مقدمة:

         التمدد الشيعي في تشاد من الموضوعات الهامة التي لم تحظ باهتمام كاف من الباحثين والدارسين للوجود الشيعي في أفريقيا نظراً لقلة البيانات والإحصاءات المتوفرة عن الظاهرة، فضلاً عن محدودية الوجود الشيعي ذاته، فلايزال في بدايته، ولذلك فإن دراسة هذا الموضوع هو جهد شاق يحتاج بلا شك إلى دراسات وزيارات ميدانية لدولة تشاد، ولذلك فنحن نحاول في هذه السطور تقديم لمحة عامة عن المد الشيعي في تشاد في ضوء ما يتوافر لدينا من معلومات.

وقد كان من الطبيعي أن تتأثر دولة تشاد بالزحف الشيعي عبر العديد من القنوات الجغرافية والسياسية والثقافية، وسواء كان ذلك عبر دول الجوار الجغرافي، حيث يتزايد الوجود الشيعي في نيجيريا والنيجر وبنين والسودان، أو من خلال الجالية الشيعية وخاصة الجالية اللبنانية، بالإضافة إلى تأثير العلاقات الإيرانية – التشادية التي توظف مختلف الآليات الثقافية والاقتصادية والتعليمية من أجل نشر المذهب الشيعي في تشاد. وتحاول الجماعات الشيعية توظيف وسائل الإعلام الرقمية في نشر التشيع في تشاد، وقد ظهرت بعض المواقع التي تروج للمذهب الشيعي في تشاد.

ومن ثم فإن هذه الدراسة تثير عددا من التساؤلات حول ظاهرة التشيع في غرب ووسط القارة وهل وصل هذا التشيع لحد الظاهرة في تشاد؟ وما هو تاريخ بداية التشيع في تشاد؟ وما هي أهم الشخصيات الشيعية البارزة؟ وما هي أهم المراكز الشيعية؟ وما هو دور الجالية الشيعية وحدود تأثيرها في نشر التشيع في تشاد؟ وسوف تحاول الدراسة الإجابة على هذه التساؤلات عبر المحاور التالية:

المحور الأول: التشيع الإيراني في منطقة غرب ووسط أفريقيا:

 

        بلا شك أن البيئة الإقليمية والتي وجد فيها المذهب الشيعي المناخ والسياق الملائم والحاضن لنشاطه تمثل أرضية مناسبة لنشر المذهب الشيعي في تشاد، حيث تنتشر في منطقة غرب ووسط أفريقيا العديد من الجماعات الشيعية، لاسيما في نيجيريا والنيجر وبنين والكاميرون والسودان، ومن الطبيعي أن تؤثر حركة الهجرة والبعثات التعليمية بين دول المنطقة ومع تشاد على ظهور بعض أنشطة التشيع على أراضيها، فبعض الذين تشيعوا في تشاد كانوا في الحقيقة طلبة في جامعات الدول المجاورة.

وتشير بعض المصادر إلى أن إيران نظمت في 12 مايو 2016 مؤتمرا دولياً تحت شعار: “الأطروحة المهدَوية وواقع أتباع أهل البيت عليهم السلام في أفريقيا”، ودعت له طلابا من ثلاثين دولة أفريقية، وهو ما يؤكد الاستراتيجية الجديدة لطهران تجاه أفريقيا. وترى الجهات الرسمية الإيرانية أنه أكبر مشروع قومي لنشر التشيع والتعريف بالإمام المهدي ورسالة المهدي في ثلاثين دولة أفريقية، والواقع أن إيران قد عملت منذ بداية ثمانينات القرن العشرين على نشر التشيع في أفريقيا.

واستطاعت أن تحقق إنجازات كبيرة مستغلة السياق السياسي الصراعي والمتنوع دينيا وعرقيا، ولاسيما في النيجر وبوركينا فاسو والسنغال وساحل العاج والغابون وجامبيا وغينيا بيساو وغينيا وغانا ونيجيريا وبنين وغيرها[1].

