كافة التقارير والدراسات الاستشرافية حول الداخل الإيراني تؤكد أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية تتفاقم حدتها تدريجيا، وستصل خلال بضعة أشهر إلى درجة لا يمكن للشعوب الإيرانية تحملها بأي حالة من الأحوال، لا سيما أن ميزانية العام الإيراني المقبل والذي يبدأ في 21 مارس القادم ستذكي بشكل ديناميكي هذه الأزمات والمشاكل، وسيكون إلغاء الاتفاق النووي أو خروج الولايات المتحدة منه بسبب عدم التزام طهران ببنوده بمثابة الوقود الذي ستشعل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إيران والتي ستصب الزيت على نيران الاحتجاجات المشتعلة في المدن الإيرانية.

هذه الحقيقة بدأت تتكشف منذ بداية العام الجاري، غير أن النظام الإيراني من خلال ماكينته الإعلامية، وسيطرته شبه الكاملة على كافة وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يستميت لأجل إخفاء هذه الحقيقة، ويسعى إلى تزييف الحقائق وقلب الوقائع، ويوجه الاتهامات لكل من يعارض سياسات النظام الإيراني مستخدما خبراته الطويلة في قمع الحريات والمظاهرات.

واستمرارا للاحتجاجات الشعبية في المدن الإيرانية والتي تنكرها سلطات الملالي، أعلنت جماعة “دراويش جناباد” الإيرانية يوم أمس الإثنين استمرار التظاهر ضد الشرطة الإيرانية احتجاجا على اعتقال الشرطة لأحد أفرادها، وخرجت احتجاجات في قلب العاصمة طهران ما جعل القوات الأمنية الإيرانية تستخدم العنف ضد المتظاهرين حيث وقع قتلى من الطرفين وتم اعتقال أكثر من 300 من المتظاهرين.

ولا تزال هناك دعوات متواصلة من قبل نشطاء التواصل الاجتماعي للتظاهر ضد النظام بصورة أقوى والاستمرار حتى إسقاط النظام، ويتزامن مع هذه الدعوات ظواهر عديدة في الداخل الإيراني تعبر عن رفض شعبي لسياسات النظام أبرزها انتشار ظاهرة كتابة شعار “الموت لخامنئي” على جدران وجوانب الطرق والممرات في المدن الإيرانية، وأيضا ظاهرة طعن الملالي (رجال الدين) بالسكين من قبل المواطنين الإيرانيين، وأيضا استمرار التظاهرات ضد الحجاب الإجباري وغيرها من الظواهر التي تعبر عن رفض شعبي لنظام الملالي.

حالة الاحتقان الشعبي هذه يرافقها تصاعد في حدة المشاكل والأزمات ما يزيد من قلق وتخبط السلطات الإيرانية بصورة غير مسبوقة، ولا سيما أن حدة الانقسامات بين التيارات السياسية جرفت معها انقساما واضحا بين الشعوب الإيرانية وزادت من اتساع الفجوة بين الشعوب والسلطات وخاصة الأمنية، ويلقي ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بظلاله على الوضع المعيشي المتردي ليتحول إلى وقود سريعة الاشتعال لاحتجاجات شعبية ومحرك أساسي لثورة عارمة تطيح بنظام الولي الفقيه.

إن وجود ملايين العاطلين عن العمل ومنهم الحاملين لشهادات الدكتوراه والماجستير والأطباء والمهندسين وغيرهم، إضافة إلى اتساع رقعة الفقر المدقع لتشمل غالبية الشعوب الإيرانية، واتساع المسافات بين الغني والفقير في إيران، وظهور جيل شباب جديد لا يؤمن بأفكار الخميني ونظامه الرجعي، وانكسار طوق الخوف الذي أحاطه الحرس الثوري بأعناق المواطنين منذ سيطرة الملالي على شؤون البلاد، وتزايد حدة الانقسامات الداخلية بين التيارات السياسية المتناحرة، جميعها مسببات داخلية كافية لاشتعال ثروة شعبية ضد النظام الإيراني.

وخارجيا، فإن عزلة إيران تتزايد بشكل متسارع، وبدأت تخسر العديد من الدول التي كانت قد ربطت معها علاقات بعد الاتفاق النووي وخاصة الدول الأوروبية، حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني “بوريس جونسون” أن إيران تقوم بأعمال تضر بالاستقرار في اليمن وفي المنطقة عامة، وأن في ذلك مخالفة واضحة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 للعام 2015، وطالبت وزارة الخارجية البريطانية طهران بوقف أنشطتها في اليمن وإرسال صواريخ ومعدات عسكرية إيرانية إلى هذا البلد وضرورة الالتزام بالقانون الدولي، وفي السياق نفسه أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن قلقها بشأن برنامجِ الصواريخ الباليستية الإيراني وأنشطة الإرهاب في المنطقة، في إشارة إلى دعم إيران للحوثيين، ودعت منظمة “متحدون ضد إيران النووية UANI” غير الحكومية في الولايات المتحدة، قمة مجموعة العمل المالي الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب “FATF” المنعقدة في باريس، إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة جرائم إيران المتعددة المتعلقة بدعم وتمويل الإرهاب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 فبراير 2018