محاور الدراسة

  • الإسلام والمسلمين في ساحل العاج.
  • بداية التشيع ونشأته في ساحل العاج.
  • أبرز الشخصيات الشيعية الداعمة للتشيع في ساحل العاج.
  • أسباب انتشار التشيع في ساحل العاج وأفريقيا عامة.
  • مؤسسة الغدير الشيعية في ساحل العاج نشأتها والشخصيات القائمين عليها ومصادر تمويلها وأنشطتها.
  • العلاقات الإيرانية العاجية

ساحل العاج في سطور

ساحل العاج أو بالفرنسية: Côte d’Ivoire”” كوت ديفوار دولة سمراء تقع في غرب أفريقيا.

الشعار الوطني: الاتحاد، الانضباط، العمل.

عاصمتها السياسية مدينة ياموسوكرو بينما أكبر مدنها ومركزها الاقتصادي مدينة أبيدجان في الجنوب قرب الساحل ومن أهم مدنها بواكي، وجاجنوا.

اللغة الرسمية هي اللغة الفرنسية.

المساحة حوالي 322,460 كم².

عدد السكان حاليا حوالي 24 مليون نسمة.

تنقسم ساحل العاج إلى 14 مقاطعة أو محافظة.

نظام الحكم جمهوري ورئيس الجمهورية هو الحسن واتارا وهو مسلم، ورئيس الوزراء هو دانييل دانكون.

الإسلام والمسلمون في ساحل العاج

يشكل المسلمون في ساحل العاج نحو 38.6% من مجموع السكان البالغ نحو 24 مليون نسمة حسب إحصائيات عام 2016، أي أن عدد المسلمين يبلغ نحو 9 مليون نسمة، وهم الأكثر من بين أتباع الديانات الأخرى، في حين يشكل المسيحيون 32.8%، و 16.7% لا دين له، و11.9% يتبعون ديانات محلية.

معظم المسلمين في ساحل العاج هم من أهل السنة والجماعة، ويتبعون بالتحديد مذهب الإمام مالك بن أنس، مع وجود انتشار للمذهب الحنبلي والشافعي، وهناك أيضا انتشار واسع للصوفيين والطرق الصوفية، وتقول التقارير أن الطرق الصوفية في ساحل العاج كان لها دور في نشر الإسلام، حيث يوجد أربعة طرق صوفية أهمها القادرية التي تأسست في القرن 11 ميلادي والتجانية التي تأسست في القرن 18 ميلادي وهي الأكثر شعبية، غير أن الطريقة القادرية منتشرة في الغرب والتجانية في الشرق، والطريقتان الأخريان هم السنوسية القادمة من ليبيا و تصوف المرابطين، وهناك تواجد ملحوظ للجماعة الأحمدية.

ومن خلال الإطلاع على التقارير والدراسات المتعلقة، فإن نجاح انتشار الإسلام بشكل عام يعود إلى عدة عوامل وأسباب أهمها أن تعاليم الدين الإسلامي قريبة من ثقافات الشعوب الأفريقية من عدة جوانب أبرزها تعدد الزوجات الذي يتعارض مع التبشير المسيحي، وصلة الأرحام والتعاضد والتكاتف وغيرها، وكذلك لأن الدين الإسلامي قد وفر مفاهيم مبسطة عبر التجار والمسافرين من جميع أنحاء العالم وكان ينظر إليه على أنه بديل للدين الأوروبي، إضافة إلى أن الدعاة الإسلاميين كانوا سود البشرة مما قربهم لبعض على عكس المبشرين بالمسيحية بيض البشرة.

