تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسية “جان إيف لودريان” الأخيرة لطهران في إطار التحرك الأوروبي الأميركي الهادف إلى تعديل الاتفاق النووي، وإدخال برنامج الصواريخ الإيرانية والتدخلات الإقليمية ضمن محادثات الاتفاق النووي، وهو ما يكشف عن وجود توافق أوروبي أميركي حول ضرورة تعديل الاتفاق النووي وتفتيش مواقع إيران المشتبه بها، والتفاوض حول البرنامج الصاروخي الإيراني وتدخلات طهران في دول المنطقة وملف دعمها للإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى ما يبدو أن لودريان قد استخدم القساوة والجدية والحزم في محادثاته الأخيرة مع المسؤولين الإيرانيين، ما أثار حفيظتهم وخلق لديهم التوتر والتخبط حتى في ردود الأفعال، وكانت نتيجة هذه الزيارة ما قاله الوزير الفرنسي من أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب فعله، مؤكدا على ضرورة إيجاد سبيل لتحقيق الاستقرار في المنطقة، بمعنى أنه على طهران أن توافق على المطالب الأميركية في تعديل وإصلاح الاتفاق النووي وإلا ستتعرض لمزيد من العقوبات والعزلة الدولية وهو ما لا تستطيع إيران تحمله.

وقد بدت مشاعر القلق والارتباك واضحة على وجوه المسؤولين الإيرانيين الذين التقوا بلودريان، وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، حيث شعروا أنهم في ورطة كبيرة، فإما التنازل والخضوع للإرادة الأميركية، وهو ما سيثير غضب الشعوب الإيرانية ويكشف زيف شعارات النظام وفراغ خطاباته الشعبوية وكرتونية قواه، وإما أن يعاند القوى العظمى ويجر البلاد إلى مزيد من العقوبات التي ستكون نتائجها خلال أشهر قليلة لا تحمد عقابها.

بدت حالة التخوف لدى طهران من هذه الزيارة واضحة في تصريحات روحاني وظريف وشمخاني، حيث ادعا الأخير أن قدرات إيران غير موجهة لأي طرف ولا تشكل أي تهديد لأي دولة، وهو بذلك يريد إرسال رسالة بأن إيران لن تفكر يوما بإطلاق رسالة على إسرائيل، وكذلك ظهرت علامات استجداء من قبل وزير الخارجية ظريف في مطالبته الاتحاد الأوروبي بإقناع الولايات المتحدة بالاتفاق النووي وعدم الإنسحاب منه.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحا وحازما، وقد أمهل الأوروبيين والكونغرس حتى 12  مايو المقبل، لإصلاح “عيوب جسيمة” في الاتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الست عام 2015، مهددا بانسحاب بلاده منه وإعادتها فرض عقوبات على طهران، ولا جدل أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي يعني انهياره بالكامل شاء من شاء وأبى من أبى.

وقد زادت هذه الزيارة من حدة الانقسامات والصراعات الدائرة بين التيار المتشدد وحكومة روحاني، وقد شنت الصحف المتشددة وعلى رأسها صحيفة كيهان التابعة للمرشد الإيراني هجوما عنيفا على حكومة روحاني، واتهمتها بالخيانة بسبب تفاوضها مع منتهكي الاتفاق النووي  حسب ما ذكرت الصحيفة، وأكدت كيهان في تقرير لها أن هناك شريحة شعبية وسياسية واسعة تعرض زيارة وزير خارجية فرنسا إلى طهران، والذي وصفته بأنه مندوب الولايات المتحدة وقد جاء لإملاء مطالبها على الجانب الإيراني، وتجمع عدد من المتشددين في مطار “مهر آباد” الدولي في طهران، احتجاجا على زيارة وزير خارجية فرنسا، كما قال الناطق باسم القوات المسلحة الإيرانية الجنرال “مسعود جزائري” إن البرنامج الصاروخي الإيراني سيستمر من دون توقف، ولا يحق للقوى الأجنبية التدخل في هذا الأمر، ورأى أن ليس مسموحا أيضا لأي مسؤول إيراني مناقشة هذه القضية مع أجانب.

ويرى المتشددون أن هناك نوايا لروحاني بتقديم تنازلات للقوى الغربية من أجل المحافظة على الاتفاق النووي المرفوض أساسا من قبل التيار المتشدد والحرس الثوري، ما يعني أن حدة الانقسامات ستتزايد في أي عملية تفاوض قد يجريها روحاني حول الاتفاق النووي أو البرنامج الصاروخي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 مارس 2018