يحكى أنه في أول مرة التقى فيها الرئيس الصيني «شي جين بينغ» مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عقب وصول الأول لمنصب الرئاسة في بكين، قال للزعيم الروسي: «أشعر أن لشخصيتينا الكثير من أوجه الشبه». كان ذلك في شهر مارس عام 2013. واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على ذلك اللقاء، يستطيع المرء رؤية إلى أي مدى كانت تلك الحكاية صحيحة؛ حيث أظهر الرجلان إعجاباً متبادلاً بالبزات العسكرية، وبتصويرهما يتناولان الطعام في مطاعم مع أشخاص عاديين، والآن أيضاً بالحكم مدى الحياة، على ما يبدو.

ففي الأسبوع الماضي، أقر البرلمان الصيني تعديلاً دستورياً تاريخياً يلغي الحد الأقصى لعدد الولايات الرئاسية المسموح بها لشاغل المنصب الرئاسي، والمتمثل في ولايتين رئاسيتين فحسب، كل منهما خمس سنوت فقط، ما يمهّد الطريق أمام «شي» للبقاء رئيساً للبلاد مدى الحياة، ويمنحه سلطة شبه مطلقة من أجل تطبيق رؤيته لتحويل البلاد إلى قوة عظمى اقتصادياً وعسكرياً. وفي هذه الأثناء، يبدو بوتين مرتاحاً وواثقاً من الفوز في الانتخابات التي ستجري اليوم الأحد، ومن حصوله على ولاية رئاسية رابعة.

والواقع أن البلدين لديهما أشياء أخرى مشتركة: فهما يتقاسمان الاتهام الغربي لهما بأنهما قوتان تتحديان الوضع الموروث عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وأنهما تسعيان لتعديله؛ ما يجعلهما تطرحان تهديداً عسكرياً غير يسير بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وفق استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 التي صدرت عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)؛ حيث قال وزير الدفاع جيمس ماتيس أثناء الإفراج عن هذه الوثيقة الرسمية المذكورة: «إن تنافس القوى العظمى هو محل التركيز الرئيس للأمن الوطني الأميركي في الوقت الحالي، وليس الإرهاب».

وعلاوة على ذلك، فإن كلاً من روسيا والصين أنشأتا، أو تسعيان لإنشاء مناطق نفوذ خاصة بهما في أنحاء مختلفة من العالم، مما يثير حفيظة الولايات المتحدة، لاسيما في أوكرانيا وسوريا بالنسبة لروسيا، وبحر جنوب الصين بالنسبة لجمهورية الصين الشعبية. كما أن كليهما أعلنتا عن مشاريع تروم إدماج الكتلة الأوراسية («الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» بالنسبة لروسيا، و«مبادرة طريق الحرير» بالنسبة للصين)، ناهيك عن جيشين كبيرين ومتعاظمين وصناعات دفاعية تزداد تطوراً.

واللافت أن انشغال أميركا بروسيا والصين يحاكي اهتمامها بالكتلة الصينية السوفييتية، الذي انتهى في الستينيات بعد الخلافات الأيديولوجية التي تفجرت بين العاصمتين الشيوعيتين (موسكو وبكين) والتي تحولت إلى حرب حدودية بين البلدين عام 1969. واليوم، دخلت روسيا والصين العقد الثالث من علاقة توطدت في فترة ما بعد الحرب الباردة، بل أخذت تراودهما فكرة إنشاء تحالف استراتيجي جديد. فهل هذا التقارب هو مجرد «زواج مصلحة» أم نموذج جديد لسلطوية «أوراسية» من أجل تحدي واشنطن؟ وهل هو نتيجة لتدهور العلاقات الروسية الأميركية والصينية الأميركية، أم أنه يعود إلى التقاء حقيقي للمصالح بعد انتهاء الحرب الباردة وخفوت الخلافات الفكرية داخل المعسكر الشيوعي الذي اضمحل واختفى؟

