في ظل تباين المواقف الدولية تجاه ما يجري في منطقة عفرين شمال سوريا من اجتياح عسكري يحيطه الكثير من الغموض والمؤامرات، يبقى المشهد ضبابي ويعتريه التعقيد مع التأكيد على وجود مؤامرات أحاكتها تركيا مع قوى إقليمية وعالمية، وهو ما يفسر صمت المجتمع الدولي إزاء العمليات العسكرية التركية ضد مناطق الأكراد في سوريا رغم وقوع العديد من الضحايا بين المدنين والأطفال والنساء.

المواقف الأميركية تجاه ما يجري لا تزال شبه صامتة، والموقف الروسي من هذه العمليات غامض للغاية، وينتابه الكثير من الالتباس وغياب الشفافية، والموقف الإيراني متأرجح وأكثر غموضا رغم معارضة الخارجية لهذه العمليات، لكن رغم كل ذلك التواطؤ الغربي الإيراني مع أردوغان، فإن ما أقدم عليه  يعتبر مغامرة بدأت نتائجها الوخيمة تظهر أولا بأول من خلال أعداد الضحايا المدنيين من الجانب الكردي وأيضا زيادة أعداد قتلى الجنود الأتراك، مع إطالة وقت العمليات التي راهن الرئيس التركي أن تحقق أهدافها خلال فترة وجيزة، ما جعل حزب العدالة والتنمية وأردوغان في مأزق كبير في وقت يحتاج فيه إلى دعم داخلي في معركته الانتخابية القادمة الرئاسية والبرلمانية، والتي تؤكد استطلاعات الرأي والتقارير أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية سيتعرضون لخسارة ساحقة ليس لها سابقة.

وبالعودة إلى الهدف التركي الرئيسي من هذا الاجتياح العسكري، فإنه من الصعب توافق الآراء مع ما طرحه الرئيس أردوغان، بأنه يهدف من وراء هذه العمليات إلى ضرب الأكراد الذي يصفهم بالإرهابيين، لا سيما أن العمليات العسكرية التركية قد شملت أيضا أراض سورية غير كردية، كما أن الأكراد ليسوا وليد هذه اللحظة في الشمال السوري، فطوال عهدهم متواجدين هناك، ولا يمكن اعتبار أن وجودهم الآن أصبح يشكل تهديدا على الأمن القومي التركي، بل أن هناك جماعات أكثر خطورة على تركيا مثل القوات التابعة لإيران وحزب الله، ولم نر أن قام الرئيس أردوغان بأي عملية عسكرية ضدهم، ما يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هدف العمليات التركية التي يقودها الرئيس أردوغان في الشمال السوري هو توسعي، وأن السلطان التركي لديه أطماع في الدول العربية ويعتبر سوريا معبرا إلى تلك الأطماع.

أما آخر التطورات حول ذلك، فإنها تشير إلى احتمالية اتساع رقعة الاشتباكات بين القوات التركية والقوات الكردية، ما ينذر بحدوث مستجدات نظرا لاحتمالية تغيير مواقف الدول الإقليمية والعالمية تجاه هذه الاجتياح، ومن الممكن أن تكون إيران وروسيا يخططان لأجل ذلك من أجل توريط تركيا في حرب طويلة في الشمال السوري، فالنوايا الإيرانية والروسية تجاه تركيا لم ولن تصفو أبدا، ومع استمرار هذه العمليات تكون تركيا قد أعلنت رفضها لأي حل سلمي في سوريا وعرقلتها لأي جهود دولية تهدف إلى حلحلة الملف السوري ودفعه إلى حل سياسي وسلمي، إضافة إلى ذلك، فإن هذه العمليات ستزيد من فرص تكوين الجماعات الإرهابية والمتطرفة كما أنها ستفتح الأبواب لأنشطة قوى إقليمية توسعية وعلى رأسها إيران.

ووفقا للتقارير الصادرة من الداخل التركي، فإن نتائج سياسات حزب العدالة والتنمية بقيادة زعيمه أردوغان قد كان لها أثر سلبي للغاية على المواطن التركي، وزادت من عزلة البلاد إقليميا ودوليا، ما جعل شعبية أردوغان تتهاوى إلى أدنى مستوياتها، والعام المقبل سيشهد انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية، وأردوغان على علم بأن نتائج هذه الانتخابات لن تكون لصالح حزب العدالة والتنمية الإخواني، ما يطرح تخمينات باحتمالية أن يلجأ الحزب الحاكم إلى انتخابات مبكرة بعد تنفيذه عمليات تطهير إضافية واسعة في صفوف المعارضة، وهو ما يعتبر مغامرة أخرى تجبر الشعب التركي على الانتفاضة ضد نظام الرئيس أردوغان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 فبراير 2018