قطر تلك الدويلة الصغيرة في حجمها وقواها، أرادت أن تقفز من فوق كل القوانين والأعراف الدولية إلى قطار الأحداث في عدد من الدول العربية، ما جعل انتظار الحمدين لنتائج عكسية مرتدة بالأمر المؤكد، وهو ما تجنيه الدوحة اليوم من أشواك حصاد النظام رغم محاولتها التعتيم والنكران.

الخطة الحمدية كانت تمر عبر رأس المال الأوروبي والأميركي والإسرائيلي، من خلال الشراهة في الاستثمار مع هذه الجهات لضمان على الأقل مواقف حيادية تجاه السلوك القطري المخرب، ما يعني أن الاعتماد القطري الكلي في سياساته الخارجية كان ولا يزال على مصدر غير متجدد وقد ينضب بأي لحظة، وهو ما يحصل الآن بعد تجرع نظام الحمدين كؤوسا من الخسارة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وبات الاقتصاد القطري الداخلي والخارجي مهدد بالانهيار في ظل تصاعد حجم الخسائر المادية التي منيت بها الدوحة نتيجة الأزمة الراهنة، ما يعني زوال السبب التي صمتت الدول الأوروبية لأجله إزاء دعم قطر للإرهاب، والنتيجة أن الموقف القطري سيخضع يوما ما، عاجلا أم آجلا وسيضطر تنظيم الحمدين إلى الاستجابة للمطالب العربية أو الهروب من الدوحة إلى أنقرة أو طهران.

مارست قطر عبر العقود الماضية سياسة التدخل المسعور في كل الاتجاهات، وخاصة بعد اندلاع الأحداث العربية بداية عام 2011، وتمثل تدخلها على الصعيد الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي، مستخدمة السلاح الذي لا تملك سواه وهو المال، وتضخمت تدخلاتها المسمومة مع تحويل قناة الجزيرة إلى خط استراتيجي أولي للنفوذ القطري، واستغل القطريون بانتهازية فرصة الفراغ التي ظهرت في بعض الدول العربية لأجل تمكين أحزاب وجماعات إرهابية وعلى رأسها جماعة الإخوان من الحكم والسيطرة على سيادة وقرارات الدولة، معتمدة على الشراكة الاستثمارية التي تربطها مع الدول الغربية في غض طرفها عن السياسيات القطرية الداعمة للإرهاب.

هذا السلوك التخريبي للدوحة ونجاحه في بعض المناطق، أطلق العنان لنظام الحمدين بالتطاول والتدخل حتى في الدول الآمنة عبر التجسس ودعم الإرهاب والجماعات المعارضة ضد أنظمة وشعوب الدول العربية وخاصة الخليجية، حتى قيل أن رموز تنظيم الحمدين قد أصيبوا بالفعل بمرض جنون العظمة والهستيريا السياسية، ما أثار سخطا متزايدا في العالم العربي تجاه السياسة القطرية، وأجبرت العديد من الدول على  قطع علاقاتها مع قطر لما تشكله من مخاطر على أمنها القومي بسبب إصرار الدوحة على دعم الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة.

الآن علم النظام القطري متأخرا أن رصاصة الرحمة قد أصابت قلب المحاولات القطرية المتواصلة للاستجداء بالوساطات الكونية لحل أزمتها، فعلم أنه يدق آخر مسامير نعشه، ولا يكاد يخفي خلف سلوكه الندم الشديد عن عناده على مواقفه وارتمائه بأحضان إيران وأردوغان، ولولا أن قراره مرهون إيراني وتركي لجاء راكضا إلى الدول  المقاطعة طالبا العفو مؤكدا التزامه الكلي بالمطالب العربية.

وعلى ما يبدو فإن رموز النظام القطري قد أصبحوا على ثقة بأن لا حل لأزمتهم إلا عن طريق الرياض، وعبر الوساطة الكويتية، بعد أن تستجيب الدوحة لكافة المطالب التي تضمن وقف دعمها للإرهاب والتطرف، فقد جربوا كافة الحلول والمحاولات والاستعطاف والاستجداء، وجميعها باءت بالفشل، وهم الآن على يقين أن التراجع عن مواقفهم وخضوعهم هو الطريق الوحيد للنجاة من السقوط والانهيار، غير أن الطبقات المتوسطة كوسائل الإعلام والكتاب والمؤسسات الإعلامية بشكل عام لم تأخذ الأوامر حتى الآن بوقف إفتراءاتها وحملة أكاذيبها على الدول المقاطعة، ولا يزال هناك من المستفيدين ماليا من إطالة عمر هذه الأزمة يسعون جاهدين إلى عرقلة أي توصل لحل لها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 مارس 2018