وفيما يتعلق بوصول الإسلام إلى ساحل العاج فقد تعددت طرق دخول الدين الإسلامي إلى هذا البلد، أبرزها طريق التجارة، مع تنقلات التجار المسلمين ورحلاتهم المستمرة إلى غرب أفريقيا، ومن ثم توغل التجار جنوبا للحصول على العاج المستخرج من سن الفيل في ساحل العاج؛ حيث أدهش القبائل الوثنية صلاة المسلمين، ما دفعهم للتعرف على دينهم، الأمر الذي أدى إلى انتشار الإسلام وقبوله، ثم قدم إلى ساحل العاج أيضا العديد من الدعاة والمتصوفين بهدف الدعوة للإسلام والبعد عن شهوات وملذات الدنيا، فكان لهم أكبر الأثر في نشر وحث القبائل على التخلي عن عادتها الوثنية، أما الحدث الأكبر الذي حول ساحل العاج إلى الدين الإسلامي فقد كان عام 1025م حين اعتنق زعماء قبيلة الماندينجو[1] الإسلام.

ومن ثم توالت الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا وساحل العاج وأهمها مملكة مالي التي اشتهر ملوكها برحلات الحج، ثم صنغاي وكانم وبرنو وغيرها، واستمرت أعداد المسلمين بازدياد في ساحل العاج حتى وصلوا حاليا إلى نحو 9 ملايين مسلم.

وعودة إلى التعداد الدقيق للمسلمين في ساحل العاج، وبسبب الطابع العلماني للدولة، فإن المعطيات الرسمية تتجنب تصنيف المواطنين في ساحل العاج حسب الديانات، لذا لا يوجد إحصائيات دقيقة لعدد المسلمين ونسبتهم في ساحل العاج، حيث تقول بعض التقارير أن نسبتهم 38% وبعضها يذكر أنهم ما بين 50 إلى 60% من مجموع السكان والبعض يقول أنهم ما بين 4 إلى 50%، لكنهم في الوقت نفسه يشكون من التهميش النسبي والإقصاء بشكل عام، رغم مرور قرابة ستين سنة على نهاية الاستعمار الفرنسي للبلاد وتكوين الدولة الحديثة القائمة على فكرة المواطنة.

ويتضح تهميش المسلمين في ساحل العاج في عدة صور أهمها ضعف تواجدهم في مراكز السلطة والقرار والنفوذ، وتعاني مناطق كثافتهم السكانية في شمال البلاد من نقص واضح للمشاريع التنموية ومن عناية السلطات الحاكمة، رغم أن “الحسن وترا” هو أول رئيس مسلم يحكمها، وقد يكون الأخير لفترة طويلة بالنظر إلى عدم وجود أي مسلم بين الشخصيات المؤهلة لخلافته، وتؤكد التقارير أن حضور المسلمين في المجال السياسي كان ولا يزال محدودا.

ومن صور ضعف المسلمين أيضا أن حكومة ساحل العاج قد تأخرت في الاعتراف بأعياد المسلمين الدينية باعتبارها أعيادا رسمية في البلاد حتى عقد التسعينيات الماضي، رغم إلحاح المسلمين على المطالبة بهذا الحق وتعلقهم به طيلة العقود الماضية.

الشيعة والتشيع في ساحل العاج

تقدر الدراسات الإيرانية أن عدد الشيعة في ساحل العاج يتراوح ما بين 450 ألف إلى 800 ألف نسمة، فالمجمع العالمي الشيعي يقول أن عددهم 450 ألف نسمة، بينما تقول دائرة الإمام الحسين للمعارف أن عددهم تقريبا 800 ألف نسمة، ويقول أطلس الشيعة أن عددهم 130 ألف، أي هناك تباين كبير في الأعداد، ولكن يمكن القول أن أعدادهم تتراوح ما بين 400 إلى 600 ألف نسمة، وقد زادوا بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة نظرا لتكثيف الأنشطة الشيعية التي يقودها هناك الإيرانيون واللبنانيون في ساحل العاج.

