في ظل استمرار المعارك في ليبيا ضد الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة وعزم الجيش الوطني الليبي على تحرير ما تبقى من الأراضي الليبية من قبضة الإرهابيين؛ فإن معارك ساخنة متوقعة في المرحلة المقبلة في مدينة درنة الليبية والتي لاتزال حتى الآن تحت سيطرة الميليشيات الإرهابية على الرغم من تحرير جميع المناطق المحيطة بها في إقليم برقة، فهي المدينة الوحيدة في الإقليم شرقي ليبيا والتي لم يتم تحريرها بعد على الرغم من أنها محاصرة منذ حوالي ثلاث سنوات، ويبدو الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر مصرا على تحريرها هذه المرة خاصة بعد تحرير مدينة بنغازي بالكامل من الميليشيات الإرهابية مطلع العام الجاري.

منذ بداية الأزمة الليبية تعمل جميع الدول الشقيقة على حماية حدودها المشتركة مع ليبيا من الإرهابيين الفارين من المعارك، وتنشر قواتها الأمنية والعسكرية على الحدود بكثافة لمنع الميليشيات الإرهابية من عبور الحدود والانتشار في  أراضيها وذلك خوفا من إعادة تشكيل تنظيماتها الإرهابية واستمرار عملياتها الإرهابية، فهذه الخلايا المتطرفة كالوباء أينما حل نشر الخراب والموت والدمار.

وقبل انطلاق عملية درنة فإن هناك اجتماعات مكثفة بين الجانبين المصري والليبي لحماية الحدود المصرية وإحكام السيطرة عليها، ويتم هذا التنسيق المكثف بمساعدة قبائل حدود البلدين، كما أن مسؤولين ليبيين كبار أشرفوا على خطة تأمين الحدود مع مصر من مساعد شمالا حتى واحة جغبوب جنوبا، ويأتي اهتمام مصر بالعملية العسكرية الليبية في درنة من باب أن المدينة تسيطر عليها مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة وتؤوي قيادات لمجموعات إرهابية فارة من مصر أبرزها الضابط المصري السابق زعيم جماعة مرابطون هشام عشماوي، وقد صرح الخبير العسكري طلعت موسى للعرب اللندنية بأن حالة الاستنفار الحالية هي تلويح باستخدام القوة ضد العناصر الهاربة من ضربات الجيش الليبي التي سيتم القضاء عليها عند اجتيازها الحدود المصرية فالتواجد المصري على الحدود ليس جديدا إلا أنه تزايد مؤخرا لتضييق الخناق على الإرهابيين، وهنا يبرز السؤال المهم عن سبب استنفار القوات المصرية ومشاركتها في هذه العمليات، ويأتي الجواب بديهيا بأن مصر تعلم يقينا بأن الاستقرار في الشرق الليبي يؤثر على الاستقرار في الغرب المصري وأن واحة جغبوب شرق ليبيا توازي واحة سيوة في الغرب المصري والتي تشكل ملجأ ثانيا للإرهابيين الفارين من ضربات الجيش الليبي في درنة وهو ما يفسر ضرورة إحكام السيطرة على طول الحدود المصرية الليبية،  كما أن السلطات المصرية والجيش الوطني الليبي لديهما عدو مشترك وهو جماعة الإخوان المسلمين التي تسببت في العديد من الأزمات والكوارث في ليبيا ومصر بعد ثوراتهما عام ٢٠١١.

أما عن نتائج العملية العسكرية التي يستعد من خلالها حفتر لاقتحام المدينة وتحريرها فإن القيادات من داخل المدينة تستعد أيضا لهذه المعركة وتتوعد بأنها قادرة على صد أي هجوم يقوم به حفتر، وحذر الناشط الليبي من درنة فرج كريكش اللواء حفتر من خطورة العملية وصعوبة جغرافية المنطقة وأنها قد تفقده السيطرة على الشرق الليبي كله إذا ما فشل في تحريرها وذكره بأن تضاريس تلك المنطقة قد شهدت من قبل إخفاقا كبيرا لجيش القذافي عام ١٩٩٦ وهو في أوج قوته، كما علق على موقف حكومة السراج بأنها لا تقدم أي دعم للداخل في برقة وأنها في موقف المتفرج الذي يهنئ المنتصر في نهاية المعركة، وكان المشير خليفة حفتر قد علق أيضا في حوار مطول مع مجلة جون أفريك الفرنسية على اجتماعه مع فايز السراج رئيس الوزراء بأنه يرغب في التعاون معه إلا أنه رهينة للميليشيات في طرابلس وأنه لا يستطيع اتخاذ القرارات وتنفيذها وأن صلاحياته لا تتعدى الموافقة على الاجتماعات.

كما علق حفتر في لقائه على العديد من الشؤون الليبية الهامة ومنها الانتخابات التي وعد بأن الجيش الليبي سيضطلع بدوره في تأمينها وأنها يجب أن تكون على مستوى عال من الشفافية وفي سياق خال من تأثير الميليشيات، واتهم حفتر في مقابلته الصديق الكبير وهو المحافظ المقال في طرابلس بتوزيع عائدات النفط وفق مصالحه الشخصية وأنه استخدم الأموال لرشوة أعضاء في مجلس النواب، كما تحدث عن تاريخه مع القذافي وعن عدم رضاه عن الطريقة التي قتل فيها لأنها تنافي التقاليد والقيم الليبية التي تحرم التعامل بذلك الشكل.

ووقوفا على سير العملية العسكرية في درنة فقد اجتمع حفتر الخميس الماضي مع عدد من القادة العسكريين الكبار للتجهيز للعملية، وبدأ الجيش الليبي منذ مساء الأحد هجوما على معاقل الإرهابيين في مداخل المدينة مما دفعهم إلى التراجع، وكان قد تم إعلام المدنيين بعدم التواجد بالقرب مع معاقل ومخابئ الميليشيات في درنة وذلك حفاظا على سلامتهم إذ إن هناك تواصلا دائما بين الجيش الوطني وأهالي درنة كما أنهم يزودون الجيش بأماكن الجماعات الإرهابية بدقة، ومنذ مطلع يناير الماضي أكد آمر القوات الخاصة، اللواء ونيس بوخمادة، أنَّ المعارك لم تنتهِ في ليبيا، وإنَّ المعركة التي ما زالت أمام قوات الجيش الآن، ستكون في درنة، وأكد بوخمادة حينئذ أن القوات الخاصة ستنتقل بكامل أفرادها وعتادها إلى محور درنة، للتعامل مع المتطرفين والإرهابيين في المدينة، وقد أكد  اللواء سالم الرفادي آمر غرفة عمليات عمر المختار إصرار الجيش الليبي على تحرير المدينة بالقول: هذه المرة لنْ نستخدم لغة التفاوض، وسيتم تحرير مدينة درنة قريباً، ويرى الأكاديمي من الشرق الليبي جبريل العبيدي أن المعركة محسومة وأن الجيش الليبي لن يترك المدينة وأهلها رهينة لبقايا مليشيات تنظيم القاعدة هناك في ظل استغلال ومتاجرة سياسية يمارسها أنصار الإسلام السياسي للتغطية على حقيقة احتلال المدينة من القاعدة.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

7 فبراير 2018