استيقظت تركيا أمس على وقع عمليات اعتقال وتوقيف واسعة لنشطاء وسياسيين وصحفيين بسبب اعتراضهم أو تعبيرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن استيائهم من العملية العسكرية التي تشنها القوات التركية في سوريا “غصن الزيتون”، استكمالا لمسيرة أردوغان في تقويض المعارضة وتكميم الأفواه في الداخل بالإضافة إلى اللعب بالكرت الأخير كما وصفه بعض المحللين وهو التحرك العسكري ضد الأكراد، للوقوف في وجه وحدات حماية الشعب الكردي السورية والتي يعتبرها أردوغان امتدادا لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تصنفه تركيا إرهابيا لخشيتها من تمكنه من إقامة دولة خاصة به، ومحاولة أكراد تركيا الانضمام إلى تلك الدولة الكردية والانفصال عن تركيا.

يدعي أردوغان أن عملية غصن الزيتون تم إطلاقها لمواجهة الإرهاب والجماعات الإرهابية بهدف حماية الأمن القومي التركي.

وتحاول وسائل الإعلام التركية التابعة لأردوغان أن تصور المشهد بأنه تهديد خارجي وأن الجميع يؤيدون الرئيس في مواجهته وأنه حتى أحزاب المعارضة الكبرى في تركيا مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية قد أعلنت تأييدها لعملية غصن الزيتون، فمن مصلحة أردوغان في الوقت الحالي أن يزيد من عدد الأعداء الخارجيين وينشر نظرية المؤامرة بأن هناك من يريد تقسيم تركيا وتدميرها، وأن على جميع الفصائل والأحزاب في الداخل أن تلتف حول الحكومة للوقوف في وجه تلك التهديدات الخطيرة.

أما حزب الشعوب الديمقراطي فقد اتخذ موقفا مختلفا فقد صرح النائب في البرلمان التركي عن الحزب محمود طوغرول لوكالة سبوتنيك الروسية أن عملية غصن الزيتون في عفرين ما هي إلا محاولة احتلال لأن قوات سوريا الديمقراطية الموجودة في عفرين والتي تحاول الحكومة التركية إظهارها كتهديد أمني لم يصدر منها أي هجوم أو انتهاك للحدود التركية منذ بدء الأزمة السورية، وتحدث النائب عن أكراد الداخل حتى المؤيدين لحزب العدالة والتنمية الذين باتوا يعتقدون بأن تركيا لا تحارب القوات الكردية الانفصالية فقط بل تحارب الشعب الكردي بأكمله، خصوصا بعد تصريحات أردوغان بأن العملية ستمتد إلى حدود العراق وبعد اعتداءات تركيا على مدينة عين العرب من قبل.

أما الاتحاد الطبي التركي الذي أدان مطلع الأسبوع عملية غصن الزيتون قائلا “لا للحرب.. السلام على الفور” فقد اتهمه أردوغان بالخيانة في سلسلة من الكلمات البعيدة عن الرد السياسي أو الموضوعي، فقد قال أردوغان لأعضاء حزبه: صدقوني ليسوا مثقفين على الإطلاق إنهم عصابة من العبيد إنهم خدام الإمبريالية، وهنا نرى أن اردوغان لا يزال يعيش في زمن العبيد ومحاربة الامبريالية بعيدا عن التسامح وعن الموضوعية وعن الديمقراطية التي يتغنى بها في خطاباته الشعبوية ويدعي أنه يمجدها، وأن رده لم يكن مناسبا لموقفه كرئيس لدولة مثل تركيا، فمنذ استلام أردوغان الحكم نراه يصاب بنوبة عصبية يترجمها في ردود نارية أو مسيئة أو غاضبة فورية وغير مدروسة إذا ما شعر بأن أحدا يحاول معارضة قرارته ثم يلجأ إلى الاعتقالات، وفي صباح الأمس أصدرت النيابة العامة في أنقرة مذكرات اعتقال بحق ١١ عضوا في اللجنة المركزية لاتحاد الأطباء الأتراك، وقد صرح عضو مجلس إدارة الاتحاد لوكالة سبوتنيك بأن الشرطة التركية قد داهمت صباح الثلاثاء منازل ١١ عضوا في اللجنة المركزية للاتحاد واعتقلت عددا منهم ومنهم رئيس الاتحاد راشد توكل، بعد أن قامت بفتح تحقيق خول أنشطة الاتحاد وليس من المستبعد أن تقوم النيابة لاحقا بحل الاتحاد وإغلاقه نهائيا وهي الإجراءات الاعتيادية التي يلجأ إليها أردوغان لإسكات معارضيه كما فعل مع آلاف الشخصيات والمؤسسات التي اتهمها بدعم الانقلاب ضده من قبل، وفي هذه الاعتقالات دليل أيضا على أن أردوغان ليس آبه لحقوق الإنسان التي تضمن للإنسان حرية التعبير عن الرأي وتمنع اعتقاله بسببها، وذلك بعد يأسه من أن تركيا ستنضم يوما ما إلى الاتحاد الأوروبي، فبعد أن كان أردوغان يحسب ألف حساب لذلك الملف بات اليوم يعرف حق المعرفة أن أبواب الاتحاد الأوروبي لن تفتح لبلاده وهي في هذه الحالة المزرية على صعيد الحريات وعدد من الأصعدة التي تعتبرها أوروبا معايير هامة وصارمة لتقبل بعدها انضمام تركيا إليها.

وقد صرحت وزارة الداخلية التركية بأن ٣١١ شخصا محتجزون بسبب “نشر دعاية إرهابية” على وسائل التواصل الاجتماعي خلال العشرة أيام الماضية وفقا لوكالة رويترز، وقد ذكرت وسائل إعلام تركية أن ١٧٠ فنانا قد أرسلوا خطابا مفتوحا لنواب العدالة والتنمية يطالبون فيه بوقف التوغل التركي على الفور.

وهنا يبرز السؤال الأهم: عن أي التفاف شعبي تتحدث وسائل الإعلام الموالية لأردوغان؟!

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٣١ يناير ٢٠١٨