المبحث الثاني

الهجمات الإرهابية في عام 2017 ومصالح داعش في محاولتهم الأولى في إيران.

 

برغم ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتصاعد معدل العنف الجهادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كانت إيران بمنأى من هجمات التنظيم. فهذا التنظيم الذي قتل وارتكب المجازر في البيئة العربية السنية وحصد عشرات الآلاف من أرواح العراقيين والسوريين المناهضين للمشروع الإيراني، لم تظهر شراسته القتالية ضد إيران حتى هزت أصوات التفجيرات العاصمة طهران في يونيو 2017، إثر هجوم عناصر من التنظيم على مقر البرلمان الإيراني وقبر آية الله الخميني في طهران، وأسفر هذا الهجوم عن مقتل 17 شخصا في هجمات متزامنة. ومثل هذا الحادث صدمة كبيرة للإيرانيين الذين لم يعتادوا على هذا العنف في طهران[1].

وقد أعلنت وزارة المخابرات الإيرانية عقب الهجوم عن هوية منفذيه، وهم خمسة إيرانيين ينتمون لتنظيم داعش وحاربوا في صفوفه بسوريا والعراق، ونشرت وزارة المخابرات الإيرانية صور المهاجمين الخمسة إضافة إلى أسمائهم من دون ذكر ألقابهم العائلية، ولم تقدم تفاصيل عن مناطق ينحدرون منها في إيران. وذكرت أن المهاجمين الخمسة هم: رامين وفريدون ويرباس وقيوم وأبو جهاد. وأضاف بيان المخابرات أنها توصلت إلى المعلومات الكاملة حول المهاجمين فضلا عن تعقب الخلايا المرتبطة. وبحسب بيان المخابرات الإيرانية، فإن المهاجمين الخمسة ينتمون لتنظيمات “تكفيرية انضمت لـداعش في إيران قبل المشاركة في عمليات التنظيم في الموصل والرقة، و أن المهاجمين الخمسة هم بقايا خلية بقيادة شخص يدعى أبو عائشة تم تفكيكها وقتل قائدها في أغسطس 2016” [2].

 

أولاً: خلايا داعش في إيران:

قد يكون تنظيم داعش في سبيله إلى الانحسار بالعراق وسوريا، غير أن الهجوم على طهران يشير إلى أن خطره لا يزال قويا في إيران، ويتركز في المجتمعات الكردية على امتداد الحدود العراقية – الإيرانية التي يتحرك المتشددون انطلاقا منها في السنوات الأخيرة، حيث يطلق السكان المحليون على المنطقة اسم ” تورا بورا”، وهو اسم المخابئ الجبلية التي فر إليها أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة أثناء حرب الولايات المتحدة أفغانستان في عام 2001. وتشير العديد من المصادر إلى أن قوات المخابرات والأمن الإيرانية قد لعبت دورا غير مقصود في تمكين الهجمات الأخيرة (هجمات يونيو 2017) لأنها كانت تغض الطرف عن أنشطة الجماعات السلفية الكردية الإيرانية[3].

وفي السنوات الأولى بعد ثورة 1979، دعمت الحكومة الإسلامية الجديدة جماعة إسلامية في كردستان بقيادة أحمد مفتيزاده، وهو مفكر كردي كاريزمي مقره في مدينة سانانداج عاصمة المقاطعة. وخلال التسعينات سمحت السلطات الإيرانية بالدعاية والأنشطة الثقافية للعديد من الجماعات الإسلامية السنية في المناطق الكردية الإيرانية. وحذر تقرير داخلي لوزارة الداخلية الإيرانية لعام 2015 من انتشار العديد من رجال الدين الأكراد في كردستان الإيرانية، ونشر الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2014 تقريرا مفصلا يحذر من تجنيد المتطرفين في بعض المناطق الجبلية والحدودية في المنطقة الكردية[4].

وفي أواخر يناير 2018 سقط 3 من أفراد الحرس الثوري قتلى بمنطقة بامو في اشتباك مع 21 مسلحا، وأعلن الحرس الثوري في بيان أنهم من عناصر داعش الذين تسللوا من العراق. وقال الحرس الثوري إن 3 من أعضاء التنظيم فجروا أحزمة ناسفة، ولقي اثنان آخران مصرعهما. وقبل ذلك بأيام عثرت المخابرات الإيرانية على مخبأ للأسلحة في مدينة مريوان على الجانب الإيراني من الحدود كانت فيه كميات من المتفجرات وقنابل يدوية وشرائط ذخيرة لبنادق كلاشنيكوف وقاذفات صاروخية[5]. لكن وجود متطرفين في المنطقة وحول المدينة ليس بالأمر الجديد، فالكثير من أكراد العراق وإيران الذين يقاتلون الآن مع التنظيم يمثلون الجيل الثاني من المتطرفين الذين تأثروا بإرث الزرقاوي الدموي.

وبعد الهجوم على البرلمان في العاصمة طهران وضريح المرشد الإيراني (الخميني) في يونيو 2017، قالت المخابرات الإيرانية إن الهجوم دبره متشدد عراقي يستخدم الاسم الحركي ” أبو عائشة”، وهو قائد كبير في وحدة من وحدات التنظيم الذي يقاتل في العراق وسوريا، ومؤلف من الأكراد بالكامل. وقالت إن منفذي هجوم طهران 4 إيرانيين شاركوا في القتال في الموصل والرقة وتدربوا خارج إيران[6].

وكانت البداية في خريف 2016، عندما وصل عدد من مقاتلي “داعش” الأكراد بقيادة “أبو عائشة” إلى قرية حدودية عراقية قرب حلبجة لمحاولة إقامة قاعدة للعمليات يمكن أن ينفذوا منها هجمات في إيران والعراق. وذكرت مصادر العراقية أن الناشط الكردي مختار هوشمند الذي سجن في إيران باتهامات تتعلق بالأمن الوطني في الفترة من 2010 إلى 2012 التقى بعشرات من المتطرفين خلف القضبان، وأن قوات البيشمركة قتلت أبو عائشة في ديسمبر 2016. وأصبح سيرياس صادقي، الذي كان يدير مخبزا على بعد نحو 15 كيلومترا من الحدود، هو المسؤول الأول عن التخطيط لهجمات طهران. وكان صادقي (أبو عائشة) حريصا للغاية على تنفيذ هذه العملية[7].

وقد كشفت الاستخبارات الإيرانية عن هوية، صديق صادقي، وهو كردي إيراني من بلدة بفيه الغربية بالقرب من الحدود العراقية. وقالت إن ثلاثة من المهاجمين الأربعة الاخرين كانوا من أصل كردي وأنهم قاتلوا في العراق وسوريا قبل عودتهم الى البلاد[8].