وتشير القراءة في تجارب وحالات المد الشيعي في دول المنطقة كيف انتشر هذا التشيع بدرجة كبيرة بين طلبة المدارس والكليات الدينية، ففي بنين والنيجر ينتشر المذهب الشيعي بدرجة أكبر في صفوف الطلبة وخاصة في المدارس الدينية، وكذلك عبر البعثات التعليمية إلى إيران التي تعود لنشر المذهب الشيعي في بلادها، ففي بنين يوجد مسجد باسم أهل البيت في باراغو، إضافة إلى مركز شيعي باسم مركز الكوثر الإسلامي في كوتونو، بالإضافة إلى وجود عدد من الشيعة من الجالية اللبنانية في كوتونو، وفي النيجر، أسس عدد من خريجي المدارس الدينية في إيران مدارس ومراكز دينية وثقافية في مختلف المناطق والمدن وقاموا بالإعلان عن دورات تعليمية للشباب في النيجر.

ورغم أن المنطقة تتبع من الناحية الدينية الإسلامية المذهب السنّي المالكي، ولا توجد فيها من الناحية التاريخية سوابق للمذهب الجعفري، أو ما شابهه من الفرق الشيعية، فقد استطاعت إيران في العقدين الماضيين تحقيق اختراقات مهمة للنسيج الديني والاجتماعي في غرب أفريقيا من خلال المنظمات الخيريَّة الشيعية الحكومية والأهلية، وتلك المرتبطة بكل من المراكز التَّعليمية والثَّقافية، والمشاريع الاقتصاديَّة الاستثماريَّة. وهو ما أخذ ينتج بعض الحواضن الاجتماعية لعقيدة الشِّيعة الاثنا عشريَّة في غرب القارة، وهو ما كان له تأثيره في تشاد ولايزال يشكل تهديداً لاستقرارها، ويقوم المجمع العالمي لأهل البيت ورابطة عموم أفريقيا لآل البيت، التي تأسست في 10 أغسطس 2016 بدور هام في نشر المذهب الشيعي في تشاد، وقد أعلن زعماء الحوزات الشيعية في أفريقيا بدء نشاطها بعد خمسة أيام من تأسيس رابطة عموم أفريقيا لآل البيت في العاصمة السنغالية داكار التي تعتبر مقرا للرابطة، وقد أكد أبو جعفر، الأمين العام للرابطة، للصحافة أن الرابطة أصبحت الإطار الجامع للشيعة الأفارقة وستعمل من أجل تعليمهم وتربيتهم وترسيخ قيم السلم الاجتماعي في مجتمعات القارة كافة، ويشير بعض الباحثين إلى أن تأسيس الرابطة ينبع من منطلقات عدة، بينها اقتناع المؤسسين بأن عدد أتباع آل البيت في أفريقيا يزداد حيث إنه تجاوز الملايين، وإيمانهم كذلك بأن أفريقيا هي القارة التي لا تزال تعاني من آثار الاستعمار ومن التغيير التعسفي للأنظمة، ومن الفقر والبطالة[2].

 

المحور الثاني: بداية التشيع وانتشاره في تشاد:

 

 بدأ التشيع في تشاد بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران ١٩٧٩م، حيث بدأ رجل يدعى – يوسف بريمة – الدعوة للمذهب الشيعي، وبالرغم من أنه لم ينجح في توسيع دعوته حينئذ، لكنه وضع البذرة الأولى للتشيع في تشاد، ويلاحظ أن الشيعة، وهم فئة قليلة جداً، ليس لهم جهات تعليمية ومدارس ذات حضور واضح في تشاد، وليس هناك من مؤسسات تذكر غير ما ينتشر حول الجامع الكبير في مدينة انجامينا العاصمة من مكتبات صغيرة. ويعتمد نشر التشيع في تشاد على بعض (الخلاوي القرآنية) من خلال النشاط التعليمي الضعيف فيها، أو عبر المسابقات القرآنية والمعارض السنوية، ومن خلال حركة الابتعاث للطلبة التشاديين لإيران وسوريا ولبنان[3].

