كان وجود تنظيم داعش الإرهابي وانتشاره في العراق السبب الرئيسي والحجة الواهية للنفوذ الإيراني في العراق من جهة، والقضاء على الجهات والأحزاب والمكونات العراقية الرافضة للاحتلال الإيراني للعراق وخاصة المكونات السنية، فصناعة إيران لتنظيم داعش الدموي ودعمه للانتشار في المناطق التي لا تخضع للحكومة العراقية الموالية لإيران مهدت أرضية صالحة وخصبة للحرس الثوري بأن يكون له موطئ قدم في هذا البلد العربي، ومن الواضح جدا أن العراق وثرواته كان ولا يزال هدفا تطمح “إيران” لاختراقه حتى بعد الحرب التي استمرت ثمان سنوات، ما جعل الإيرانيون يساندون القوات الأميركية بكل قوة وإمكانية لغزو العراق وإسقاط النظام العراقي السابق، لتقدم الولايات المتحدة العراق فيما بعد لإيران على طبق من ذهب.

بدأت السياسة الإيرانية تجاه العراق بالسعي والعمل إلى تهميشه من الداخل، وبقيت تترصد العراق وتبحث عن طريق للدخول وإحداث شرخ في المجتمع العراقي وخاصة المجتمعات الشيعية، وكشفت العديد من الأوساط الإعلامية العراقية عن تحركات إيرانية مشبوهة منذ سقوط النظام العراقي السابق، هدفت إلى إنشاء مكاتب ومرجعيات ونشر عناصر من فيلق القدس والتجسس وتنفيذ عمليات إرهابية واغتيالات ضد الجهات والشخصيات التي كانت رافضة لأي تواجد إيراني على الأرض العراقية، حتى استطاعت إيران أن تحكم سيطرتها شبه الكاملة على الحكومة العراقية وعلى قوى اللادولة، وهي الميليشيات والأحزاب التي تعمل خارج إطار الدولة العراقية وولاؤها لإيران أشد من ولائها للعراق.

واعتمدت الخطة الإيرانية على شراء الممتلكات بالوكالة وبأسعار باهظة مع تقديم دعم مالي لمؤسسات ما يسمى بالمجتمع المدني لنشر ثقافة التشيع وفكر الخميني بأساليب ناعمة لسلخ الشباب العراقي عن انتمائهم الديني والوطني الحقيقي، وتضمن المخطط الإيراني تجاه العراق مساع لكسب الشباب ضمن دورات تثقيفية وتدريبية ظاهرها جميل ولكن الهدف الأساسي هو غسل الأدمغة وأدلجتها إيرانيا.

ومن جهة أخرى تبنى ما يسمى بفيلق القدس التابع للحرس الثوري أساليب عنيفة في اختراق المجتمعات العراقية عن طريق نشر الإرهاب والتطرف والاغتيالات والتفجيرات، ثم اتخذ مكافحة الإرهاب الذي نشره هو نفسه في العراق ذريعة للخلاص من أي مكون رافض للتواجد الإيراني في العراق.

وقد شكلت إيران ولا تزال الخطر الأكبر والتهديد الحقيقي للعراق والشعب العراقي، وخطرها فاق خطر التنظيمات الإرهابية أضعافا، والسبب أن إيران هي من نشرت تلك الجماعات على الأراضي العراقية، ويتمثل الخطر الإيراني في تفريس مكونات المجتمع العراقي، والأخطر هو تفريس المذهب الشيعي العراقي والضغط عليه للاعتراف بولاية الفقيه، وهي المرحلة التي لم تصل إليها إيران حتى الآن، ولكنها تكثف جهودها ومساعيها لأجل ذلك، كما قامت ولا تزال إيران بنهب الموارد النفطية العراقية والمتاجرة فيها عالميا وبالسوق السوداء لدعم خزينة الحرس الثوري وأنشطته الإقليمية التخريبية، واعتمدت أسلوب نشر الفوضى والجرائم وترويع المواطنين لدفعهم إلى قبول المشاريع الإيرانية وإخضاعهم لنظرية لا أمان في العراق إلا بالتواجد الإيراني، ما يستدعي بالضرورة تحرك الدول العربية ومنع تفريس شيعة العراق وتدمير مكونات المجتمع العراقي الأصيل، وإيقاف نهب إيران لثروات وخيرات وبترول العراق.

والآن، بدأت إيران بخطة جديدة لمزيد من اختراق العراقيين لضمان تحقيق أهدافها في الانتخابات القادمة، ما جعل إيران اليوم تحشد قواها وتربط أحزمتها وتبذل من الجهود والأموال الطائلة وتشغيل الماكنة الإعلامية الضخمة من أجل تغيير مسار العملية السياسية القادمة وبالصورة التي رسمها ملالي طهران، ولا سيما بعد التقارب الذي حدث مؤخرا بين العراق والدول العربية والخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات التي تعمل جاهدة لأجل إنقاذ العراق العربية من البراثن الفارسية،  إلا أنه وبطبيعة الحال فإن الشعب العراقي رغم ما واجهه من معاناة ومحن وعلى مدى العقدين الماضيين، لا يمكن أن ينخدع أو يستجيب للإملاءات الإيرانية، خاصة بعدما تكشفت حقائق حول دعم إيران للإرهاب في العراق وعملها على نشر الفوضى وعدم الاستقرار.

لذلك فإن  الأصوات العراقية ومن كل الكتل والفعاليات السياسية والشعبية بدأت تعلو محذرة من التدخل والنفوذ الإيراني السلبي الذي يريد تغيير صورة العراق الجديدة ومحاولة ابتلاعه من قبل الملالي، بحيث طالبت وبالدرجة الأولى طرد القوات الإيرانية من العراق كمرحلة أولى وقطع يد الملالي من التدخل في الشأن الداخلي وبأي صورة كانت.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

19 مارس 2018