ومن الواضح أنه ومنذ ظهور جماعة أنصار الإسلام عام 2003، هناك استعداد وتأهب لنظرية “داعش” المتطرفة، وجهودها في تعبئة الأكراد. وفي الواقع، أصدرت داعش مؤخرا مقاطع فيديو دعائية باللغة الكردية، توضح بوضوح أن تنظيم الدولة الإسلامية يسعى إلى كسب مزيد من الدعم الكردستاني. وتلعب الجغرافيا دورا هاما في تطوير الروابط مع ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية. حيث تمكن المسلحون من الاستفادة من شبكات تهريب الوقود الموجودة على طول الحدود الإيرانية العراقية للخروج والعودة دون الكشف. وأفادت بعض التقارير الأمنية بأن نحو 150 كرديا انضموا إلى داعش بحلول أوائل عام 2016، ويمثل المقاتلون العائدون الآن الخلايا الإرهابية في إيران [9].

ولا يختلف الوضع كثيرا في المناطق البلوشية السنية، حيث يعاني البلوش الذين يسعون إلى مزيد من الاستقلال السياسي من القمع الإيراني، ومنذ ظهور تنظيم جند الله وحديثا جيش الإسلام وأنصار الفرقان، فإن المنطقة مهيأة لتلقي الأفكار الجهادية وعرضة للتجنيد وتسلل عناصر داعش. وبرغم أن شبكاتها الخاصة في جنوب شرق إيران تواجه صعوبات في إقامة روابط مباشرة مع الجهاديين الأكراد والقيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية، وذلك بسبب المسافة بين العراق وسوريا. هناك درجة من التآزر بين أيديولوجياتها وأيديولوجية داعش، ومن الممكن أن تتعاطف هذه الجماعات مع داعش وتوفر لها المجندين في المستقبل. وفي حين يظل الأكراد الآن يشكلون أهم مصدر محتمل للعنف في إيران، فالتهديد قد يتصاعد في الجنوب الشرقي، خاصة مع استمرار قوات الأمن في شن حملتها ضد الجهاديين في مناطق البلوش. وهذا بدوره قد يدفع الجهاديين البلوش إلى زيادة العمليات داخل المناطق الإيرانية بدلا من الاقتصار على الهجمات في المناطق الحدودية، كما حدث في أبريل 2017، عندما قام جيش العدل بقتل 10 عسكريين إيرانيين بالقرب من الحدود مع باكستان [10].

إن تصاعد الأيديولوجية السلفية الجهادية بين السنة الإيرانيين، فضلا عن الانقسام الإقليمي السني الشيعي المتنامي، سيوفر أرضية خصبة للتجنيد الجهادي في المستقبل. وفي الواقع، سيبحث داعش عن مواصلة تمرده في العراق المجاورة رغم سقوط الموصل مؤخرا. وقد قامت الجماعة بالفعل بزيادة أنشطتها لكسب المزيد من الدعم في بلوشستان الباكستانية، بما في ذلك تورطها في عملية اختطاف وقتل اثنين من المواطنين الصينيين مؤخرا. وسيكفل وجود تنظيم الدولة الإسلامية في بلوشستان أن تتمكن الجماعة من تطوير روابطها مع المتطرفين الأكراد والبلوش في إيران على المدى الطويل، مما يزيد من خطر المزيد من العنف الجهادي، خاصة وأن إيران تمثل هدفا رمزيا هاما لتنظيم الدولة الإسلامية[11].

إن المجتمعات السنية الواقعة على طول الحدود قد تشكل أرضا خصبة لجماعة جهادية تعمل على تجديد صفوفها. وإذا كانت إيران تحارب الدولة الإسلامية على جبهات متعددة، ولاسيما في العراق وسوريا، فإن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية داخل إيران أصبحت أكثر أهمية، لأن المجتمعات السنية الإيرانية، التي تعاني منذ عقود من الإهمال، ” تظل هدفا جيد لتنظيم الدولة الإسلامية”. وتعاني هذه المناطق من الفقر والقمع واقتصادات السوق السوداء ما يسمح للراديكالية السنية بالتسلل والتجذر. وتعد مناطق البلوش على وجه الخصوص “متخلفة للغاية”، وفقا لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان لعام 2016 بشأن إيران، حيث بلغت نسبة البطالة تصل حوالي 40 في المئة. وفي المجتمعات الكردية، يشكو السكان من التمييز الواسع النطاق والاعتقالات التعسفية. وقد انتقدت جماعات حقوق الإنسان إيران لاحتجازها واعتقال العشرات من الأكراد السنة، في كثير من الأحيان لارتكابهم جرائم غير محددة[12].

وبالرغم من أنه لا توجد تقديرات عن عدد الإيرانيين الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، لكن تقديرات المحللين الأكراد تقدرها بالمئات. ووفقا لتقرير صادر عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، قام سبعة إيرانيين بعمليات انتحارية لتنظيم الدولة الإسلامية في الفترة من ديسمبر 2015 إلى نوفمبر2016. وبمجرد حصولهم على دعم أجهزة داعش لتنفيذ الهجمات، يمكنهم أن يلحقوا ضررا حقيقيا كما رأينا في الهجوم الذي وقع في يونيو 2017. وخاصة أن المهاجمين الخمسة قدموا من نفس المدينة الكردية في غرب إيران على بعد عشرة كيلومترات من الحدود العراقية. وكان المهاجمون جميعا ينتمون إلى الجماعات الإسلامية المسلحة المحلية قبل السفر للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية[13].

وفي السنوات الأخيرة، رحل العديد من السلفيين من مناطق كردستان السنية في إيران إلى أفغانستان. وخلال الفترة ما بين عام 2007 وحتى بداية الأزمة السورية، غادر العديد من السلفيين الإيرانيين إلى بلدة تدعى بارانشيه في منطقة ريجستان في مقاطعة هلمند الأفغانية. كانت المدينة تحت السيطرة المشتركة لطالبان والقاعدة. كما ذهب العديد من الأكراد من سنندج ومناطق كردية أخرى إلى هناك. ومن بين الإرهابيين المسؤولين عن الهجمات في طهران، كان اثنان منهم ذهبوا إلى سوريا. وكانوا قد سجنوا عندما عادوا إلى إيران ولكن أطلق سراحهم قبل ثلاثة أشهر. وهناك العديد في المناطق الأخرى في إيران انضموا إلى داعش، وخاصة بعض البلوشيين وأفراد من تاليش في جيلان وتركمان الصحراء. وعلى سبيل المثال، كان أحد قادة داعش المهمين في الشؤون الشرعية رجل يدعى سيد محمد غريشي من قرية شلغون في طليش الذي عاد إلى إيران، وهناك عدد من الشيعة قد تحولوا إلى السنة وانضموا إلى داعش .وتشير التقديرات إلى أنه بعد ظهور داعش ذهب ما يقرب من 400 كردي إيراني إلى سوريا والعراق للانضمام إلى داعش. ولكن عددهم تضاءل عما كان عليه قبل بضع سنوات لأن الكثيرين منهم قتلوا. وقد قتل أو جرح نحو 170 من أفراد داعش من كردستان الإيرانية. ولكن مصير 40 آخرين منهم ظل غير معروف. فمن المحتمل أن داعش أعدمهم وربما ترك بعضهم داعش وانضموا إلى مجموعات أخرى. ولكن الأهم أن خمسين عنصرا منهم قد عاد إلى إيران ومعظمهم أحرار[14].