وفي دراسة إيرانية تقول أن نسبة المسلمين في ساحل العاج هي نحو 42% من مجموع السكان أي نحو 10 مليون نسمة، ونسبة الشيعية حوالي 2% من كل سكان الدولة، و5% من مجموع المسلمين.[2]

وهناك نشاط شيعي ثقافي وديني وفكري وتبشيري مكثف حاليا في ساحل العاج، وينظر النظام الإيراني – كونه القائم على مشروع التشيع في العالم أجمع – إلى دولة ساحل العاج بأنها دولة لها ثقلها السياسي والاقتصادي بغرب القارة الإفريقية، ومن الأفضل أن تكون منطلقا لعملية التشيع وتصدير الثورة الإيرانية إلى الدول المجاورة، باعتبار ساحل العاج مركزا لتجمع جاليات الدول المجاورة وهي مالي، بوركينافاسو، ليبيريا، غينيا، غانا، لذا فإن أي تأثير شيعي فيها سوف يؤثر بالتبعية على دول الجوار مباشرة نظرا لكثافة حركة تنقل هذه الشعوب بين بلدان بعضهم البعض.

كما ويدير حزب الله العديد من أنشطة التشيع في ساحل العاج، وقام أيضا بتأسيس المراكز وبناء المساجد والحسينيات بهدف التشيع، وتقول التقارير أن أغلب اللبنانيين الذين يعيشون في ساحل العاج هم من أنصار حزب الله اللبناني، وتنظم وتدير إيران وبالتعاون مع حزب الله اللبناني أنشطة الشيعة والتشيع عبر المراكز والمؤسسات التي تتمركز في مدن الدولة وخاصة أبيدجان التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لساحل العاج.

وبعد الاطلاع على آخر التقارير والدراسات التي صدرت حول حركة التشيع في ساحل العاج، فإننا نؤكد أن هناك نجاحا نسبيا لإيران وحزب الله في تشييع العديد من العاجيين، لدرجة أن بعض التقارير والدراسات حذرت من هذا الانتشار الذي ربما سيحول ساحل العاج إلى دولة شيعية أو مرتهنة بيد الشيعة (أي بيد إيران) كما هو الحال في لبنان والعراق واليمن.

كما ويمكن القول أن البرامج والمخططات الإيرانية تمكنت من التأثير حتى الآن وبشكل خطير على التواجد والتماسك السني في منطقة غرب إفريقيا بشكل عام وفي ساحل العاج بشكل خاص، بشكل ينذر بالخطر، ولا سيما أن بعض التقارير تؤكد أن الآلاف يتشيعون من كافة طبقات المجتمع العاجي حتى على مستوى وزراء الدولة.

فإذا ما تحركت الدول السنية على نفس مستوى التحرك الإيراني داخل هذه الدول، فسيخسر العالم السني مع مرور الوقت مناطق شاسعة في غرب إفريقيا لصالح التمدد الشيعي المنظم والذي برهن على أن له إستراتيجياته المدروسة والمؤسسة مع الإرادة السياسية لدى متخذ القرار في إيران، وهذه الخسارة لا تعني على الصعيد المذهبي أي شيء، لكنها تعني الكثير على المستوى السياسي والقوة والتأثير، فالانتشار الشيعي يعني تعزيز قوة إيران على حساب الدول السنية، بمعنى أن الانتشار الشيعي يشكل خطرا وتهديدا للأمن القومي العربي على كافة الأصعدة.

وحاليا تعمل إيران وحزب الله على بناء المزيد من المراكز والمؤسسات والمدراس الشيعية في جميع أنحاء ساحل العاج، ويقدمون لها الدعم السخي، بهدف تعميم التشيع في ساحل العاج لتتحول إلى دولة شيعية في غرب إفريقيا.