وتشير بعض المصادر إلى أن تعداد الشيعة في تشاد قد بلغ ثلاثة آلاف رجل، وتقدر بعض المصادر الأخرى بأن نسبتهم تبلغ 2%، لكن الواقع أن هذه التقديرات غير واقعية، لأن تعدادهم هو أقل من ذلك بكثير ولا يكاد يذكر، ولكن المتفق عليه أن هناك بوادر لظهور المذهب الشيعي في تشاد، وقد حظرت البيانات الصادرة عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في تشاد من ذلك، مراراً وتكراراً، ودعا المجلس إلى اليقظة حتى لا ينتشر هذا المذهب في وسط المسلمين التشاديين، وطالب المسلمين بالحفاظ على ثوابت الأمة التشادية حتى لا تشتعل الفتن الطائفية في البلاد.

وتشير بعض التقارير الميدانية إلى أن جهود نشر التشيع في تشاد لاتزال ضعيفة، ولكنه يجد تربة خصبة لدى بعض أتباع الطريقة السنوسية، شرقي تشاد، نظراً لما انتشر عند بعضهم من اعتقادات غالية في الإمام على (رضى الله عنه)، وأن ثمة تحالف بين مراكز البهائية وأتباع الشيعة في تشاد، حيث يستفيد المتشيعون من مراكز البهائية المتكاثرة في تشاد للدعوة إلى مذهبهم.[4]

وقد اشتهرت تشاد بالمدارس القرآنية المتخصصة المعروفة باسم ” الخلاوي القرآنية “، وأنشأ الشيعة خلوة قرآنية في انجامينا، بحي مرسال، بالقرب من جسر انغيلي، على الحدود التشادية – الكاميرونية، وفيها يتعلم الدارسون المذهب الشيعي[5].

 

المحور الثالث: أبرز الشخصيات الشيعية في تشاد:

 

يعتبر يوسف بريمة أول من أدخل التشيع في تشاد، ولكنه واجه مقاومة شديدة من رجال الدين السنة، ومن ثم فقد هرب إلى دولة بنين وأسس مدرسة شيعية هناك، وقد تم اكتشاف بقايا من أفراد الشيعة أسسوا خلوة قرآنية بحي مرسال، كما يعتبر آدم بن آدم من أهم الشخصيات الشيعية التي برزت على الساحة التشادية، وكذلك سيسي سليمان وعبد الله هاشم، وهما من أشهر دعاة التشيع في الأوساط الطلابية التشادية، وعبد الله تامبا الذي تشيع عند زيارة له للسودان، وحواء ابتشه، وهي ناشطة في نشر التشيع داخل الأمانة العامة للحكومة[6].

وتشير بعض المصادر إلى أن يوسف بريمة، وهو من أوائل من تأثروا بالتشيع، ودعا إلى نشر المذهب الشيعي في تشاد، ثم انتقل إلى دولة بنين، حيث أقام في مدينة ” كوتونو”، العاصمة الاقتصادية للبلد، مدرسة شيعية هناك، وكان يتلقى دعماً من الإمام حسين الشيرازي. وعندما تولى الرئيس ادريس دبي زمام الحكم في تشاد عام 1990، خرج آدم زكريا، رئيس حزب إسلامي سياسي بدعوة شيعية، وكان يتردد كثيراً على إيران، وعند عودته منها كانت تصريحاته تتضمن دعوات للتشيع وتبنى النموذج الإيراني، ثم واصل الدعوة للمذهب الشيعي رجل في جنوب تشاد يدعى عبدالله تامبا، الذي تشيع أثناء زيارته إلى السودان المجاورة، والذي أثر بدعوته في بعض كبار المسؤولين [7].