ولا شك، أن عودة المسلحين الأكراد إلى إيران بعد سفرهم إلى العراق وسوريا قد كشف عن نقاط ضعف في استراتيجية مكافحة الإرهاب في إيران. فقد اعتمدت إيران على استراتيجية لمكافحة الراديكاليين خارج حدودها، مع السماح في نفس الوقت بدرجة من الحرية لهذه الجماعات داخل البلاد، حيث توجد طرق تهريب جاهزة يمكن أن يستغلها الأكراد الإيرانيون لتجنب كشفهم في حالة وقوع هجوم. وفي مناطق البلوش، التي تقع على الحدود مع المناطق التي لا تخضع للقانون في باكستان وأفغانستان، اعتمد المتمردون المحليون أيضا رسالة جهادية للتعبئة ضد طهران. كانوا قوميين يساريين، لكنهم بدأوا خلال العقد الماضي في ارتداء عباءة الجهاد ورسالة سنية طائفية. وبما أن تنظيم الدولة الإسلامية له علاقات عبر الحدود مع المسلحين في أفغانستان وباكستان، فعندما يفقد سيطرته في العراق وسوريا، فسوف يسعى إلى إقناع الجماعات المحلية بتوفير مقاتليها أو إنشاء قاعدة جديدة. و”الخطر الحقيقي يتعلق بكيفية تعامل إيران مع هذا التهديد المتزايد [15].

 

ثانياً: مصالح داعش في إيران:

بعد سنوات من الترقب وإعلان تنظيم داعش عن رغبته في ضرب إيران، أعلن أنه فعلها أخيراً في يونيو 2017، حيث يمثل الهجوم الإرهابي، الذي طال طهران، تحولاً خطيراً في علاقة إيران بتنظيم القاعدة وذيوله، الذي ارتبط في علاقة سرية مع النظام الإيراني أبعدته عن أي هجوم إنتحاري يستهدف أراضيه ومصالحه. فمنذ عام 2007، هدف تنظيم الدولة الإسلامية إلى ضرب إيران، وذريعته الجوهرية أن نظام الملالي في طهران يدعم الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية. ولكن الأمر استغرق ثلاثة سنوات حتى يضرب عمق إيران، وهذا طرح الكثير من التساؤلات عن توقيت هذا الهجوم.

فهذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها داعش إيران. وقد اختلفت التفسيرات حول سبب تأخر هجوم داعش حتى الآن. وأشار البعض إلى نظرية المؤامرة بأن إيران لديها اتفاق مع داعش وتموله بسخاء مقابل عدم التعرض والهجوم على مصالحها. وقد تكهن آخرون بأن داعش، التي تعاونت مع نظام الأسد بل وتداولت النفط والبضائع معه، لم تتعرض لمصالح إيران وسوريا بسبب نشاطهما الضخم ضد المتمردين السنة، منافسي داعش. لكن هذه التخمينات لم تفسر لماذا صمتت داعش عندما هاجمت القوات الإيرانية، والميليشيات الشيعية العاملة في العراق، التي ترعاها إيران وتمولها، قاعدة داعش في الحرب على الموصل. لماذا لم تتصرف داعش ضد إيران كما تصرفت ضد تركيا[16].

وقد فسر بعض الباحثين ذلك بأن التنظيم لم يكن يمتلك كوادر قادرة على اختراق نظام الأمن الإيراني، لذا عكف طوال الثلاث سنوات الماضية على تجنيد وتدريب كوادر من الإنتحاريين الإيرانيين يعودون لموطنهم لشن هجمات إنتحارية مثل الجهاديين في فرنسا وبلجيكا، الذين عادوا من الجهاد في سوريا لشن عمليات إرهابية في البلدين العامين الماضيين. وثمة رأي آخر يؤكد على دور العامل الاستراتيجي، ويتمثل في رغبة التنظيم في إثارة حفيظة الإيرانيين بتنفيذ عمليات إرهابية داخلها تؤجج رغبة الإنتقام لديها فتضرب خصوما سنية مثل المملكة السعودية أو سنة العراق، الأمر الذي من شأنه توسيع قاعدة تنظيم داعش بين صفوف السنة. ويرى بعض المحللين أن تنظيم “داعش” ربما أراد بهذا الهجوم التفوق على تنظيم “القاعدة” وجذب قلوب وعقول الجهاديين في أنحاء العالم، وهو أمر يحتاجه التنظيم بشدة لتجديد الدماء في صفوف مجنديه في سوريا والعراق. ولذلك اختار هذا التوقيت بالذات للهجوم على إيران، حيث يسعى إلى إلهام ذئابه المنفردة لشن هجمات جهادية في شهر رمضان[17].

والحال أن داعش ضرب إيران للمرة الأولى في هجوم يونيو 2017، لكنه سبق أن استهدفها عبر حلفائها سواء في العراق أو لبنان، عندما بدأت السيارات المفخخة تستهدف أحياء سكنية ذات غالبية مؤيدة لـحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتذهب بعض التحليلات إلى القول إن القصة “مفتعلة” أولاً من حيث الشكل والسلاح المستخدم، وثانياً من حيث الرمزية الصارخة للمكانين المستهدفين، أي البرلمان والضريح. فكأنما ثمة من يريد أن يقول للخارج إن الدولة الإيرانية مهددة. كذلك، هناك رسالة للداخل تعزز الخوف والشعور بالتطويق لأن الهوية (الدينية -الطائفية) للبلاد في خطر محدق. ومن شأن ذلك أن يرص الصفوف بطبيعة الحال، ويبدل الأولويات فيدفع بأي مطالب إصلاحية قد يرفعها تيار الرئيس حسن روحاني نحو مزيد من التأجيل والمماطلة، لمصلحة مواقف أكثر تشدداً وتشنجاً لخصومه من تيار المحافظين وأجنحة الحرس الثوري داخل السلطة. وهي، إلى ذلك، محاولة لكسب ود واشنطن بعد تبني الرئيس دونالد ترامب سياسة العزل حيال إيران وتخليه عن نهج سلفه باراك أوباما في تعزيز الدبلوماسية والمفاوضات، وهو ما يتم عبر الإيحاء أن للبلدين عدواً مشتركاً هو داعش، لا بد من التعاون لمحاربته[18].

