بعد مضي 39 عاما عن رحيل النظام الملكي الشاهنشاهي، لا تزال الشعوب الإيرانية تعاني من سياسات نظام الملالي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل تدهور واضح للحياة المعيشية والظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، رغم ما تحتويه البلاد من موارد نفطية وغازية، إلا أنها أهدرت على مغامرات الحرس الثوري وأحلام النظام الإيراني في تصدير الثورة، وتدخلاته الخارجية ومشروعه التوسعي.

يحيي النظام الإيراني اليوم 11 فبراير ما يسمى في إيران بمسيرات “22 بهمن” إحياء لانتصار الثورة الشعبية التي أطاحت بحكم البهلوي واسترقها رجال الدين بعد أن ارتكبوا جرائم في حق الشعوب الإيرانية ونفذوا الإعدامات في حق الآلاف من المواطنين واستخدموا أبشع أساليب القمع والتهديد بهدف إخضاع الإرادة الشعبية التي شعرت منذ الوهلة الأولى أنها تخلصت من نظام دكتاتوري فاسد ليحكم البلاد نظام أكثر دكتاتورية وفسادا وقمعا، ومنذ ذلك الوقت والشعوب الإيرانية تشعر بأن ثورتها ضد النظام البهلوي قد سرقت من قبل نظام الملالي الذي لا يزال يحكم البلاد رغم انتفاضة الشعوب الإيرانية عدة مرات.

ومنذ نحو العشرين يوما، ووسائل الإعلام الإيرانية تدعو على لسان العديد من القادة السياسيين وقادة الحرس الثوري الشعوب الإيرانية للمشاركة في مسيرات إحياء ذكرى انتصار  الثورة، وتؤكد التقارير أن هناك تعليمات صدرت من قيادات أمنية وعسكرية وحكومية للعاملين والموظفين بضرورة المشاركة في هذه المسيرات، واستخدم النظام الإيراني الفتاوي ورجال الدين أيضا لحث المواطنين على المشاركة، على اعتبار أن ذلك استفتاء شعبيا على مشروعية النظام الإيراني لا سيما بعدما فقدها إثر الاحتجاجات الشعبية الرافضة لنظام الملالي والتي اندلعت في أكثر من 100 مدينة إيرانية وحملت شعار الموت لخامنئي، ويعتبر اليوم عطلة رسمية لكافة المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة في إيران لتشجيع المواطنين على المشاركة في المسيرات، وتشدد السلطات الأمنية الإيرانية رقابتها على وسائل الإعلام بشكل عام، حتى تتمكن من السيطرة على التحكم في تقديم صورة موحدة توحي بمشاركة الشعوب الإيرانية في مسيرات مليونية كما تسميها وسائل الإعلام الإيرانية.

ورغم كل ذلك، إلا أن مشاركة الشعوب الإيرانية في هذه المسيرات كانت ضئيلة جدا مقارنة بالسنوات السابقة، وذلك وفق ما نشرته وسائل التواصل الاجتماعي من منشورات وصور ومقاطع فيديو، وتوحي بأن هذا العام هو أقل الأعوام من حيث المشاركة الشعبية في مسيرات 22 بهمن، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب:

أولا: أن ذكرى انتصار الثورة قد تزامن مع حالة كسر الخوف لدى الشعوب الإيرانية من بطش النظام بعد الاحتجاجات الشعبية التي طالبت علنا بتغيير النظام الإيراني وشملت غالبية المدن الإيرانية.

ثانيا: إن عدم مشاركة الشعوب الإيرانية بهذه المسيرات هي تماما كمشاركتهم في مظاهرات ضد النظام، لأن كلتا الحالتين تعبر عن رفض النظام الإيراني وفقدان مشروعيته، إذ اعتبر المواطن الإيراني عدم مشاركته في المسيرات التي يدعو إليها النظام لتكون استفتاء شعبيا لمشروعية نظام الولي الفقيه، هو في حد ذاته إعلان لرفض النظام، وهو ما تسبب بعزوف غالبية الشعوب الإيرانية عن المشاركة في هذه المسيرات والتزام بيوتهم في مثل هذا اليوم.

ثالثا: انتشار اليأس والإحباط بين المواطنين الإيرانيين إلى مستويات عالية لم تشهدها البلاد من قبل، وتفاقم حدة الفقر والبطالة وما نجم عنها من مشاكل وأزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية، أدت إلى انتشار الجريمة بشكل غير مسبوق، واتسعت دائرة الفقر والبطالة والإدمان وقادت إلى غياب الأمن وتفشي الفساد واستخدام أساليب القمع ووصول الأوضاع المعيشية والحياتية إلى درجة لا يمكن التعايش معها بأي حالة من الأحوال.

رابعا: ظهور جيل من الشباب يرفض ويعارض فكر ولاية الفقيه، وهو جيل أعلن أنه يعمل لأجل العيش في دولة مدنية ديمقراطية، لذلك خرج إلى الشوارع عام 2009 وهذا العام أيضا للتظاهر والتعبير عن الرأي في ضرورة تغيير نظام الملالي، وقد أشار إلى ذلك أيضا خروج مظاهرات ضد الحجاب وأخرى ضد قمع المرأة.

خامسا: ضعف المشاركة في تلك المسيرات رغم كل مخططات ودعوات وبرامج السلطات الإيرانية والحرس الثوري، يعني أن الاحتجاجات الشعبية لا تزال جمار تحت رماد وقد تشتعل بأي وقت قريب، لا سيما بعد افتضاح ملفات فساد جديدة وضخمة في حق مسؤولين من الحكومات والنظام الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 فبراير 2018