحدود السورية العراقية، ولم تكن موجهة لأجل ضرب الأمن والاستقرار في تركيا، ما يعني أن هناك مخطط واتفاقيات تآمرية بين تركيا وإيران عبر الجسر التركي على حساب الدول العربية.

وفي الحقيقة لم نرى أي ممانعة تركية حقيقية للتواجد الأميركي في سوريا والذي على ما يبدو أنه سيكون طويل الأمد، وجزء من الاستراتيجية السياسية لأميركا في سوريا، حيث تتبع الولايات المتحدة إزاء التطورات في شمال سوريا سياسية “التروي والانتظار” لحين تمكنها من رؤية كافة ملامح الفترة ونتائج الأحداث لتبني عليها قراراتها وترسم سياساتها وفقا لها، ما يعني أن الولايات المتحدة تعلم جيدا أن العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا ستستغرق وقتا طويلا على عكس حسابات النظام التركي، وهو ما سيصب في مصلحة التواجد الأميركي في المنطقة، وكلما طال أمد هذه الحرب ستكون الخسائر البشرية والمادية كبيرة من قبل الجانب التركي ما يعجل من سرعة تهاوي شعبية أردوغان على الصعيد السياسي والشعبي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

30 يناير 2018