لكن ثمة طرح آخر يرى أيضاً أن يكون الطلاق قد وقع عملياً بين إيران وداعش وانتهت مرحلة التلاقي الظرفي في المصالح. فإن لم يحن وقت الانتقام ربما حان نقل المعركة ولو جزئياً إلى أرض جديدة. فاستهداف طهران ليس بالحدث العابر أو الاعتباطي، وذلك لأن توقيت الاعتداء واختيار مكانه تزامناً مع حاجة ملحة لدى التنظيم بتحقيق انتصار ميداني غير مكلف، يعزز موقعه بين جمهوره في وقت بدأ يخسر أبرز معقلين له، أي الموصل والرقة. وبهذا المعنى فقد حقق هدفه[19].

وهذا الطرح يجد وجاهته في الحملة الدعائية والإعلامية لداعش عقب الهجوم، فقد كثف التنظيم جهوده الرامية إلى استهداف إيران، وأطلق تيارا من الدعاية، وتعهد بمزيد من إراقة الدماء، وتعزيز التجنيد في أوساط الأقليات السنية في إيران. وأصدر التنظيم شريط فيديو يهدد فيه أحد الناطقين باللغة الفارسية بقطع رقاب الشيعة الأغلبية في إيران[20].

وأعلن التنظيم في أحد تسجيلاته عن تشكيل كتيبة “سلمان الفارسي” لتنفيذ عمليات داخل إيران، وعرض مقاطع لعمليات عسكرية يبدو أنها عمليات سابقة للتنظيم في العراق، ضد أفراد من الجيش العراقي والميليشيات الشيعية الداعمة له والممولة من قبل طهران. ففي الوقت الذي يتعرض فيه تنظيم الدولة لأقسى هزائمه منذ سيطرته على مناطق في العراق وسوريا، وتتراجع مساحات سيطرته بشكل لافت، يعلن التنظيم تهديده لدولة تقاتله خارج حدودها. حيث تطرح بين أروقة المحللين عدة سيناريوهات لمستقبل تنظيم الدولة بعد طرده من أبرز معاقله في الموصل العراقية والرقة السورية، ما يضع على قوائم الانتظار إيران من بين المناطق المتوقع لجوء عناصر التنظيم اليها. غير أن عدة مراقبين رجحوا أن يكون تهديد التنظيم محاولة لإخفاء صبغة التعاون الوثيق والتحالف الخفي مع إيران، ومن قبله القاعدة، ويبررون ذلك بأن توقيت التهديد جاء في وقت لا يقوى فيه التنظيم على النهوض من كبوته في الموصل والرقة[21].

وعلى أية حال، تتفق معظم الآراء على أن توقيت الهجوم بات ضرورة استراتيجية للتنظيم بعد فشله في إقامة خلافة مزعومة في كل من العراق وسوريا، وفرار الكثير من زعماء التنظيم خارج الموصل، فاستهداف إيران يعد بمثابة نجاح للتنظيم يغطي على هزائمه المتتالية وتقهقر عملياته وبالأخص مع تنامي دور إيران في كل من العراق وسوريا من خلال زيادة عدد الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق، وقد تأسس عدد منها بهدف محاربة تنظيم داعش، فيما استهدف عدد منها السنة بشكل عام في العراق دون تمييز بين المتطرفين والمدنيين بدافع انتقامي مما أجج من الطائفية التي أشعلتها داعش فيما قبل. وكما هو معروف برزت ميليشيات شيعية في سوريا بدعم إيراني بهدف دعم نظام بشار الأسد. وبشكلٍ عام بات استهداف الدول خارج مناطق الصراع أسهل على تنظيم داعش بعد أن وجهت قوات التحالف الدولي ضربات قوية للتنظيم عبر غارات جوية وبرية مكثفة ضيقت الخناق عليه في أماكن قوته في العراق وسوريا.[22]

 

المبحث الثالث:

استراتيجية إيران في مواجهة الجماعات الإرهابية في العراق وسوريا.

 

يتوقع بعض الباحثين أن تستفيد إيران من هذه الهجمات الإرهابية لتوسيع عملياتها العسكرية في سوريا، وخاصة على الحدود العراقية والسورية، وتعزيز دور الميليشيات الشيعية التي تعمل بالقرب من الموصل. بل إنها قد ترسل المزيد من القوات إلى منطقة الرقة في سوريا حيث الحملة الدولية بقيادة الولايات المتحدة والأكراد السوريين لتحرير المنطقة من داعش. لقد وفرت الحرب ضد داعش لجميع الدول في المنطقة ذريعة للتدخل في سوريا، ويمكن أيضا أن تضفي الشرعية على التحركات الإيرانية، حتى لو لم تكن تستهدف داعش. وقد خلقت معارضة داعش تحالفات جديدة في الشرق الأوسط، مثل التحالف بين السعودية وتركيا، وكانت علاقاتهما متوترة للغاية[23].

والآن، سيتعين على الولايات المتحدة أن تدرس وضع إيران ليس كدولة تقوض استقرار المنطقة، بل بوصفها دولة تعمل في تحالف الحرب على داعش. وإذا كانت المصلحة الأمريكية (والدولية) هي العمل معا ضد داعش والإرهاب، يمكن لإيران أن تكون جزءا من هذا التحالف. وهذا النهج يمكن أن يحرج المملكة العربية السعودية التي بدأت المقاطعة العربية على قطر بحجة أن هذه الأخيرة تدعم الإرهاب وتتعاون مع إيران. وإذا أصبحت إيران الآن دولة متحالفة تحارب الإرهاب، فإن القضية ضد قطر ربما تنهار أيضا. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني أعلن أنه يعتزم تحسين علاقات بلاده مع جميع الدول مشيرا إلى العلاقات مع السعودية. وربما تكون هجمات داعش على إيران بمثابة نقطة انطلاق لمبادرة جديدة للمصالحة مع المملكة كجزء من الحرب على الإرهاب. ولكن إيران لم تقدم خططها الحربية ضد الإرهاب بعد، ويجب أن تعرف أولا كيف تعمل شبكة إرهاب داعش[24].