وحول التواجد الإيراني وتواجد حزب الله في هذه الدولة فإن التقارير تؤكد أن القارة الأفريقية وخاصة ساحل العاج قد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى الوجهة الأولى للمهاجرين اللبنانيين، خصوصا من الطائفة الشيعية، رافق ذلك توسع غير مسبوق للأنشطة التجارية لعدد من كبار رجال الأعمال التابعين لحزب الله، وأيضا تزايد للتمثيل الدبلوماسي والثقافي لإيران في ساحل العاج، وباتت الجالية اللبنانية المدعومة من إيران تسيطر على جزء كبير من النشاط التجاري بساحل العاج والسنغال أيضا، فيما يدير رجال أعمال مقربين من حزب الله أضخم الشركات التجارية وشركات الاستيراد بساحل العاج، لدرجة أن رجال الأعمال الشيعة والمنتمين لحزب الله يسيطرون الآن على حوالي 60 % من النشاط التجاري في ساحل العاج، ويملكون شركات توريد، كما تنتشر المحلات التجارية المملوكة للبنانيين شيعة في جميع المدن العاجية، وتمتلك الجالية اللبنانية الشيعية حوالي 80 % من شركات جمع وتصدير “القهوة والكاكاو” في ساحل العاج، كما قدّرت بعض الدراسات نسبة حضورهم بحوالي 80% أيضا في تجارة الماس في سيراليون، وهذا الاستحواذ والنفوذ الشيعي أدى إلى التأثير على السياسة الخارجية للبلاد، وتمول الجالية الشيعية العديد من الحملات الانتخابية بساحل العاج، وتدعم بشكل فعال الرئيس ساحل العاج الحالي “الحسن وتارا” فيما يلعب وتارا دورا مهما في حماية أموال واستثمارات رجال الأعمال الشيعة التي تعد مصدرا رئيسيا للخزينة المالية لحزب الله.

ويمكن مشاهدة الخلفية الإيديولوجية لملاك الشركات الكبرى بساحل العاج من اللبنانيين بشكل واضح ودون عناء، فصور الأمين العام لحزب الله  حسن نصر الله معلقة على الجدران الداخلية لأغلب الشركات الكبرى في ساحل العاج، وحتى داخل شركات صرف الأموال والمحلات التجارية العامة.

وفي عام 2016 أقامت إيران مؤتمرا طلابيا في تاريخ 12 مايو ضم طلابا من 30 دولة أفريقية، بعنوان “الأطروحة المهدَوية وواقع أتباع أهل البيت في أفريقيا” والذي كشف عن حقيقة الاستراتيجية الإيرانية ونواياها وأهدافها من النفوذ في دول أفريقيا وخاصة ساحل العاج، حيث تعتمد هذه الاستراتيجية على بناء النفوذ السياسي والمذهبي قبل تحويل ذلك النفوذ لقوة وجماعات عسكرية مسلحة تدور في فلك مصالح المشروع الإيراني التوسعي على حساب المسلمين السنة، وخير دليل على ذلك “حزب الله النيجيري” الذي يتزعمه الزكزاكي.

والآن باتت طهران توسع من دائرة مصالحها بشكل علني وملفت عبر بناء “نظام مؤسساتي شيعي أفريقي” تابع للولي الفقيه في طهران، وعلى ما يبدو أن هناك أكبر مشروع قومي تتبناه إيران لنشر التشيع والتعريف بآل البيت والإمام المهدي والرسالة المهدوية في ثلاثين دولة أفريقية من بينها ساحل العاج، لتحويلها إلى دول شيعية تدين الولاء لإيران، وذلك لا بد أن يكون على حساب المجتمع السني هناك، وهو ما اعترف به صراحة إمام عبدول الناظر دمبا، زعيم شيعة ساحل العاج لصحيفة كل الأخبار العراقية بأن التشيع في بلاده يجري بخطط منتظمة ووفق دراسة زمنية تجري متابعتها من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران.

والجدير بالذكر أن حزب حزب الله  اللبناني وإيران يستخدمون دول غرب ووسط إفريقيا كحديقة خلفية لتحقيق مصالح اقتصادية وعسكرية بالدرجة الأولى، وقد كشفت العديد من التقارير عن وجود أنشطة اقتصادية ربحية تابعة لشيعة لبنانيين يعود نفعها لحزب الله، كما كشفت أيضا عن وجود معسكرات تدريب تتبع حزب الله وإيران يتم فيها تدريب الشيعة ثم توزيعهم بعد ذلك على جبهات القتال.

