في المرحلة الراهنة، والتي تعتبر من أكثر مراحل عمر النظام الإيراني حرجا، تعيش إيران بين فكي أزماتها وتحدياتها الداخلية والخارجية، والتي على ما يبدو بدأت تخرج عن سيطرة السلطات الإيرانية التي ليس لديها أي خطة أو برامج لمعالجة هذه الأزمات أو الحد منها، وفي الآونة الأخيرة، برزت عدة مظاهر تؤكد يأس وإحباط الشعوب الإيرانية من أي تحسن للأوضاع، وتكشف عن هبوط حاد لشعبية نظام الولي الفقيه إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيسه، كما عكست بعض الأحداث التي طرأت مجددا على الساحة الإيرانية وأهمها الاحتجاجات الشعبية، ومظاهرات الدراويش، وتهديدات نجاد للنظام وسلطته القضائية وغيرها، صورة لوجود استياء وعدم قبول من قبل رموز وشخصيات سياسية محسوبة على النظام من الأوضاع الراهنة وسياسات ولاية الفقيه.

وهذا من أهم الأمور التي يجب تسليط الأضواء عليها من قبل المتابعين والمختصين بالشأن الإيراني، لأن هذا الاحتقان السياسي والصراعات الخفية ستتحول إلى قنبلة قد تنفجر في أي لحظة مع رحيل المرشد خامنئي واختيار وريث له، فلن تكون عملية الاختيار سهلة على مجلس خبراء القيادة والحرس الثوري، ولن تمر مرور السلام لعدم وجود أي شخصية من الممكن أن يتفق عليها أجنحة الصراع السياسي في الداخل الإيراني، ومن المؤكد أن المرشد القادم سيكون من اختيار الحرس الثوري، وفي ظل تصاعد حدة الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين المدعومين من الحرس الثوري، سيضطر الأخير لاختيار مرشد أكثر تشددا من المرشد الحالي علي خامنئي، حتى يحفظ علو قدرته وسيطرته على شؤون البلاد، وهذه الحالة السياسية الوخيمة بالنسبة للشعوب الإيرانية والشخصيات السياسية التي تخفي في أنفسها رفضها للنظام الحالي، ستلتقي مع تفاقم حدة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتردي الأوضاع والحياة المعيشية، ما سيولد حواضن لصعود معارضة قوية مدعومة بقاعدة شعبية تعلن تمردها ورفضها للنظام علانية، حتى تهيئ الظروف لأجل تكوين قيادة حقيقية وقوية لأي مظاهرات أو انتفاضة شعبية ضد النظام.

الظروف الداخلية الإيرانية تثبت وجود صراع على السلطة من قبل التيارات السياسية في حالة تصعيد مستمر، وقد دلت تحذيرات عدد من رموز النظام الإيراني والحرس الثوري من اختراق دول إقليمية وعالمية لرجال الدين والحوزات العلمية، إضافة إلى تزايد حالات الاعتقالات بين المسؤولين الإيرانيين بتهم إقامة علاقات مع دول أجنبية، إلى وجود تخوف جدي لدى النظام من مرحلة السقوط التي بات يستشعر بها شيئا فشيئا، سواء من ناحية العزلة الدولية أو الاحتقان الداخلي أو العالمي على الخلاص من نظام الولي الفقيه الذي عاث في المنطقة والعالم بالفساد بدعمه للتطرف والإرهاب والاستمرار على تدخلاته الدموية في الدول العربية.

ودوليا باتت إيران على موعد شبه حاسم بإعلان إلغاء الاتفاق النووي والعودة إلى نظام العقوبات الذي كان مفروضا قبل الاتفاق ويطال البنك المركزي الإيراني والمصارف العالمية التي تتعامل معه، وربما أيضا اللجوء إلى الحل العسكري الشامل أو الموضعي، والذي يمكن أن يتحول في لحظة غير مسيطر عليها  إلى مواجهة شاملة، وهو ما يمكن استنتاجه من تهديدات نيكي هيلي الأخيرة التي قالت فيها: إذا كانت ​روسيا​ ستواصل التستر على ​إيران​، فسوف تكون الولايات المتحدة وحلفاؤنا بحاجة إلى اتخاذ إجراء من تلقاء أنفسنا، إذا لم نحصل على إجراء في مجلس الأمن فسوف يتعين علينا عندئذ اتخاذ إجراءاتنا، ولا شك أيضا أن هناك حزم من قبل قوى إقليمية وعالمية غير الولايات المتحدة تجاه السلوك الإيراني الذي تراه يهدد أمنها القومي، وتحركها سيكون متزامنا مع أي تحرك أمريكي أو غربي ضد إيران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 فبراير 2018