ويتوقع العديد من المراقبين أن التأثير الفوري لهجمات داعش في إيران، هو تعزيز شعبية سياسة إيران في سوريا، وخاصة بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدت خلال يناير 2018 للاعتراض على مشاركتها في الحرب في سوريا، التي أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي واستنزاف إيران مالياً. ناهيك عن أن هجمات داعش كانت في عقر دار إيران ما يمنح النظام الإيراني ذريعة قوية تبرر سياساته في سوريا والعراق وربطها بالأمن القومي، وحجة إيران أنها إذا لم تقاتل تنظيم “داعش” في سوريا فسوف تضطر إلى مواجهته فوق التراب الإيراني. ولذلك يتوقع أن توظف طهران الهجومين الأخيرين كذريعة لزيادة وجودها العسكري في سوريا والعراق. وقد ساور القادة الإيرانيون قلقاً بالغاً إزاء الأنشطة المتزايدة التي تقودها الولايات المتحدة في شرقي سوريا وجنوبها والتي تعرقل حرية حركة الميليشيات التي تدعمها إيران عبر الحدود السورية -العراقية. وحيث أن طهران مصممة على فتح طريق بري لحلفائها في سوريا ولبنان، فبإمكانها أن تحاول استباق التحالف من خلال تكريسها المزيد من الموارد إلى سوريا والمطالبة بدور في استعادة الرقة من تنظيم داعش[25].

لدى إيران أهداف رئيسية لسياستها الخارجية فيما يتعلق بتنظيم داعش، وهي الحرب على التنظيم في سوريا العراق، والحفاظ على سلامة أراضي هذه الدول. وتحييد تأثير داعش على أمنها. وفد ركزت حتى الآن أكثر على الاستجابة الأمنية الثابتة التي توجه من خلال الحكومات في دمشق وبغداد ومن خلال الجماعات الشيعية المحلية. وقد عززت المكاسب التي حققتها الدولة الإسلامية قناعات إيران بأنه يجب احتواء المتمردين السنة في العراق وسوريا وأن هذا لا يمكن إلا من خلال التنسيق مع الجيش العراقي وجهاز الأمن السوري[26].

وقد ركزت الاستراتيجية الإيرانية تجاه داعش في الماضى على دعم القوات المحلية والمركزية في العراق وسوريا في محاولة للضغط داعش. وتقوم إيران بالتنسيق مع الجماعات الشيعية وتقديم المساعدة العسكرية إليها في سوريا والعراق ولبنان التي ترغب أيضا في مواجهة التهديد الذي يشكله. جيش المهدي، كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق من بين المجموعات الرئيسية التي تتلقى مساعدات إيرانية من خلال التدريب والاستخبارات والأسلحة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد شاركت هذه الجماعات منذ وقت طويل في حروب المنطقة وهي مرتبطة أيديولوجيا بإيران باعتبارها دولة الشيعية. وعلى سبيل المثال، زودت إيران قوات البشمركة في إقليم كردستان العراق بالأسلحة بمباركة من بغداد. ومن المحتمل أن يكون الدعم الإيراني للبشمركة مشروطا بولاء حكومة إقليم كردستان لبغداد. ولذلك سمحت لأعداد كبيرة من أكرادها الانفصاليين بالعبور إلى العراق للقتال ضد داعش. وحتى الآن لم ترسل إيران الجيش إلى سوريا أو العراق في محاولة لتجنب جر إيران إلى مستنقع الدولة الإسلامية. ولكن تم دمج أفراد من قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني في الجيش العراقي وكذلك الحال في سوريا[27].

وبعد الهجمات الداعشية على إيران، أصبح تهديد داعش داخليا وخارجيا إلى حد كبير، وقبل ذلك كانت إيران ترى أن تهديد تنظيم الدولة الإسلامية هو خطر خارجي وغير مباشر. وكانت فروع الأمن الإيراني ترى أن تنظيم الدولة الإسلامية ليس لديه القدرة على تنفيذ تهديدات ضد إيران بنجاح، واستبعدت إمكانية توغل تنظيم الدولة الإسلامية عبر الحدود الإيرانية. ومع ذلك، كانت القضية الأمنية الداخلية الأكثر إلحاحا بالنسبة لإيران هو استخدام أراضيها كممر للتنظيمات الإرهابية لدخول العراق من قبل المتطرفين في باكستان وأفغانستان الذين يريدون الانضمام إلى قوات داعش. وكان القلق المتزايد بالنسبة لإيران هو الهجمات الإرهابية التي تستهدف سيستان وبلوشستان من قبل الجماعات المتمردة السنية العاملة في باكستان المجاورة. ولكن منذ هجوم داعش في إيران، بدأت طهران تخشى من أن تصبح الجماعة المتطرفة السنية جيش العدل تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية داخل إيران. والتهديد غير المباشر لطهران هو أن تهدد الجماعة مصالح إيران الأمنية والإقليمية. والتهديد العام بالفوضى الإقليمية هو أيضا مصدر قلق بالنسبة لإيران. وتخشى إيران من تفكك سوريا والعراق، بما يسهل تمكين الجماعات الانفصالية ويشجع جماعات الأقليات الإيرانية على الضغط من أجل الاستقلال[28].

وقد شارك الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المتحالفة مع إيران بشدة في الحرب ضد الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا. ويهدف الإرهاب دائما إلى إثارة بعض ردود الفعل من الحكومة المستهدفة. ومن المرجح أن يكون الهجوم مصمم أيضا لإثبات أن إيران ستدفع ثمنا لدعمها لنظام الأسد وحملتها في سوريا ولأنشطتها التخريبية الأخرى في المنطقة. ومن شأن ذلك أن يصور داعش بأنها المدافع عن المصالح السنية. إنها عملية غير متوقعة من شأنها أن تؤدي إلى إعادة تقييم لقوة داعش وقدراتها وطموحاتها وعمرها المحتمل، وبغض النظر عما قد يحدث في ساحة المعركة في غرب العراق وفي سوريا. فإن داعش ستظل تحتل ملاذاتها الآمنة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشمال أفريقيا وغرب وشرق أفريقيا لاستخدامها كقاعدة انطلاق لاستمرار الهجمات الإرهابية في أماكن أخرى[29].

ويرى بعض المحللين أن إيران حاولت ردع داعش في العراق، إلا أنها لم تفعل ذلك في سوريا. وتعتبر إيران داعش في العراق تهديدا لأراضيها وسكانها ومصالحها. لكنها تعتبر سوريا مكانا جيدا لاحتواء الجماعة الإرهابية. وهناك، ركزت إيران على مساعدة الأسد دون أن تدفع بالضرورة داعش بشكل فعال. وهذا ساعد على إبقاء داعش في سوريا وتجنب انتشاره، إلا أنه أيضا أدى إلى نتائج عكسية، حيث أنه سمح لتنظيم داعش بالعمل هناك ليخطط لهجمات مثل هجمات طهران. وقد رأى الجمهور الإيراني بالفعل أن داعش يشكل تهديدا كبيرا. ومن ثم فإن إيران لديها الآن ما يبرر تدخلها في سوريا. وسيسمح ذلك للحكومة لها لتبرير أنشطتها في العراق وسوريا وأفغانستان. ومن ثم فإن التدخل الإيراني الذي لا يحظى بشعبية متزايدة في سوريا قد يكتسب زخما نتيجة للهجمات الأخيرة في طهران  [30].

