أظهرت زيارة روحاني إلى الهند، واستغلال الأخيرة لهذه الزيارة سياسيا واقتصاديا، عمق التخبط الذي يعتاشه قادة النظام في إيران، وعدم اتزان الرؤية السياسية لهذا البلد الذي لا يزال يرفض الخروج من الثورة إلى مرحلة الدولة، وتصر طهران على المكوث في العزلة وفي أعقاب الدول، لدرجة أن قادتها يعيشون في فقر سياسي وقحط دبلوماسي شديدين يلهثون إلى الزيارات الرسمية للتسويق لها إعلاميا على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي.

ميناء “جابهار” وتطويره لمحاولة التقليل من الاعتماد الإيراني شبه الكامل على موانئ دولة الإمارات العربية المتحدة في استيراد السلع الرئيسية والمواد والمنتوجات هو الهدف الرئيسي من زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الهند، وخلال الزيارة قدم روحاني العديد من المزايا للهند بهدف إقناعها في الاستثمار في إيران وخاصة من أجل تطوير ميناء جابهار لجعله مركز استراتيجي للهند، وقد قامت إيران عبر إعلامها ودبلوماسيتها منذ سنوات بالترويج لهذا الميناء وإغراء الهند باستراتيجيته وضرورته باعتباره جسرا للهند إلى أوروبا الشرقية وآسيا المركزية حسب ما يروج له الإعلام الإيراني.

وفي الحقيقة أن هذا الطموح أقرب للخيال من الواقع ولا يمكن أن يتحول ميناء جابهار إلى جسر يربط الهند بشرق أوروبا وآسيا المركزية لعدة أسباب أهمها غياب ثقة الشركات الدولية في الاستثمار مع أي طرف إيراني إضافة إلى خشيتها من التورط في عقوبات أميركية ودولية، والأهم أن أفغانستان يسودها الاضطراب وانعدام الأمان، وإذا كان روحاني يسعى في تصريحاته إلى التعاون مع الهند وأفغانستان من أجل استقرار الأخيرة، فإن الحرس الثوري لا يزال يعبث بأمنها واستقرارها ويقوم بصناعة الجماعات الإرهابية داخل أفغانستان وتدريبها وإرسالها إلى جبهات القتال التي أشعلتها إيران في دول المنطقة، لذا فإن أفغانستان ستبقى الحلقة المفقودة في هذا المشروع، لا سيما بعد انتشار الجماعات الإرهابية فيها وعلى رأسها تنظيم داعش، وأمن واستقرار أفغانستان هو الشرط الأساسي لنجاح هذا المشروع.

أضف إلى ذلك أن العقوبات الدولية من المرجح أن تفرض مرة أخرى على طهران لعدم التزام الأخيرة ببنود الاتفاق النووي، ثم أن نيودلهي ستكون عاجزة عن تنمية محور أفغاني – إيراني – هندي في المنطقة بسبب وجود تحالف آخر له نفس الأهداف وهو التحالف الباكستاني الصيني، حيث تعكف باكستان وبدعم كبير من الصين، على تطوير ميناء “غوادر” في ظل مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي تقدر تكلفته بـ46 مليار دولار، ويعتبر الممر بمثابة بوابة اقتصادية تمتد لمسافة 3000 كيلومتر تبدأ من إقليم سنغان الصيني مرورا بباكستان ووصولا إلى الشرق الأوسط.

إن التحرك الإيراني الأخير يعتبر مغامرة في علاقات طهران بإسلام آباد، في وقت تحتاج فيه إيران إلى باكستان أكثر من أي وقت مضى، إضافة إلى مغامرة الصين في علاقاتها مع حليف لها وهي الصين التي ستعيد حساباتها مع إيران بسبب تقاربها مع الهند ومنافستها للمصالح الصينية في المنطقة، وعلى رأسها تطوير ميناء غوادر، ما يعني أن إيران تكون قد فشلت في كسر عزلتها من خلال فشل مشروعها التي تستميت عليه في تطوير ميناء جابهار، وفي الوقت نفسه تكون قد خسرت علاقاتها مع باكستان والصين.

كما تهدف زيارة روحاني إلى الهند إلى محاولة تلقي الدعم السياسي وبناء علاقات عسكرية مع الهند، غير أن ذلك سيكون خطأ في الحسابات والدبلوماسية الإيرانية، لأن علاقات الهند بالولايات المتحدة وقوة تأثير الأخيرة على الحكومة الهندية ستمنع من حدوث أي تقارب أو تعاون عسكري بين الهند وإيران ولا سيما في ظل التصعيد الأميركي والدولي ضد سياسات إيران التخريبية والداعمة للإرهاب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 فبراير 2018