وتؤكد التقارير أن حزب الله اللبناني يستخدم “تجارة الماس” في غرب إفريقيا لتمويل أنشطته منذ البداية، وذلك بعد أن نجح في زرع هيكله المالي في تجارة الماس، وكانت الصحف الأميركية قد كشفت عن أحد عملاء المباحث الفيدرالية الأميركية وهو “ماثيو ليفيت”، أن حزب الله، لجأ في كثير من الأوقات، إلى فرض الإتاوات والتهديدات من خلال العصابات التي يديرها هناك، مشيرا إلى وجود 200 مشتر للألماس في ساحل العاج، وأن 35 فقط منهم من السكان الأصليين، بينما الباقون لبنانيون يقدمون مبالغ ضخمة للحزب على شكل تبرعات طوعية فردية، وصرح السفير الأميركي السابق في سيراليون “جوزف مالروز” أيضا أن حجم التعاملات التي يمارسها حزب الله من خلال تجارة “الماس” تفوق التصورات.

ولدى إيران حاليا نفوذ متجذر في داخل المجتمعات العاجية، وتؤكد تصريحات بعض الشخصيات العاجية التي تصب في مصلحة إيران أن هناك قاعدة شعبية تدين الولاء للمرشد الإيراني في طهران، ومنها ما صرح به رئيس اتحاد طلبة أفريقيا في ساحل العاج “عبد الله دوسو” عن حب و ولاء الشعب الأفريقي للجمهورية الإسلامية الإيرانية مضيفا أن غالبية الأفارقة يوالون إيران الإسلامية رغم الهجمة الإعلامية المكثفة والمتصاعدة ضدها حسب تصريحاته.

نشأة التشيع وانتشاره في ساحل العاج

يعود أول التواجد الشيعي في ساحل العاج إلى عام 1908، عندما هاجرت مجموعة من اللبنانيين إلى هذه الدولة، وبدأت تعمل اقتصاديا هناك، ولكن ظهور الشيعة كعملية دينية يعود إلى عام 1977، عندما بدأت مجموعة من الشيعة بإنشاء “الجمعية الإسلامية الثقافية” في المنطقة الساحلية، وهذا بتأثير موسى الصدر قبل قيام الثورة الإيرانية، لكن بعد نجاح الثورة أصبحت الجاليات اللبنانية في إفريقيا وخاصة ساحل العاج هي أداة السفارات الإيرانية لاختراق المجتمعات الإفريقية وتشييعها، باستغلال علاقاتها مع النخب الحاكمة وسيطرتها الاقتصادية.

لذا فإن أول من جاء بالمذهب الشيعي إلى ساحل العاج هم اللبنانيون، والذين يبلغ تعددادهم الآن نحو 100 ألف نسمة، فبعد أن احتل جنوب لبنان، وأصبحت ساحل العاج مكانا آمنا للاجئين، وبعد زيارة الإمام “موسى الصدر” لساحل العاج، دعا الجالية الشيعية اللبنانية إلى تأسيس مراكز ثقافية ومساجد وحسينيات لتكون مكان تجمعهم فاستجابوا لدعواته، غير أن التشيع بدأ يأخذ رونقه في هذه الدولة الأفريقية بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.

وبعد انتصار الثورة الإيرانية، اتحد التعاون الإيراني مع التواجد الشيعي اللبناني في ساحل العاج لتكوين قاعدة تنطلق منها عملية نشر الفكر الشيعي، وبالفعل تضافرت الجهود الإيرانية مع جهود اللبنانيين المتواجدين أصلا في ساحل العاج لنشر التشيع في هذه الدولة، ثم لعب حزب الله وبالتنسيق مع إيران وأنصاره وأتباعه في ساحل العاج الدور الأكبر في عمليات التشيع ونشر الفكر الشيعي وأفكار ولاية الفقيه.