وفي ظل هذه الخلفية، سوف تعزز إيران عملياتها لمكافحة الإرهاب في الداخل والخارج. ومنذ هجمات يونيو 2017 في طهران، عززت طهران بهدوء جهودها لمكافحة الإرهاب في المناطق ذات الأغلبية السنية، مثل سيستان بلوشستان، حيث قتل الحرس الثوري زعيم أنصار الفرقان. كما أطلق الحراس ضربات صاروخية استهدفت ما وصفوه بمقر داعش في بلدة دير الزور السورية التي يسيطر عليها تنظيم داعش. وكانت هذه الضربات العسكرية هي الإجراء الأكثر وضوحا الذي اتخذته إيران ضد داعش. وهذا من شأنه أن يجعل الجهود الإيرانية في أفغانستان والعراق وسوريا أكثر شعبية. وإرسال رسالة قوية إلى الداخل، وخاصة القوى الإيرانية المعارضة للتدخل الإيراني في سوريا، أن إيران تتصدى لداعش التي تهدد الأمن الإيراني[31].

ومن ثم، يمكننا أن نتوقع توسع العمليات الإيرانية في سوريا، ولاسيما بعد قيام إيران بتوجيه ضربة عسكرية لتنظيم داعش في مدينة “دير الزور” عقب الهجمات الإرهابية في طهران. وتهدف إيران إلى تعزيز وجودها في تلك المنطقة. حيث تقع محافظة دير الزور بين العاصمة السورية وشمال شرقي سوريا والعراق، وترجع أهميتها، بالإضافة إلى موقعها، إلى كميات النفط والغاز المهمة في أراضيها (أكبر مخزن للنفط الخفيف في سوريا، يشكل ما نسبته 24 % من الناتج السوري من النفط والغاز)، وإلى محطات تجميع النفط ومعالجة وضخ الغاز عبر شبكة الأنابيب الوطنية السورية، ما جعلها محط أنظار القوى الإقليمية والدولية ومنحها موقعا بارزا في استراتيجيتها في سوريا. هي بمثابة رأس جسر. فالتمركز فيها يعني السيطرة على الطريق المتّجه إلى العراق، الذي تفصله عنها مسافة ٢٠٠ كيلومتر في الصحراء، وأيضا السيطرة على الطريق المؤدي إلى دمشق وعمان وجنوب لبنان. وهي لذلك تمثل أهمية إستراتيجية لـ إيران، حيث تمثل الممر الإستراتيجي الرابط من محافظة ديالي على الحدود العراقية الإيرانية شرقًا، وحتى معبر “التنف” حيث يقع المعبر على مقربة من الطريق السريع الرابط بين بغداد وبين العاصمة السورية دمشق، وعمَّان والجنوب اللبناني. وهذه الأهمية الاستراتيجية هي التي تفسر لنا لماذا قامت إيران بضرب معاقل داعش في مدينة “دير الزور”.

وتتزامن هذه المحاولات الإيرانية لتعزيز وجودها في دير الزور مع إعلان بعض قادة قوات الحشد الشعبي دخول سوريا من العراق بذريعة تحرير الرقة من داعش بعد تحرير الموصل من قبضة التنظيم. ومن شأن هذا التحرك ربط المناطق السورية والعراقية تحت مظلّة إيرانية وإقامة قوسٍ للوجود العسكري لإيران يتيح لقواتها تطويق مجموعات الثوار السوريين من جهة الشمال الشرقي ومن جهة الغرب أيضاً حيث يسيطر الأسد على معظم المناطق هناك. وسوف يزيد ذلك من حشرِ الثوار السوريين في محافظة إدلب على الحدود السورية. ولم تنجح الضربات الامريكية في عرقلة هذه القوات الموالية للنظام الإيراني والتي تضم مقاتلين سوريين وإيرانيين وعناصر من حزب الله، حيث واصلت تلك القوات نقل صواريخ أرض – جو بالقرب من خطوط المواجهة مع الجيش السوري الحر في المنطقة الشرقية.  وجاء هذا التحرُك بعد وقت قصير من اتفاق كلّ من روسيا وإيران وتركيا في مباحثات أستانا على السماح لإيران بإقامة نقاط مراقبة في ما يدعى “مناطق خفض التصعيد” في سوريا بما يشمل إدلب والمنطقة الجنوبية، وذلك بحجّة تخليص هذه المناطق من تنظيم داعش والجماعات المتطرّفة الأخرى، وبعد عمليات نقل السكان التي أخلَت المواطنين السوريين الَسُنَّةَ من بلداتهم الأصلية قرب الحدود اللبنانية باتجاه إدلب ليحلَّ محلّهم سُكانٌ من الشيعة كانوا قد غادروا بلداتهم في إدلب هم أيضاً وانتقلوا إلى المنطقة الحدودية، كما نقل حزب الله 3000 مقاتلٍ من المناطق السورية المحاذية للبنان بُغيَةَ إعادةِ نشرهم في شرق سوريا[32].

 وحاصل القول، ليس بمقدور إيران تحمّل خسارة نفوذها في سوريا، وسوف تعمل على توظيف الهجمات الإرهابية الداعشية على إيران من اجل توسيع عملياتها داخل سوريا، وسوف تعمل من خلال التدخل المباشر وعبر الضربات العسكرية لمعاقل داعش، وعبر قواتها الموالية على تعزيز وجودها وانتشارها العسكري داخل الأراضي السورية. إذ تستهدف إيران، من خلال طرحِها لميليشياتها على أنّها عناصر في القتال ضد تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، ومواصلة حزب الله لدور استشاري الطابع على المدى البعيد. كما أن الميليشيات التي تمولها إيران في سوريا تحضر نفسها لوجودٍ طويل الأمد.

 

 

خاتمة

 

تواجه إيران العديد من التحديات الأمنية في الداخل والخارج، وعلى رأس هذه التحديات وجودها في سوريا، وخاصة بعد الاحتجاجات الإيرانية في مطلع العام الحالي والتي نددت بالتدخلات الإيرانية في الخارج التي استنزفت إيران ماليا بينما يواجه الشعب الإيراني أوضاعا اقتصادية صعبة. وبالتالي تحاول إيران أن تقنع الداخل بأهمية وجودها وتدخلها في سوريا لحماية المصالح الأمنية لإيران ولمواجهة التنظيمات الإرهابية في الخارج بدلا من أن تواجهها على التراب الوطني.