ويعتبر عيسى مدني من أهم الشخصيات الشيعية التشادية قبل هجرته إلى السودان المجاورة، وطرده من تشاد لأسباب عقائدية، حيث طاب له المقام بقرية الدبكر (17 كيلو شرق أبو زبد)، وكذلك تم طرده منها، فانتقل إلى مدينة أبو زبد. وبعد فترة صار عالمَ المدينة ومرجعها الديني، ولكن اتضح أمره بعد نشره كتابا لأحد مرجعيات الشيعة الإمامية، وكان يدعي قبل ذلك أنه من اتباع الطرق الصوفية، ولذلك قام بعض الصوفية بالإعلان عن أن هذا الرجل خارج عن إطار التصوف، وينتمي إلى مذهب الإمامية الجعفرية، ويقول عيسى ابن مدني: “كنتُ أفتي على مذهب الإمام مالك، ولكن الآن أفتي على مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، والظاهري، وأبحث لأرى أين الحق فأتّبعه، ولا أتقيد بكتاب معين، بل الكتاب والسنة، لاعتقادي أن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل، وما وافقهما فهو الحق، وفي بحثي لا أعتمد على مذهب واحد، بل أرى ما هو أقوى دليلاً ونصاً فأعمل به[8].

 

المحور الرابع: أهم المراكز الشيعية في تشاد:

 

تشير بعض المصادر إلى أن أتباع الشيعة في تشاد قد تمكنوا من إنشاء جمعية آل البيت التشادية، وهي مزيج من التصوف والتشيع، ولم تتوافر معلومات مؤكدة عن أنشطة هذه الجمعية ونفوذها والمشرفين عليها، وتتحدث بعض المصادر عن الجامع الكبير في مدينة انجمينا، حيث تنتشر مكتبات صغيرة، وتحتوي على كتب شيعية متنوعة، ويتواجد في هذه المنطقة بعض دعاة الشيعة، ومعهم بعض كتب الشيعة، مثل كتاب “ثم اهتديت” للتيجاني، ويتم إهداء هذه الكتب للزوار[9].

ليست ثمة احتفالات شيعية بيوم عاشوراء في تشاد، ولكن أتباع المذهب السني يحتفلون بهذا اليوم بالصيام ويقول عبد الله محمد عبد الله الدرما، عضو المكتب الفرانكفوني للوعظ الإسلامي، محذراً مما أسماه “الممارسات الخطيرة” خلال عاشوراء، بأن “بعض فروع الإسلام تشارك في ممارسات لا علاقة لها بتوصيات النبي، هذا أمر غير مقبول، ونحن، هنا، ننصح دائما المؤمنين أن يصوموا يوم التاسع والعاشر من محرم”[10].

 

المحور الخامس: محاولات التغلغل الإيراني في تشاد:

 

        تهتم السفارة الإيرانية في تشاد بالنشاط التجاري في الغالب، والذي يتم من خلال عقد المسابقات القرآنية التي تقام في إيران، وتكثف من خلالها للأنشطة الدعائية إلى المذهب الشيعي، كما أن السفارة الإيرانية تشرف على تنظيم المعارض السنوية التي تتخللها كثير من النشاطات الثقافية والدينية والتي تضم نخبا إيرانية من العاملين في السفارة أو الزائرين لتشاد، وتستثمر إيران فرصة إقامة المسابقات القرآنية الدولية، للدعوة إلى التشيع، وقد حدث ذلك مع أحد المسؤولين بإذاعة القرآن الكريم في تشاد، حيث اتصل به مسؤول الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الإيرانية، واستفسر عن وجود مدارس أهل البيت في تشاد، وعن الجهة الإسلامية التي يمكن التعاون معها لإنشاء مدارس شيعية[11].