ثم أوفدت إيران شخصا اسمه ” سید موسوي” إلى ساحل العاج من أجل نشر تعاليم المذهب الشيعي، وهذا الشخص قتل أثناء الحرب الإيرانية العراقية، واستمرت إيران حتى يومنا هذا بإرسال علماء ورجال دين شيعة إلى ساحل العاج في إطار أنشطتها التبشيرية ودعم عملية التشيع في غرب أفريقيا وخاصة ساحل العاج.

وخلال الخمسة عشر عاما الماضية، تم الترويج للشيعة في ساحل العاج بشكل علني، ولعب اللبنانيون الدور الأبرز في عملية التشيع، ويشرف المجلس الشيعي اللبناني على التعاليم الشيعية بشكل عام، واليوم يوجد الشيعة في معظم أنحاء ساحل العاج، وخاصة في مدن: أبيدجان، وبنغتو، وبوكاي، وأمباتو، وأنياما، وغران باهام، وأودينه وكوروشو وجران بسام وأودينيه وطوبا، وسان بيرو، وأبواسو.

لقد توجهت أنظار النظام الإيراني فور استلامه زمام الأمور في طهران، إلى القارة الأفريقية بشكل عام، باعتبارها ميدانا خصبا لنشر الأفكار ومقارعة الخصم السني، وقد استطاع النظام الإيراني طوال الثلاثة عقود الماضية من العمل الدؤوب والمنظم عن طريق المنظمات والهيئات الأهلية، والمراكز الثقافية والعمل الدبلوماسي والإعلامي والمشاريع الاقتصادية، ما أنتج حواضن شيعية وأوجد أرضا خصبة للفكر الشيعي الإثني عشري في منطقة غرب إفريقيا وخاصة جمهورية ساحل العاج.

وتعتبر حركة التشيع في ساحل العاج والتي تقودها جماعات إيرانية ولبنانية من أخطر حركات التشيع المدعومة من إيران، وقد اعترف زعيم الطائفة الشيعية في حديث خاص لجريدة “الأخبار” العراقية العدد 161 بتاريخ 12/8/2010، أن “التشيع في ساحل العاج يسير بخطط منتظمة ووفق دراسة زمنية تجري متابعتها من إيران بحيث يكون التشيع المذهب المسيطر في ساحل العاج خلال عشر سنوات”.

هذه التصريحات وغيرها من التصريحات والاعترافات تؤكد وجود خطط وبرامج تتبناها إيران وحزب الله حول حركة نشر التشيع في مدن ساحل العاج قدر المستطاع، في حين أن النجاحات التي حققتها الجهود الإيرانية في هذا المجال أكدت بصورة واضحة نوايا إيران ومساعيها في نشر التشيع على حساب المذهب السني في غرب أفريقيا، وتركز إيران على ساحل العاج لعدة أسباب أهمها:

أولا: أنها وجدت البيئة العاجية خصبة لنشر الفكر الشيعي دون معوقات مستغلة فقر المجتمعات من الناحية المادية والثقافية والفكرية.

ثانيا: أن في ساحل العاج العديد من الوافدين من الدول المجاورة لها وخاصة غانا وغينيا وبوركينافاسو، لذا تعتبر إيران ساحل العاج منطلقا لنشر التشيع للدول المجاورة عبر مهاجريها.

ثالثا: وجود جالية لبنانية شيعية منذ عشرات السنين ومستقرة في ساحل العاج، لتشكل جسرا معبّدا للنظام الإيراني لبث أفكار التشيع وولاية الفقيه.

