في الوقت الذي يتأجج فيه الداخل الإيراني على صفيح ساخن بنيران الاحتجاجات والمظاهرات من جهة والانقسامات السياسية من جهة أخرى، يصب الرئيس المتشدد السابق محمود أحمدي نجاد الزيت على تلك النيران ليشعل مرة أخرى وبشدة حدة الانقسامات بين أجنحة نظام الملالي الوصولية والمتناحرة على المناصب والصلاحيات، حيث أكد تقرير نشره موقع سحام نيوز التابع للمعارض الإصلاحي مهدي كروبي أن محمود أحمدي نجاد قد بعث برسالة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي يطالبه بضرورة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بأقرب وقت شريطة عدم تدخل الأجهزة الأمنية فيها، وطالبه أيضا بضرورة إقالة السلطة القضائية، وإطلاق سراح كافة المعتقلين والسياسيين.

ورغم أن الإصلاحيين قد وجهوا انتقاداتهم الشديدة لنجاد ليس لأنه أرسل الرسالة، بل لأنها تحمل اعترافا بأنه قد فاز في انتخابات عام 2009 بالتزوير وتدخل الأجهزة الأمنية، وتأكيده على ضرورة عدم تدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات التي يطالب بإجرائها هو في حد ذاته تأكيدا على درايته المسبقة بأن نتائج الانتخابات يتحكم بها الحرس الثوري وأجهزته، لا سيما أنه يطالب بالإفراج عن المعتقلين، في حين أن دورته شهدت اعتقال الآلاف من المعارضين والمحتجين، والذي لا يزال بعضهم يقبع في سجون الملالي والإقامة الجبرية أمثال زعماء الحركة الخضراء مير حسين موسوي وزهرا رهنورد ومهدي كروبي وغيرهم الكثير.

والتي لا يزال الداخل الإيراني مشتعلا في بعض المدن الإيرانية وخاصة طهران التي شهدت اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين الدراويش والقوات الأمنية الإيرانية، غير أن وسائل الإعلام الإيرانية تجهد في التكتم والتعتيم، وتكثف من دعواتها إلى ضرورة الوحدة الوطنية وتجنب الانقسامات في هذه المرحلة الحرجة من عمر النظام الإيراني، لكن ما يلفت الانتباه أن وسائل الإعلام الإيرانية قد خسرت نحو 60% من متابعيها حسب ما أظهرته نتائج الاستطلاعات الأخيرة التي جرت بعد الاحتجاجات الأخيرة في أكثر من 100 مدينة إيرانية، بمعنى أن دعواتها لم ولن تلقى أي آذان صاغية، وقد دل على ذلك استمرار المظاهرات وتصاعد حدة الانقسامات والتي تعتبر رسالة محمود أحمدي نجاد الأخيرة إلى خامنئي إحدى مؤشراتها.

وفي المظاهرات الأخيرة التي وقعت في شارع “پاسداران” في طهران، سارعت القوات الأمنية إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، ما أدى إلى وقوع اشتباكات عنيفة بين دراويش كنابادي والقوات الأمنية راح ضحيتها خمسة من القوات الأمنية وجرح العديد من المدنيين والمتظاهرين والقوات الأمنية، وتقول المصادر الرسمية الإيرانية أنه تم اعتقال 360 شخصا، غير أن الدراويش يؤكدون أن العدد أكبر بكثير من هذا ويقدر بحوالي 3 آلاف معتقل، كما قال تقرير نشره موقع “آمدنيوز” المعارض أن السلطات الأمنية تتكتم على أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا في المواجهات التي اندلعت مؤخرا بين الدراويش والقوات الأمنية في طهران، حيث أظهرت مقاطع الفيديو والصور الملتقطة أن العديد من المتظاهرين سقطوا برصاص القوات الأمنية، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى تشكيل جلسة سرية طارئة تتكون من أعضاء من لجنة الأمن القومي وقادة الشرطة وقوات الباسيج، ويقول موقع “آمد نيوز” أن هذه الجلسة انتهت بإعطاء الأوامر للقوات الأمنية بإنشاء حكومات أمنية وعسكرية في المناطق المضطربة، كما أجازت للقوات الأمنية بإطلاق الرصاص الحي على أي تظاهرة ضد النظام، ما يعني دخول البلاد في حرب أهلية.

وبالعودة إلى تلك الرسالة التي بعثها نجاد إلى خامنئي، فإن وقتها ومضمونها له عدة دلالات خطيرة أبرزها أن نجاد أراد تهديد النظام دون استخدام الكلمات الدالة على التهديد، غير أن وقتها وطلباتها تدل على التهديد، كونها جاءت في وقت عصيب على النظام بسبب الاحتقان الشعبي الذي يحتاج إلى أي قيادة أو دعوة من مسؤول من أجل إشعال ثورة عارمة تطيح بالنظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

22 فبراير 2018