وتحاول إيران نشر المذهب الشيعي عبر البعثات التعليمية التشادية على أراضيها، حيث تذكر بعض المصادر أن البعثات التعليمية قد زادت بداية من التسعينيات من القرن العشرين، حيث زاد عدد المبتعثين إلى 12 طالباً في عام 1992، وتتم عملية الابتعاث بشكل سنوي تقريباً، كما أن هناك طلاباً تشاديين آخرين يسافرون إلى سوريا ولبنان، لكن بعضهم رجع بعد دراسته وتسلم مناصب في بعض أجهزة الدولة، وبعضهم سافر إلى دول وسط وغرب أفريقيا لدراسة اللغة العربية والعلوم الشرعية، ورجع وهو حامل للفكر الشيعي، وخاصة من بوركينافاسو وغينيا كوناكري، ويعتبر سيسي وسليمان وعبد الله هاشم من أشهر الطلاب دعاة التشيع في الأوساط الطلابية التشادية، ولكن بعض أساتذتهم في كلية الدراسات العربية والإسلامية في انجمينا نجحوا في التصدي لهم[12].

وتشير بعض المصادر إلى أن ثمة أنشطة استخباراتية إيرانية تم رصدها في العديد من الدول الأفريقية ومنها تشاد، ولكن لم تستطع هذه المصادر تحديد إذا ما كانت هذه الأنشطة تخص مكاتب أو محطات إيرانية توجد داخل هذه الدول أم أنها أنشطة لمكاتب ومحطات استخباراتية إقليمية توجد داخل دول أخرى [13].

وفي هذا الصدد، فإن التغلغل الإيراني في تشاد، يعتمد على وسائل ثقافية وتجارية، ويعتمد على وجود ثقافة إسلامية مشتركة (ولكن ليس لغوية) مع تشاد، وعلاوة على ذلك، تؤدي الجهات الإيرانية دورا هاما في القطاعات الاقتصادية في تشاد ولاسيما في العقارات وصناعة البناء، وكذلك في المجالات الثقافية والإنسانية[14].

 

المحور السادس: الجالية الشيعية ونشاطهم الاقتصادي في تشاد:

 

تعتبر الجالية اللبنانية والسورية من أهم الجاليات الشيعية في تشاد، غير أنه لا تتوافر بيانات حقيقية عن تعدادها وأماكن انتشارها الجغرافي ونشاطها الاقتصادي، وتشير بعض المصادر إلى أن الهجرة اللبنانية إلى تشاد قد بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من الاحتلال الفرنسي، ظل الأفارقة يهيمنون على التجارة، لأن فروع الشركات التجارية الأوروبية الكبيرة لم تستقر، ونجح التجار اللبنانيون في فتح المحلات التجارية، وتركز الوجود السوري – اللبناني في أبشة Abéché، واكتسبوا خبرة في الأعمال التي يمارسونها[15].

وتشير مصادر أخرى إلى أن موجة جديدة من الهجرة اللبنانية لتشاد قد بدأت مع عام 1979، عقب الحرب الأهلية اللبنانية، وتلتها موجة ثانية بعد هذا العام حتى 1982، وثالثة منذ العام 1982 حتى العام 2004، ورابعة حتى العام 2008. ويرى بعض الباحثين أن التطورات العسكرية التي شهدتها العاصمة انجامينا قبل عام 2008 قد أثرت على الوجود اللبناني في تشاد بعد أن تصاعدت أعمال العنف بصورة ملحوظة منذ اكتشاف البترول في عام 2004 وبدء عمليات تصديره، الأمر الذي أدى إلى إجلاء اللبنانيين الموجودين في تشاد بمساعدة السلطات الفرنسية آنذاك، ولكن الواقع أن ثمة عوامل طارئة قد دفعت إلى هجرة جديدة للبنانيين إلى تشاد، فمنذ عام 2009 أصبحت تشاد من المناطق الاقتصادية المهمة في أفريقيا، باحتياطها النفطي، خصوصاً بعدما أظهرت عمليات المسح الجيولوجي أن الحوض الممتد من ليبيا مروراً بتشاد والكونغو سيؤمن احتياطات كبيرة من الطاقة، هذا الأمر دفع اللبنانيين الذين تركوا البلاد إلى العودة إليها للاستثمار في المجالات الحيوية [16].