رابعا: ضعف التواجد السني “المقارع” للتواجد الشيعي، فقد اتصف أهل السنة والجماعة في ساحل العاج بأنهم مسالمين ويؤمنون بالمذهب الشيعي، فكانت الدعوة الإسلامية السنية تنطلق من باب الإسلام الشمولي، دون التطرق إلى سني وشيعي، وهدفها نشر الإسلام أي أنه هدف ديني، بينما الدعوة الشيعية وحركة التشيع فأهدافها سياسية بحتة ومنظمة، وهي أن كل من يتشيع فإنه سيدين الولاء والوفاء للولي الفقيه أي المرشد والنظام الإيراني، ما يعني تكوين أحزاب وجامعات على غرار حزب الله في العديد من الدول بحيث تكون أذرع إيرانية ضاغطة على الدول المتواجدة فيها، وبالتالي توظيف إيران المذهب الشيعي لتحقيق مشروعها التوسعي.

خامسا: تؤكد التقارير أن هناك توصيات من المرشد الإيراني الأول الخميني تدعو الشيعة إلى ضرورة الاهتمام بغرب أفريقيا وخاصة ساحل العاج، وهذه التوصيات استمر عليها المرشد الثاني الحالي علي خامنئي وأصدر أوامره بضرورة تركيز الاهتمام على حركة التشيع في ساحل العاج.

سادسا: أن حزب الله وإيران يركزان حاليا في أنشطتهم التجارية على دولة ساحل العاج، باعتبار أنها تملك ثاني أكبر ميناء بإفريقيا بعد جنوب إفريقيا، وتعد أيضا أكبر مصدر للكاوكاو، وتسعى إيران من خلال رجال الأعمال الشيعة الذين يسيطرون على معظم اقتصاد ساحل العاج إلى تخفيف التوترات في العلاقة بين طهران وباريس المستعمر السابق لأغلب الدول الأفريقية، وذلك في إطار تداخل المصالح.

سابعا: قوة النفوذ التجاري والاقتصادي اللبناني في ساحل العاج وسيطرة هذه الأذرع التابعة لحزب الله ولبنان على معظم القطاعات الاقتصادية والتجارية في الدولة.

ثامنا: أن الرئيس حسن وتارا يعتبر من الداعمين للشيعة [3]، وهناك عدد من المسؤولين في الحكومة العاجية لهم علاقات وثيقة بإيران والتجار اللبنانيين المقيمين في مدن ساحل العاج ويسهلون استصدار تراخيص بناء وإنشاء المدارس والمؤسسات الشيعية.

تاسعا: أنّ الشَّخصية الإفريقية بشكل عام والعاجية بشكل خاص شخصية تتصف بالمرونة وسهلة الاستجابة، وتتقبل أي شيء، وقد أدرك النظام الإيراني هذه السمة مبكرا، لذا وصى المرشد الخميني على ضرورة التركيز على التشيع في هذه المناطق.

عاشرا: إنخفاض الدعم الموجه للنشاط الدعوي السني بذريعة مكافحة الإرهاب، إذ طوقت الدول الغربية أبرز الجمعيات الإسلامية المموّلة للدعوة الإسلامية في إفريقيا بذريعة مكافحة الإرهاب، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، ما ساهم في إخلاء الساحة للمؤسسات الشيعية وحركة التشيع لتتحرك بسهولة في ساحل العاج.

وانتشار التشيع بشكل متسارع ألقى بظلاله على العديد من كتابات المهتمين والمختصين التي حملت في طياتها تحذيرات من وقوع ساحل العاج في براثن الصفويين، كما أظهرت مقاطع فيديو على اليوتيوب انتشار التشيع بين العاجيين الذين حرصوا كل الحرص على إقامة مناسبات وطقوس الشيعة وفق ما أظهرته هذه المقاطع.

