وفق الدستور الإيراني فإن اختيار المرشد الثالث لإيران بعد رحيل المرشد الثاني علي خامنئي سيكون من صلاحية مجلس خبراء القيادة الذي يتولى صوريا عزل وتنصيب المرشد ومراقبة أنشطته وسلوكه، غير أن هذا النهج لا يمكن أن يستمر في ظل حكومة راديكالية دينية عسكرية أمنية، كما هو الحال في سيطرة رجال الدين والحرس الثوري على كافة شؤون إيران وسياساتها واقتصادياتها الداخلية والخارجية.

وكما يقول الدستور الإيراني، فإن مجلس خبراء القيادة هو الجهة التي تتولى مسؤولية وضع عدة أسماء مرشحين لاستلام منصب المرشد بعد خامنئي، وقد كشف الراحل رفسنجاني قبل موته أنه بالفعل هناك جلسات دورية لمجلس الخبراء من أجل اختيار مرشد لإيران، مقترحا إلغاء منصب انفرادية المرشد بمجلس مكون من عدة أعضاء، والذي من المحتمل أن يكون اقتراحه هذا وراء عملية التخلص منه لا سيما أن أسباب موته لا تزال يكتنفها الغموض ويدور حولها العديد من الشبهات.

الآن يعتبر الحديث عن وارث منصب خامنئي من أشد المحرمات والممنوعات في إيران، وكل من تسول له نفسه الحديث عن هذا الأمر سيكون مصيره غامضا، ويعتمد خامنئي هذا الأسلوب لعدة أسباب، أولها: أن هناك نوايا من قبل بيت المرشد ومؤسسة الحرس الثوري تهدف إلى توريث نجل خامنئي “مجتبى خامنئي” منصب المرشد، وهناك إعدادات لذلك من سنين، وقد حذرت العديد من التقارير الإيرانية عن وجود مخططات لخامنئي وذراعه الضارب الحرس الثوري تهدف إلى جعل نجل خامنئي مجتبى المرشد الثالث لإيران، وقد تسربت مثل هذه المخططات مع بداية تحركات الحرس الثوري السياسية ومواصلة لقاءاتها مع شخصيات سياسية ورموز دينية نافذة لإقناعها بشخصية مجتبى للحصول على دعمها في عملية وصول مجتبى إلى منصب المرشد.

أما السبب الثاني فهو خوف خامنئي والحرس الثوري من الكشف عن أية شخصية ترثه والتي لن تحظى بموافقة كافة التيارات والشخصيات السياسية والقيادات العسكرية، الأمر الذي يفضل أن يظل  قيد الكتمان لحين ترتيب الأوراق.

لا شك أن هناك شخصيات إلى جانب مجتبى موضوعة على قائمة الأشخاص الذين يجب أن يكون منهم المرشد القادم، نذكر أهمهم: إبراهیم أمیني، ومحمد تقي مصباح يزدي، وعبدالله جواد آملي، ومحمد يزدي، ومحمود هاشمي شاهرودي، وإبراهيم رئيسي، وآملي لاريجاني، وحسن الخميني، وحسن روحاني، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي.

إن اختيار المرشد القادم سوف تكون أصعب مرحلة يمر بها النظام الإيراني منذ تأسيسه عام 1979، بل أصبح من شبه المؤكد نظرا لتصعيد حالة الاحتقان الداخلية وعدم الاتفاق على شخصية متفق عليها لاستلام أعلى منصب في البلاد، أن عملية اختيار المرشد ستكون الشرارة التي ستشعل نيران الغضب الداخلي وخاصة الشباب الذي أعلن رفضه لنظام الولي الفقيه، كما أن تسارع تردي الأوضاع الداخلية في ظل هذا النظام، وتقديم شخصية مكروهة لاستلام منصب المرشد مثل مجتبى خامنئي الذي عرف بقيادته لعمليات القمع للمظاهرات التي اندلعت عام 2009، ستزيد من حالة الرفض الشعبية لحكم الملالي، وستجد الشعوب الإيرانية نفسها أمام خيارين إما استمرار خضوعها لهذا النظام وقبول قمعها وسلب حرياتها وكراماتها، وهو ما يستبعده المتابعون والخبراء، وإما الانتفاضة على النظام والخلاص منه لتحرير البلاد من قبضته وقبضة الحرس الثوري.

وفي الحقيقة، فإن إيران تشهد حاليا صراعا خفيا ليس حول من سيخلف خامنئي فحسب، بل الصراع الأكبر يدور حول رفض منصب المرشد من قبل شريحة سياسية وشعبية كبيرة، والمطالبة بإلغاء هذا المنصب، واستبداله بهيئة للحكم أو مجلس للقيادة، وقد أظهرت أنشطة روحاني والتيار الإصلاحي وجود مخطط يهدف إلى إلغاء نظام “ولاية الفقيه”، كالحل الوحيد لإخراج البلاد من عزلتها ومأزقها السياسي والاقتصادي والذي أجهض جميع الفرص لإصلاح النظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 مارس 2018