وتشير بعض التقارير إلى أن عدداً كبيراً من أبناء الجالية اللبنانية يتواجد في الجزء الشمالي من تشاد، ولا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عددهم، وتشير بعض المصادر إلى أن تعدادهم بعد حروب التشاد، وانقلابات أفريقيا الوسطى ورحيل الامبراطورية بوكاسا (عام 1979) لم يتجاوز الخمسمائة شخص في الدولتين، لأن هذه الدول لم تكن هدفاً للهجرة مثل أفريقيا الغربية المنفتحة على العالم بواسطة البحر، ولذلك فإن الذين قصدوا البلدان الصحراوية (مثل تشاد) أغلبهم من الذين واجهوا صعوبات في دول أخرى بعد صدور أنظمة الحد من التجارة الفردية للأجانب، وبالرغم من أنه لا توجد إحصاءات حول عدد اللبنانيين حالياً، إلا أن الازدهار الاقتصادي في البلاد حديثاً بعد الاكتشافات النفطية يتوقع أن يكون قد شجع على هجرة جديدة، ما يتوقع معه زيادة عددهم عمّا كان عليه في مراحل سابقة[17].

وبالنسبة لنشاطهم الاقتصادي، فقد كان للبنانيين الذين قصدوا تشاد دور ريادي في حقل التربية والتعليم، إذ عملوا مشرفين على إدارة التعليم العربي في البلاد، وبذلوا جهوداً ملحوظة من أجل تنظيم التعليم العربي وهو ما أسفر عن إصدار منهج للقراءة الأفريقية طبع في لبنان، وفيما بعد اتجه القسم الأكبر من اللبنانيين للعمل في النشاط التجاري، وتشير مصادر أخرى، إلى وجود عدد من اللبنانيين الذين وصلوا إلى تشاد بعد الحرب العالمية الثانية، وابتدأوا نشاطهم التجاري عبر السيطرة على تجارة الجملة والتوريد عن طريق شركات الامتيازات الفرنسية، إضافة إلى أنه برز عدد من اللبنانيين مؤخراً يعملون في الحقول الفنية (التقنية)، ولذلك عرفت الجالية اللبنانية باسم “الجلابة”، لأنهم منذ أن قدموا إلى التشاد وهم يعملون في التجارة، ولأنهم كانوا يجلبون البضائع والسلع من وإلى تشاد، إذ شكلوا منذ وصولهم إلى تشاد شبكة تجارية واسعة لتوزيع السلع المستوردة، فهم يمتلكون شاحنات عدة تقوم بعمليات النقل البري بين مدن أنجمينا، فايا، زوار، سبها، ومن مدن أبشة إلى فضا ـ كفرة وبالعكس. ومن العاصمة إلى فورت ارشامبولت وحتى اوبانجي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى وبالعكس[18]..