والواقع أن مساعدة الحلفاء هو على رأس أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، والتي لديها مشروع وأجندة تسعى إلى تحقيقها في المنطقة، فمن أهم أهداف الثورة الإيرانية تصديرها للخارج وذلك لحمايتها والحفاظ على النظام الإيراني. ومن غير الممكن أن تتبع إيران سياسة محايدة في سوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن، لأن ذلك يهدد الثورة والنظام الإيراني.

ولذلك فإن إيران توظف الأحداث في الداخل والخارج لإقناع الداخل بضرورة توسيع عملياتها في سوريا، على اعتبار أن إيران تواجه تهديدا قادما من الخارج، وليس لأن الحلفاء يواجهون تهديدات وتدخلات خارجية وإقليمية تهدد سيطرتهم على مناطقهم.  إذا لدى إيران تطلعات مفهومة لتوسيع عملياتها وتعزيز وجودها في سوريا في الفترة القادمة. ولذلك وجدت الذريعة التي تبرر بها هذا التوسع، ويتوقع أن التوسع سوف يظل محدودا بعمليات عسكرية. ولا يتوقع أن ترسل إيران قوات عسكرية إلى سوريا أو العراق إلا من خلال التعزيزات العسكرية للحشود والميليشيات الموالية. وستستمر في العمل مع الجماعات الموالية، مع احتمال زيادة ضرباتها العسكرية في المناطق التي تحاول داعش أو غيرها مزاحمة الوجود الإيراني فيها أو تهديد المصالح الإيرانية فيها، مثل مدينة دير الزور على سبيل المثال. وعلى أية حال يمكن القول إن هناك ثلاثة سيناريوهات لاستراتيجية التدخل الإيراني في سوريا والعراق فيما بعد هجوم داعش الإرهابي في طهران 2017، وهي: السيناريو الأول: إرسال قوات وتعزيزات عسكرية إلى سوريا والعراق لمحاربة داعش، السيناريو الثاني: ضربات عسكرية محدودة. السيناريو الثالث: العمل من خلال التنظيمات الموالية والحلفاء. ويبدو أن السيناريو الأول من الصعب تحقيقه لأنه قد يؤدي إلى مواجهة إقليمية واسعة، ولن تقبل به دول المنطقة. ويظل السيناريو الثاني والثالث هما الأقرب للحدوث، لحماية المصالح الإيرانية في سوريا، ولكن يتوقع أن تقوم إيران بتوسيع هذه الضربات وتكثيفها في مناطق محددة، وهي المناطق التي تعتبر مناطق نفوذ لها.

 

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٤ فبراير ٢٠١٨

 

 

قائمة المراجع

 

أولاً: راجع باللغة العربية:

الأمين، علي:مشروع إيران في الانتصار على داعش: من الاستحمار إلى الاستعمار،العرب اللندنية، العدد: 10826،28/11/2017.

أبو علي، نداء: الهجمات على طهران… وعلاقاتها الشائكة مع “داعش”، الشرق الأوسط، 12/6/ 2017

الشيخ، بيسان: “داعش” يضرب طهران… ماذا عن “التضامن” ؟، الحياة اللندنية،  11 /6/  2017

الشرق الأوسط: “داعش”  يهدد إيران من “تورا بورا” الكردية “، العدد: 14315، 6 /2/ 2018

الشرق الأوسط: منفذو هجومي طهران إيرانيون حاربوا في صفوف “داعش العدد:14073، 9/9 / 2017.

الخليج أونلاين: بعد كتيبته الفارسية.. هل يغزو “داعش” إيران أم يستمر بتحالف سري؟،  متاح على الرابط التالي:

http://alkhaleejonline.net/articles/1490780491550193200

ثانياً: مراجع باللغة الفارسية:

مشرق:  چرا عملیات علیه هسته مرکزی گروهک “انصار الفرقان” مهم بود؟، 25/4/2015

https://www.mashreghnews.ir/news/404387

ثالثاً: مراجع باللغة الانجليزية:

Thesis:

Manghebati ,Gelareh: Almost Iranians: the Forgotten people of Iranian Balochistan Exploring Armed Ethnic Conflict and Terrorism in Iranian Balochistan after the 1979 Islamic Revolution, M. A thesis, (University of Manitoba, Department of Peace and Conflict Studies ,2015).

Articles:

 

Geranmayeh ,Ellie: Iran’s Strategy Against The Islamic State, in; Julien Barnes-Dacey, Ellie Geranmayeh, and Daniel Levy (eds): The Islamic State Through The Regional Lens , LondonThe European Council on Foreign Relations,2013.

Guillou ,Nat : The Future of Sunni Jihadist Violence in Iran, Terrorism Monitor Volume: 15 Issue: 15, The Jamestown Foundation , July 28, 2017.

Schanzer ,Jonathan: Ansar al-Islam: Back in Iraq, Middle East Quarterly, Winter 2004.

Zambelis ,Chris : The Evolution of the Ethnic Baluch Insurgency in Iran, Vol. 7, Issue 3, March 2011.

 

Reports:

Austrian Centre for Country of Origin & Asylum Research and Documentatio: Iran: Political Opposition Groups, Security Forces, Selected Human Rights Issues, Rule of  Law ,Report,( July 2015).

 Rehman ,Zia Ur:The Baluch insurgency: linking Iran to Pakistan, Noref Report ,(The Norwegian Peacebuilding Resource Centre , May 2014).

Wiig ,Audun Kolstad: Islamist opposition in the Islamic Republic Jundullah and the spread of extremist Deobandism in Iran ,Report, (Norwegian Defence Research Establishment (FFI), 2 July 2009).