وخلال العقدين الماضيين وخاصة في السنوات الأخيرة شهدت ساحل العاج تزايدا ملحوظا في أعداد المدارس الشيعية وفي المساجد وأنشطة المراكز الثقافية والمنظمات الشيعية المدعومة من إيران وحزب الله، وتقول التقارير أن هذا الاهتمام الإيراني بساحل العاج جاء بناء على توصية المرشد الإيراني الأول الخميني، كما أشرنا سابقا، الذي حث على الاهتمام بالقارة السوداء وخاصة غرب أفريقيا وبالأخص ساحل العاج، لذا تم إنشاء معهد آل البيت للدراسات العليا ممثلية جامعة مصطفى العالمية ومقرها قم الإيرانية في ساحل العاج في مدينة أبيدجان وتحديدا في منطقة “ريفييرا” عام 1999، وبدأت الدراسة بها في العام التالي أي عام 2000، ولا تزال تخرج الطلبة حتى يومنا هذا.

وهذا يعني أن إيران استخدمت المؤسسات التربوية لإنشاء جيل عاجي متشيع ويدافع عن الشيعة وولاية الفقيه والنظام الإيراني، وهذا المعهد إدارته إيرانية خالصة، مديره يتم ابتعاثه من مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي من طهران، وفترة الإدارة عامين غير قابلة للتجديد، ومديره الحالي اسمه “رسول علوي”، ومدير التعليم للدروس العربية والإسلامية هو “عمر سوادوغو” ورغم أن اسمه عمر إلا أنه من أعلام الشيعة في ساحل العاج وقد درس في لبنان، ويعتبر من أهم الشخصيات الشيعية في ساحل العاج، وله علاقات وثيقة مع مجمع الغدير التابع لحزب الله اللبناني، ويعتبر ممثل السيد فضل الله في أبيدجان، ويعتبر واحد من أعمدة الشيعة في ساحل العاج وكلمته مسموعة لدى كافة الشيعة هناك سواء إيراني أو لبناني أو عاجي.

ويستهدف هذا المعهد بالدرجة الأولى الطلاب السنة، حتى يقوم بعملية غسيل لعقولهم وأدلجتها شيعيا، والخطير هو تخصيص مقاعد في هذا المعهد لأبناء مشايخ السنة المعروفين في ساحل العاج، وبعد مرحلة من الدراسة، تقول التقارير أن الطالب إذا أصر على تعاليمه السنية طرد من المعهد بمجرد اتهامات بسيطة دون أن يعلن أن سبب الطرد هو إصراره على المذهب السني.

وتؤكد التقارير أن مصادر تمويل هذا المعهد والعديد من المؤسسات الشيعية كثيرة أهمها إيران وتحديدا من مكتب المرشد خامنئي في طهران، وميزانية هذا المعهد سنويا تتراوح ما بين 500 مليون سيفا إلى 600 مليون سيفا، أي ما يقارب مليون ونصف المليون دولار سنويا، وللمعهد مصدر ثاني من مصادر التمويل وهم اللبنانيون التجار في ساحل العاج، وأبرزهم الحاج محمد عز الدين، وهو من أكبر تجار ساحل العاج.

والأخطر أيضا أن خريجي مثل هذه المعاهد لا يكون أمامهم بعد تخرجهم من المعهد سوى خيارين، إما مواصلة التعليم العالي في مدينة قم الإيرانية، وإما أن يعمل براتب شهري لصالح المعهد كداعية شيعي ترسله إلى القرى والأرياف في ساحل العاج.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٨ فبراير ٢٠١٨

[1] إحدى أكبر وأهم قبائل إفريقيا الغربية، وينتشرون منذ زمن بعيد على ضفتي نهر النيجر وما حوله من حزام الصحراء الكبرى شمالاً وشرقا، إلى ضفاف المحيط الأطلنطي غربا وجنوبا.

[2] المصدر ويكي شيعه، ساحل العاج.

[3] وفي رواية تقول أنه لم يعرف عنه أي تقارب مع إيران والشيعة، بل إن الجالية اللبنانية الشيعة ناصبته العداء بسبب شدة مطالبته لهم بسداد جميع ديون الضرائب لأعوام سالفة والتي كانوا يتحايلون عليها بالرشوة.