إن خضوع تركيا لإدارة حزب العدالة والتنمية الإخواني بقيادة رئيسها الحالي أردوغان، جعلها تسير على عكس المصالح الوطنية التركية مقابل العمل من أجل تحقيق أهداف التنظيم الإخواني ودعم كل من له صلة بهذا التنظيم الإرهابي، حتى وإن اضطر الأمر للتضحية بالمصلحة الوطنية العليا للبلاد، ما جعل الدعم التركي للإرهاب لا حدود له، بعد أن فتح أردوغان أبواب بلاده على مصراعيها لاستقبال الإرهابيين القادمين من أي نقطة في العالم، ليحول تركيا إلى نقطة ارتكاز وقاعدة دولية ومركزا لتدريب وتنظيم وتشكيل الجماعات الإرهابية ثم الدفع بها إلى مناطق القتال لتعمل بالتوازي مع مشروع أردوغان التوسعي والداعم لإرهاب الإخوان في كل مكان وخاصة الدول العربية والأفريقية.

إن هدف أردوغان من صناعة الإرهاب ودفعه إلى سوريا والعراق هو إضعاف وتقسيم هاتين الدولتين العربيتين ظنا منه أن يسيطر على مناطق من هذه الدول المجاورة لتركيا كبداية لتنفيذ المشروع العثماني التوسعي الواهم في إعادة الإمبراطورية العثمانية.

وبعد أن حقق التحالف الدولي بمشاركة عربية واسعة وفعالة وحازمة انتصارات كبيرة في قتال الإرهابيين والمتطرفين وتجفيف منابع الإرهاب في دول المنطقة، وخاصة بعد مقاطعة قطر من قبل دول الرباعي العربي والتي أثارت غضب أردوغان كونها جزء هام في مسيرة مكافحة الإرهاب في دول المنطقة والذي استمات أردوغان في نشرها في الدول العربية، وهو ما يفسر التخبط التركي في تعامله مع الأزمة القطرية وإعلان أردوغان صراحة دعم النظام القطري الداعم للتطرف والإرهاب علانية وبكل صراحة، ولذلك أدرك أردوغان أنه قد خسر المعركة وأن ما أنفقته تركيا وأهدرته من أرواح وأموال لصناعة ودعم الإرهاب قد ذهب الآن أدراج الرياح.

النتيجة السابقة هي السبب الرئيسي في قيام أردوغان بتحريك جيشه إلى بعض المدن السورية المحاذية للحدود التركية، حتى ينقذ الإرهاب من الهلاك، فقد حرك قواته للسيطرة على عفرين بهدف توفير أرضية مناسبة لتجميع الإرهابيين المنهزمين في هذه المدينة وإنقاذهم من تلفظ أنفاسهم الأخيرة، غير أن الرئيس أردوغان نفسه قد سقط الآن في مستنقعات أفعاله السوداء، بحيث لم يستطع الدخول إلى المدن في الشمال السوري بسبب الرفض الشعبي والمواجهة التي تفاجأ بها من أبناء هذه المنطقة.

اليوم يقف أردوغان على مفترق طرق ستصعب عليه الاختيار للغاية، بل وعجز هو وفريق عمله من تقديم توضيحات أو شرح نتائج ما توصلت إليه الحروب التي أشعلها في الشمال السوري، وأصبح أردوغان الآن في حرج وتخبط شديدين، بحيث لا يستطيع التراجع عن حربه وإعلان الهزيمة، وإعلان العجز الذي مني به جيشه من التقدم، فلذلك لم يتبق لديه إلا أن يستنجد بقوات “الناتو” لكي تكون له عونا في الخروج من المأزق الذي أسقط نفسه فيه، وهو ما أعلنه في خطابه أمام أنصار حزبه داعيا الناتو بلغة المهزوم والخاسر بالقول “أخاطب الناتو”، أين أنتم، لماذا لا تأتون إلى سوريا، أليست تركيا واحدة من دول الناتو؟”، وبلغة المهزوم والذليل قال أردوغان أيضا مخاطبا قوات الناتو: “دعوتمونا إلى أفغانستان والصومال والبلدان الأخرى فلبينا النداء، والآن أنا أدعوكم إلى سوريا، ويجب أن تلبوا النداء”.

إن دعوة أردوغان هذه للناتو والتي تأتي في إطار الاستجداء والتذلل، ليس لها سوى تفسير واحد وهو أن أردوغان يشعر نفسه في ورطة كبيرة وفي حرب خاسرة، حيث تسرع كثيرا في اتخاذ قرارها ولكنه لا يملك القرار لإيقافها لما سيكون له من انعكاسات سلبية للغاية على شعبية أردوغان وحزبه الإخواني المتصدعة والمتراجعة في الأساس داخل تركيا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٣ مارس ٢٠١٨