 

Others

Bar’el ,Zvi: Iran Attacks: ISIS Assault on Tehran May Lead to Surprising Alliances in the Middle East, Haaretz, 8/6/2017, available at;

https://www.haaretz.com/middle-east-news/.premium-isis-attack-on-iran-may-create-surprising-mideast-alliances-1.5481588

Cappuccino ,Nicholas:  Bluch Insurgents in Iran,27/4/2017,United States Institute of Peace, available at;

http://iranprimer.usip.org/blog/2017/apr/05/baluch-insurgents-iran

Cunningham,Erin: Islamic State Threatens More Bloodshed in Iran, Washington Post, 15/8/2017

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/iran-was-at-the-forefront-of-the-fight-against-isis-now-it-has-to-face-the-militants-at-home/2017/08/14/e4fb735a-7dfe-11e7-b2b1-aeba62854dfa_story.html?utm_term=.2b5c27bbefb2

Khalaji ,Mehdi :  Salafism as a National Security Threat for Iran,The Washington Institute for Near East Policy ,February 20, 2014

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/salafism-as-a-national-security-threat-for-iran

ـــــــــــــــــــــ: Takfiris in Tehran: The Sectarian Face of Iranian Counterterrorism, The Washington Institute, June 24, 2016,available at;

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/takfiris-in-tehran-the-sectarian-face-of-iranian-counterterrorismGhajar ,Aida and Alavi,Shahed :How ISIS Infiltrated Iranian Kurdistan,Iranwire, 13/6/2017,available at;

https://iranwire.com/en/features/4660

ـــــــــــــــــــــ: The Rise of Persian Salafism, The Washington Institute for Near East Policy , October 3, 2013, availabl at;

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-rise-of-persian-salafism

Laub ,Zachary : Why Did the Islamic State Target Tehran?, Council on foreign Relation, 8/6/ 2017, , availabl at;

https://www.cfr.org/interview/why-did-islamic-state-target-tehran

Mccants , Will : What The Islamic State Wants In Attacking Iran,forign Policy, 7/6/  2017, Available At;

http://foreignpolicy.com/2017/06/07/what-the-islamic-state-wants-in attacking-iran/

Reuters:Iran Kills Members of Sunni Jihadist Group in Southeast,14/6/2017,available at;

https://www.usnews.com/news/world/articles/2017-06-14/iran-kills-3-members-of-terrorist-organization-arrests-5-mehr-news

Sulaivany ,Karzan: Who is responsible for the Tehran attack?,Kurdstan 24,14/6/2017,available at;

http://www.kurdistan24.net/en/economy/1aa57ff4-9393-43ae-a834-9b525388a090

Tabatabai ,Ariane M. : ISIS Hits Iran, Foreign Affairs ,4/7/2017,available at;

https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2017-07-04/isis-hits-iran

[1] Nat Guillou: The Future of Sunni Jihadist Violence in Iran, Terrorism Monitor Volume: 15 Issue: 15, The Jamestown Foundation , July 28, 2017,p.3

[2] الشرق الاوسط: منفذو هجومي طهران إيرانيون حاربوا في صفوف “داعش العدد:14073، 9/9 / 2017.

[3] Karzan Sulaivany: Who is responsible for the Tehran attack?,Kurdstan 24,14/6/2017,available at;

http://www.kurdistan24.net/en/economy/1aa57ff4-9393-43ae-a834-9b525388a090

[4] Ideam

[5] الشرق الأوسط: “داعش”  يهدد إيران من “تورا بورا” الكردية “، العدد: 14315، 6 /2/ 2018

[6] نفس المرجع السابق

[7] نفس المرجع السابق.

[8] Nat Guillou: The Future of Sunni Jihadist Violence in Iran, Terrorism Monitor Volume: 15 Issue: 15, The Jamestown Foundation , July 28, 2017,p.3

[9]Ibid,p.4

[10] Ibid ,p.5

[11] Ibid ,p.5

[12] Erin Cunningham: Islamic State Threatens More Bloodshed in Iran, Washington Post, 15/8/2017

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/iran-was-at-the-forefront-of-the-fight-against-isis-now-it-has-to-face-the-militants-at-home/2017/08/14/e4fb735a-7dfe-11e7-b2b1-aeba62854dfa_story.html?utm_term=.2b5c27bbefb2

[13] Ideam

[14] Aida Ghajar And Shahed Alavi,op.cit,available at;

https://iranwire.com/en/features/4660

[15] Erin Cunningham: ,op.cit,available at;

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/iran-was-at-the-forefront-of-the-fight-against-isis-now-it-has-to-face-the-militants-at-home/2017/08/14/e4fb735a-7dfe-11e7-b2b1-aeba62854dfa_story.html?utm_term=.2b5c27bbefb2

[16] Zvi Bar’el: Iran Attacks: ISIS Assault on Tehran May Lead to Surprising Alliances in the Middle East, Haaretz, 8/6/2017, available at;

https://www.haaretz.com/middle-east-news/.premium-isis-attack-on-iran-may-create-surprising-mideast-alliances-1.5481588

[17] Will Mccants: What The Islamic State Wants In Attacking Iran,forign Policy, 7/6/  2017, Available At;

http://foreignpolicy.com/2017/06/07/what-the-islamic-state-wants-in attacking-iran/

[18] بيسان الشيخ: “داعش” يضرب طهران… ماذا عن “التضامن” ؟، الحياة اللندنية،  11 /6/  2017

[19] نفس المرجع السابق

[20] Erin Cunningham: ,op.cit,available at;

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/iran-was-at-the-forefront-of-the-fight-against-isis-now-it-has-to-face-the-militants-at-home/2017/08/14/e4fb735a-7dfe-11e7-b2b1-aeba62854dfa_story.html?utm_term=.2b5c27bbefb2

[21] الخليج اونلاين: بعد كتيبته الفارسية.. هل يغزو “داعش” إيران أم يستمر بتحالف سري؟،  متاح على الرابط التالى:

http://alkhaleejonline.net/articles/1490780491550193200

[22]  نداء أبو علي: الهجمات على طهران… وعلاقاتها الشائكة مع “داعش”، الشرق الأوسط، 12/6/ 2017

[23] Zvi Bar’el,op.cit, available at;

https://www.haaretz.com/middle-east-news/.premium-isis-attack-on-iran-may-create-surprising-mideast-alliances-1.5481588

[24] Ideam

[25] علي الأمين: مشروع إيران في الانتصار على داعش: من الاستحمار إلى الاستعمار، العرب اللندنية، العدد: 10826،28/11/2017، ص8

[26] Ellie Geranmayeh: Iran’s Strategy Against The Islamic State, in; Julien Barnes-Dacey, Ellie Geranmayeh, and Daniel Levy (eds): The Islamic State Through The Regional Lens , LondonThe European Council on Foreign Relations,2013, p.29

[27] Ibid ,p. 30-32

[28] Ibid, p.30

[29] Zachary Laub: Why Did the Islamic State Target Tehran?, Council on foreign Relation, 8/6/ 2017, available at;

https://www.cfr.org/interview/why-did-islamic-state-target-tehran

[30] Ariane M. Tabatabai: ISIS Hits Iran, Foreign Affairs ,4/7/2017,available at;

https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2017-07-04/isis-hits-iran

[31] Ideam

[32]  لينا الخطيب: إيران ماضية في بناء قاعدةِ نفوذها لما بعد الحرب في سوريا، يونيو 207

https://syria.chathamhouse.org/ar/research/2017/iran-is-building-a-base-of-post-war-influence-in-syria