وصفت فترة رئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة بالعصر الذهبي لنظام الملالي، وبالفعل فقد منح أوباما طهران ما لم يستطع النظام الإيراني نفسه منحها لها، وتوصل معها لاتفاق نووي أدى إلى رفع جزء من العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني، ما أتاح الفرصة لتحرير الأموال الإيرانية المجمدة، والسماح لها بتصدير النفط والغاز وإقامة علاقات مع شركات عالمية، الأمر الذي أدى إلى إرفاد خزينة الحرس الثوري وذراعه الخارجي فيلق القدس الإرهابي بمئات المليارات من الدولارات، فزادت التدخلات الإيرانية واتسعت أنشطة الحرس الثوري ودعمه للجماعات المتطرفة، والنتيجة نشر الفوضى وزعزعة أمن واستقرار المنطقة بهدف الامتثال للمشروع الخميني الصفوي، فكان أكبر خطأ ترتكبه الإدارة الأميركية طوال عهد باراك أوباما، وهو ما اعترف به الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب والذي وصف الاتفاق مع إيران بأنه أسوء اتفاق في التاريخ وأنه ساهم في نشر الإرهاب وأكد على أنه سيعمل على إلغائه ووضع استراتيجية جديدة حازمة تجاه النشاط الإيراني المخرب في المنطقة.

وبالفعل سارت الأوضاع في الداخل الإيراني في عام 2017 من سيء إلى أسوا وبشكل واضح، والعام 2017 كان سيء وقاس جدا للنظام الإيراني، غير أن عام 2018 سيكون الأسوء والأقسى على نظام الملالي منذ تأسيسه قبل نحو 39 عاما، ولعل ملامحه الأولى التي بدأت بانتفاضة واحتجاجات شعبية في أكثر من 100 مدينة إيرانية، تعد باكورة المرارة التي سيتجرعها هذا النظام كنتيجة حتمية لأخطائه السياسية على كافة الأصعدة، والواضح أنه لم يعد للنظام الإيراني أي أمل في الحياة، وأنه بالفعل أصبح منتهي الصلاحية وزواله أضحى مطلبا شعبيا إيرانيا قبل أن يكون عربيا وعالميا.

ومنذ مجيء ترامب تغيرت الصورة تماما، وفقدت إيران المكاسب والامتيازات التي حققتها من سياسة المهاندة للرئيس أوباما، وبدأت الأوضاع في إيران تسير نحو الإنحدار، وهناك تصعيد دولي واضح المعالم ومحدد الاستراتيجية ضد الإرهاب الإيراني، هذا التصعيد أقلق السلطات الإيرانية بشدة، وأربك حساباتها، وألقى بضلاله على الأوضاع في الداخل الإيراني، فزادت معدلات الفقر والبطالة والجرائم والإدمان وتفشى الفساد في كافة أركان الحكم لدرجة جعلت فيها المعيشة في الداخل الإيراني أمرا صعبا للغاية، ما أنتج الانتفاضة الأخيرة التي جاءت بمثابة تحول نوعي لتراکمات کمية من الاحتجاجات المتزايدة طوال العام الماضي، وانكسار الخوف لدى الشعوب الإيرانية بسبب شدة اليأس والإحباط من أي تحسن على الأوضاع في ظل وجود نظام الولي الفقيه.

الجدير بالذكر إن هذه الاحتجاحات قد أعلنت و بمنتهى الصراحة والإصرار على رفض النظام برمته والمطالبة بتغييره جذريا برفعها شعار الموت لخامنئي ويافطات كتب عليها لا نريد جمهورية إسلامية، كما أعلنت رفضها تماما لسياسات النظام الداخلية والخارجية، الأمر الذي أزعج قادة النظام والحرس الثوري و أربك حساباتهم على كافة الاتجاهات وخاصة جدوى التدخلات الإيرانية في المنطقة وقدرة طهران على الاستمرار بهذه التدخلات ودعم جماعاتها الإرهابية أم أنها سترفع الراية البيضاء وتغامر بعدم قدرتها على تقديم الأجوبة للتساؤلات الشعبية عن نتائج سياسات النظام الخارجية وجدوى تدخلاته ودعمه لحزب الله ونظام الأسد والحوثيين والميليشيات العراقية وتنظيم داعش والقاعدة وغيرها من الأذرع الإيرانية التخريبية التي لم تجلب للشعوب الإيرانية وكافة شعوب المنطقة سوى الخراب والدمار.

ومن المؤكد أن العام الجاري 2018 سيشهد مزيدا من انتكاسات النظام الإيراني على الصعيد الداخلي والخارجي، فداخليا ستشهد إيران احتجاجات مستمرة بسبب توجه الأوضاع إلى الأسوء، ومزيدا من الانقسامات بسبب تفاقم الخلافات بين الإصلاحيين والمتشددين وتبادل الاتهامات التي وصلت في بعضها إلى تهديدات واعتقالات وغيرها، وستزداد الأوضاع الاقتصادية إلى درجة أن بعض المحللين الاقتصاديين يعتقدون أن إيران على حافة الإفلاس والانهيار الاقتصادي.

وإقليميا لم يعد بوسع دول المنطقة استيعاب المزيد من التدخلات الإيرانية التي تجاوزت كافة الحدود وانتهكت كافة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية، حتى لو اضطر الأمر إلى القيام بتوجيه ضربة عسكرية تشل قدرات النظام الإيراني وتضعفه وتمنعه من القيام بأي تحرك ضد أي دولة في المنطقة.

وعالميا بدأت الدول الکبرى وخاصة الولايات المتحدة تنتبه لخطورة السلوك الإيراني، وتأخذ تصريحات و مواقف بلدان المنطقة الرافضة لتلك التدخلات على محمل الجد، فتكونت استراتيجية دولية لوضع حد للسلوك الإيراني من العمل على تغيير النظام الإيراني ولكن بطريقة تضمن أمن واستقرار الشعوب الإيرانية والمنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 فبراير 2018