بعد أن وصل الحوثي في اليمن إلى مرحلة العجز المطلق، وأغلقت في وجهه كل أبواب التمدد وتلقي الدعم، وبات يتجرع الخسارة تلو الأخرى، لم يجد أمامه من مفر إلا إيران الداعم الوحيد لإرهابه وتخريبه في اليمن، وأهداف إيران من ذلك الدعم واضحة ومعروفة، فالحوثي اليوم هو الذراع الأهم لإيران في منطقة الخليج العربي، وهو الواجهة التي تفرغ بواسطتها إيران كراهيتها للعرب وعدواتها للخليج ورغبتها الجامحة في نشر ثقافتها الطائفية الثورية التي تطمح إلى نشرها في كل دول المنطقة، بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لليمن والأطماع الاقتصادية التي قد تجنيها طهران فيما لو تمكنت من السيطرة على موانئها وإطلالتها على مضيق باب المندب، وهو ما صرح به المحلل السياسي اليمني فارس البيل بقوله: “إن الزيارة الحوثية تكشف بجلاء تعمق إيران في التوجيه الحوثي وإدارة مشروعها التوسعي في اليمن باعتبار الحوثية ذراعا إيرانية مهما حاولت هذه الحركة أن تحصر مشروعها في إطار البيئة اليمنية”، كما أن إيران تحاول بعد هذه الزيارة وفي مرحلة قادمة من التفاوض في الملف اليمني أن تدخل بشكل مباشر كطرف مفاوض مقابل للحكومة الشرعية والتحالف العربي وهو ما يؤدي إلى توضيح الأطراف المتناحرة في اليمن أكثر وينقل الصراع اليمني إلى مرحلة الصراع المركزي أو أنه سيؤدي إلى تعقيد الأوضاع أكثر بعد أن يتحول إلى لعبة مصالح وموازنات، إلا أن السعودية والإمارات ودول التحالف تشكل حائطا منيعا في وجه هذه الأحلام الاستعمارية التوسعية الصفوية والتي تجلب الخراب والتفرقة إلى الوطن العربي وإلى العالم أجمع.

يحاول الحوثي اليوم الاستعانة بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للحصول على مكاسب سياسية وترتيب زيارات ولقاءات رسمية، أي أنه يعمل على العودة إلى الحوار السياسي الذي لطالما رفضه وساهم في إفشاله منذ بدء الأزمة اليمينة، إلا أنه وبعد الضربة الساحقة والعزلة العميقة التي يعاني منها بعد أن أقدم على قتل حليفه السابق علي عبد الله صالح وأمين عام حزب المؤتمر ورئيسه التفاوضي عارف الزوكا أواخر ٢٠١٧، وفقد بذلك حليفه الذي كان يتمنطق به كطرف محاور في المفاوضات الرسمية لحل الأزمة اليمينة وهو حزب المؤتمر الشعبي؛ اضطر إلى اللجوء بشكل علني ودون الاختباء خلف أي قناع إلى إيران التي تتعامل مع الحوثيين بطريقة مزدوجة، ففي حين تعلن طهران رسميا أنها لا تعترف بالحوثيين كدولة ولم تتعامل مع الوفد الحوثي ببروتوكولات الوفود الرسمية إلا أنها تدعمهم من تحت الطاولة عسكريا ولوجيستيا وتقدم لهم النصائح والأوامر والأسلحة في حربهم الظالمة في اليمن.

إن المواضيع التي طرحها الوفد الحوثي أثناء لقائه مع ظريف تنم عن حجم الخسائر التي تتكبدها الجماعة كل يوم، وضئالة الخيارات أمامها وحالة الانهيار التي تعاني منها، مما اضطرها إلى العمل على فتح قنوات تواصل جديدة والاستعانة بالدبلوماسية الإيرانية لإتمام عدة لقاءات لم تتم، ومنها زيارة حوثية إلى موسكو وبكين، بالإضافة إلى لقاء تم إلغاؤه لأسباب غير معروفة مع المبعوث الأممي إلى اليمن والمنتهية ولايته إسماعيل ولد الشيخ أحمد في العاصمة العمانية مسقط، وقد ذكرت بعض المصادر لصحيفة العرب اللندنية أن هناك وساطة عمانية تعمل على إعادة فتح قنوات تواصل بين جماعة الحوثي وحزب المؤتمر وقد نجحت في إطلاق سراح معظم قيادات المؤتمر المعتقلين في السجون الحوثية إلا أن الخلاف الذي تسبب في فشل تلك الجهود كان حول مصير عائلة صالح وأولاده المعتقلين، فقد أطلق الحوثي سراح اثنين من أبناء صالح واحتفظ باثنين آخرين  لمرحلة لاحقة وهو ما اصطدم مع اشتراط قيادة حزب المؤتمر في الداخل إطلاق جميع المعتقلين وذلك في ظل انعدام الثقة بين الطرفين.

ووفقا لمصادر خاصة فإن جماعة الحوثي وصلت في عجزها وضعفها وانهيارها حد العمل على فتح قنوات تواصل مع الرياض من أجل استنئاف تفاهمات “ظهران الجنوب” التي كانوا قد توصلوا فيها إلى اتفاق أولي للتهدئة مع السعودية التي يتكبد الحوثي في مواجهاته العسكرية ضد قوات التحالف العربي بقيادتها خسائر لا طاقة له بمواصلة الحرب معها، ومع تعدد الجهات التي يتعين على الحوثي خطب ودها وتهدئة الأوضاع معها يبدو أن المهمة أمامه شاقة جدا بل وتبدو شبه مستحيلة، وتنذر بأن الحل السياسي والعودة إلى التفاوض مع الحوثي على أنه جزء من مستقبل اليمن ضرب من المستحيل، ومع التقدم والانتصارات التي تحققها قوات التحالف على الأرض في معاركها في اليمن فإن الحسم العسكري والقضاء على هذه الجماعة الإرهابية هو الحل الأقرب، ووفقا للمحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل فإن الأحداث الإقليمية والتطورات المحلية في اليمن لا تعطي أي مؤشرات إيجابية في اتجاه حلحلة في الملف السياسي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

13 فبراير 2018