ويتمتع السوريون واللبنانيون بقدر كبير من السيطرة على سوق العاصمة والمدن الإقليمية في تشاد، ونشير في هذا الصدد، إلى اللبناني زياد فاضل الذي كان يملك متجرا كبيراً لا يبعد كثيراً عن القصر الرئاسي التشادي. إضافة إلى مجال التجارة، فإنه ما زال حتى اليوم ينشط عدد من المغتربين اللبنانيين في حقل التعليم في التخصصات العلمية المختلفة حيث توجهوا إلى التدريس في المدارس والمعاهد العلمية العربية الإسلامية في تشاد، ورافق هؤلاء المدرسين عدد من الأطباء والمهندسين في مجال الاتصالات، وينضوي بعض اللبنانيين في إطار الجمعيات العربية في تلك البلاد، ومنها جمعية “رابطة مثقفي اللغة العربية”، والتي تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها توظيف اللغة العربية، في بعث وإحياء التراث الوطني، المستمد من تاريخ تشاد العربي الإسلامي، والاستفادة من القدرات الوطنية، عن طريق إشراكها في العمل السياسي الرسمي للدولة، ولا توجد معلومات متاحة عن نسبة الشيعة بين أبناء الجالية اللبنانية، وحول مشاركة اللبنانيين في العمل السياسي، فإنهم لا يمارسون نشاطات سياسية ملموسة، ذلك لأن أغلبهم جاء لأسباب تتعلق بالتجارة أو التدريس أو العمل في حقل التعاون الفني، وتشير بعض المصادر إلى أنه بين عامي 2004 و2008، حين احتدمت المعارك بين المعارضة والسلطات الحاكمة، ذكرت مصادر وزارة الخارجية اللبنانية آنذاك أن 15 لبنانياً حُوصروا داخل أحد ملاجئ العاصمة التشادية، وبفعل هذه الأحداث اضطرّ القسم الأكبر من اللبنانيين إلى مغادرة البلاد[19].

 

خاتمة

على الرغم من توافر بعض الأدلة عن وجود بعض العناصر القليلة التي تبنت المذهب الشيعي في تشاد، إلا أن التشيع كظاهرة في تشاد يبقى محدودا جدا، وقد حاولت بعض المراكز الشيعية نشر تقديرات مبالغة فيها عن الشيعة في تشاد تستهدف الترويج الإعلامي وحث المسلمين السنة والصوفية والجماعة الأحمدية على التحول إلى المذهب الشيعي، غير أن معظم المحاولات الإيرانية لاتزال غير قادرة على التغلغل في الأوساط الدينية في تشاد، وقد انتقل العديد من رموز الشيعة إلى الدول المجاورة، لاسيما السودان وبنين، بعد أن واجهوا مقاومة صلبة من رجال الدين السنة في تشاد، وبرغم ذلك لايزال خطر التغلغل الشيعي في تشاد قائما عبر البعثات التعليمية ودور السفارة الإيرانية في تشاد، وكذلك عبر المؤثرات الإقليمية وحركة الهجرة من وإلى الدول المجاورة، حيث تنتشر بعض الأقليات الشيعية في الدول المجاورة.

وبالرغم من الموقف الشعبي والرسمي الرافض للمد الشيعي في تشاد، ولكن المواقف الشعبية والرسمية لايزال يغلب عليها الهدوء والترقب، وبالرغم من أن الحكومة التشادية تتحفظ على نشاط الجمعيات التي تعبر عن معتقدات الجماعات الدينية، وتمنع كل جماعة أو تنظيم ديني يحاول تهديد النسيج الاجتماعي في تشاد، أو يثير الصراعات والانقسامات الدينية، إلا أن النشاط الشيعي لم يواجه بسياسات حازمة، ربما لأن الحكومة التشادية لاتزال تنظر إلى هذه الأنشطة الشيعية على أنها لا تمثل تهديدا للأمن والاستقرار في تشاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

27 فبراير 2018

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: مراجع باللغة العربية:

أوراق بحثية وتقارير ميدانية:

1)   التمهيد المهداوي: شيعة تشاد أرض بكر لقبول الفكر النيّر، العدد 62، 4/5/2014.

  • لجنة تقصي الحقائق، اتحاد علماء المسلمين: التشيع في أفريقيا، تقرير ميدانى، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2011.
  • وحدة الدراسات الافريقية: النفوذ الإيراني في أفريقيا: المحددات وآليات الاختراق، ورقة سياسات، مركز الإمارات للسياسات.