ألكسندر لوكن، باحث روسي متخصص في الشؤون الصينية، يتناول هذه الأسئلة في كتاب جديد بعنوان «الصين وروسيا.. التقارب الجديد»، يشرح فيه المشروع الروسي الصيني ومراميه السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وينخرط «لوكنْ» في تفنيد عدد من الأساطير بخصوص العلاقة الروسية الصينية، والتي يقول عنها إنه غالباً ما يتم النظر إليها من منظور العلاقات العامة الرائجة في فترة معينة. ذلك أن الأشخاص الذين ينظرون إلى العالم باعتباره توازن قوى يرون تحالفاً قيد التشكل؛ هذا في حين يركّز مناوئوهم على انعدام الثقة والمصالح المتضاربة التي تُباعد بين موسكو وبكين. وعلى سبيل المثال، فإن الصين لديها أشياء أكثر لتخشى عليها في علاقتها مع واشنطن منها مع موسكو. والعام الماضي، قوبل «شي» بتقدير كبير في منتدى دافوس الاقتصادي لدفاعه عن العولمة. وفي هذا الأثناء، ما فتئت روسيا تنكفئ على ذاتها وتركّز على الداخل، حيث تنظر إلى الصين على أنها تهديد سكاني محتمل بدرجة كبيرة.

غير أن لوكنْ يختلف مع بعض الباحثين الذين يرون أن عدم الثقة يحول دون تقدم العلاقات الروسية الصينية وازدهارها؛ لكنه يلح في الوقت نفسه على أن تحالفاً عسكرياً كاملاً بين البلدين يظل أمراً مستبعداً. وبالمقابل، يرى أن الصين وروسيا متحدتان في الدفع في اتجاه إدخال تغييرات على نظام دولي يمنحهما أقل مما يعتقدان أنهما يستحقانه.

وإذا كان البنتاجون مصيباً في اتهام البلدين بتحدي الوضع الدولي الحالي والرغبة في تغييره، فإن لوكنْ يحمّل المسؤولية لواشنطن، التي يقول إنها أسندت إلى الصين وروسيا دوراً تابعاً بشكل دائم، بينما تواصل استفزازهما بنظام تحالف عسكري يهدّد حدودهما.

وفي هذا السياق، يكتب المؤلف قائلاً: «في رأي موسكو وبكين، فإن الولايات المتحدة هي التي تحاول اعتبار كل العالم أحادي القطبية وتحويله إلى مجال نفوذها الاحتكاري الخاص من خلال فرض قيمها التي تقول إنها كونية، على الآخرين»، مضيفاً: «إن ما تحاول تحقيقه موسكو وبكين ليس مناطق نفوذ حصرية تستطيعان فيها فعل ما يحلو لهما من دون أي تدخل من العالم الخارجي، وإنما اتفاق دولي على مجموعة جديدة من القواعد التي تناسب، ليس مصالح الولايات المتحدة وحلفائها فحسب، ولكن أيضاً مصالح لاعبين دوليين كبار آخرين».

ويعتقد لوكنْ أيضاً أن الأزمة الأوكرانية سرّعت التقارب الروسي الصيني، حيث دفعت موسكو إلى البحث عن فرص اقتصادية في الصين عقب العقوبات الغربية. وبدورها، دفعت جهودُ الصين الرامية إلى تطوير منظومة أسلحة فائقة التقنية، قصد التصدي للتفوق العسكري الأميركي الفائق، بكين إلى السعي وراء مزيد من المساعدة الروسية.

غير أنه إذا كان لوكنْ يصف ما يحرك روسيا والصين، فإنه من اللافت أن أياً منهما لم يحدِّد بوضوح نوع التغييرات التي تسعيان وراءها من أجل جعل عالم ذي مراكز قوة متعددة أكثر عدلاً وإنصافاً. وبالتالي، فإن ما ستفعله مراكز القوة تلك، إنْ كان لها ما تريد، يظل غير معروف.

محمد وقيف

الكتاب: الصين وروسيا.. التقارب الجديد

المؤلف: ألكسندر لوكن

الناشر: بوليتي

تاريخ النشر: 2018

نقلا عن جريدة الاتحاد: التقارب الروسي الصيني.. «زواج مصلحة» أم تحدٍ لواشنطن؟