مصادر الانترنت:

  • جمعية المغترب اللبناني: الجالية اللبنانية في تشاد، 5/9/2013، متاح على الرابط التالي:
  • http://www.mogtareb-lb.com/details-3644.htm
  • صديق، محمد خليفة: شيعة غرب كردفان…تمدد شيعي جديد في أرض النيلين، الراصد، 22/6/2017

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=7848

  • يايموت، خالد:” التشيع الغطاء الإيراني لتقسيم المجتمع في غرب أفريقيا”، الشرق الأوسط، 14/11/2016، متاح على الرابط التالي:

https://aawsat.com/home/article/783801

ثانياً: مراجع باللغة الإنجليزية:

 

  • Arditi ,Claude: “ Le rôle des étrangers dans le commerce au Tchad (1890-1960)” , Henry Tourneux Et Noé Woïn: Migrations Et Mobilité Dans Le Bassin Du Lac Tchad,( Marseille: Institut De Recherche Pour Le Développement , 2009).
  • APA News: L’Achoura, une fête peu célébrée par les musulmans du Tchad., 29/9/ 2017
  • http://apanews.net/fr/news/lachoura-une-fete-peu-celebree-par-les-musulmans-du-tchad
  • Karine Bennafla: Tchad: l’appel des sirènes arabo-islamiques ,http://horizon.documentation.ird.fr/exldoc/pleins_textes/pleins_textes_7/autrepart/010023775.pdf

[1] د. خالد يايموت:” التشيع الغطاء الإيراني لتقسيم المجتمع في غرب أفريقيا”، الشرق الأوسط، 14/11/2016، متاح على الرابط التالي:

https://aawsat.com/home/article/783801

[2] نفس المرجع السابق

[3] التمهيد المهداوي: شيعة تشاد أرض بكر لقبول الفكر النيّر، العدد 62، 4/5/2014، ص 5

[4] لجنة تقصي الحقائق، اتحاد علماء المسلمين: التشيع في أفريقيا، تقرير ميداني، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2011، ص 385

[5] المرجع السابق، ص 386

[6] التمهيد المهداوي، مرجع سبق ذكره، ص 5

[7] لجنة تقصى الحقائق، اتحاد علماء المسلمين، مرجع سبق ذكره، ص 387

 [8] محمد خليفة صديق: شيعة غرب كردفان…تمدد شيعى جديد فى ارض النيلين، الراصد، 22/6/2017

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=7848

[9] لجنة تقصى الحقائق، اتحاد علماء المسلمين، مرجع سبق ذكره، 387

[10]APA News: L’Achoura, une fête peu célébrée par les musulmans du Tchad., 29/9/ 2017

http://apanews.net/fr/news/lachoura-une-fete-peu-celebree-par-les-musulmans-du-tchad

[11] لجنة تقصي الحقائق، اتحاد علماء المسلمين، مرجع سبق ذكره، ص 385

[12] المرجع السابق، ص 386

[13] وحدة الدراسات الأفريقية: النفوذ الإيراني في أفريقيا: المحددات وآليات الاختراق، ورقة سياسات، مركز الإمارات للسياسات، ص 9

[14] Karine Bennafla: Tchad: l’appel des sirènes arabo-islamiques ,

http://horizon.documentation.ird.fr/exldoc/pleins_textes/pleins_textes_7/autrepart/010023775.pdf

[15] Claude ARDITI: “ Le rôle des étrangers dans le commerce au Tchad (1890-1960)” , Henry Tourneux Et Noé Woïn:Migrations Et Mobilité Dans Le Bassin Du Lac Tchad, Marseille: Institut De Recherche Pour Le Développement , 2009,p.301,305,313

[16] جمعية المغترب اللبنانى: الجالية اللبنانية فى تشاد، 5/9/2013، متاح على الرابط التالى:

http://www.mogtareb-lb.com/details-3644.htm

[17] نفس المرجع السابق

[18] نفس المرجع السابق

[19] نفس المرجع السابق