بنفس السياسة والنهج التي سارت عليها إيران في بناء علاقاتها مع أرمينيا في أزمتها مع أذربيجان حول إقليم “قره باغ”، تسير سياسة طهران الحالية في تعاملها مع قطر في أزمتها الراهنة مع الدول العربية، حيث سعى النظام الإيراني إلى إقامة علاقة وشراكة استراتيجية مع أرمينيا المسيحية ودعمها دعما تاما ضد أذربيجان الإسلامية، والسبب هو إبقاء النزاع قائم في منطقة القوقاز على اعتبار أن أي صراع أو أزمة أو حتى حرب يعتبر مغذ أساسي للنفوذ الإيراني والمشروع الصفوي التوسعي، فضلا عن القلق الإيراني من الحركات الأذرية الإنفصالية التي طالما دعمتها أذربيجان، إضافة إلى المخاوف الإيرانية من أي نفوذ لتركيا الداعم الأساسي لأذربيجان.

إن سياسة إيران تجاه دول منطقة القوقاز، وما أنتجتها من محددات للسلوك الإيراني تجاه ملفات هذه المنطقة وعلى رأسها إقليم “قره باغ” يوضح النوايا الإيرانية الحقيقية وسياسة طهران المجردة من أي إلتزام بالقوانين الدولية والبعيدة كل البعد عن قوانين احترام الجار، لتؤكد هذه السياسة العرجاء أن النظام الإيراني على استعداد تام لأن يضع يديه بيد الشيطان من أجل إبقاء هذه المنطقة تحت تأثير الأزمات والمشاكل التي يتغذى عليها أخطبوط التمدد الإيراني، فقد اختار نظام الملالي الذي يتخذ من الدين الإسلامي غطاء لنشاطه التخريبي أن يدعم أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان وتركيا الإسلامية، واستغلال أرمينيا لمناكفة هاتين الدولتين وتمكين إيران من هيمنتها على هذه المنطقة.

هذه السياسة يمارسها النظام الإيراني حاليا بحذافيرها تجاه الأزمة بين النظام القطري والدول العربية والخليجية، فقد اختار دعم نظام الحمدين الداعم للإرهاب والجماعات المتطرفة ضد مواقف الدول المقاطعة، والسعي لإطالة عمر هذه الأزمة لأهداف سياسية توسعية واقتصادية ربحية، فالهدف الأساسي من دعم إيران للنظام القطري هو خلق شرخ في المنظومة العربية والخليجية واستغلال قطر كأداة لمد النفوذ الإيراني في المنطقة، وقد تحقق لطهران بعض ما تريد من خلال إقامة قواعد عسكرية وأمنية في قطر، وغرف عمليات في المياه الإقليمية لقطر، إضافة إلى ما بدأت تعمل عليه المؤسسات الإيرانية التابعة للحرس الثوري من نشر التشيع والفكر الخميني بين الأوساط والجاليات العربية المقيمة في قطر تحت غطاء تعليم اللغة الفارسية.

وكما هو التخطيط الإيراني في سرقة ثروات بحر قزوين والهيمنة عليها، تسعى إيران في تدخلها في الأزمة القطرية إلى جانب نظام الحمدين إلى سرقة أكبر قدر من الغاز من الحقل المشترك بينها وبين قطر في الخليج العربي، والتي لم تستطع إيران بسبب العقوبات المفروضة عليها وتخلفها تكنولوجيا أن تستفيد من هذا الحقل، فلجأت إلى استغلال الأزمة الخليجية الراهنة بمقايضة النظام القطري على حصة من الأموال التي ينتجها هذا الحقل، إضافة إلى تقديم الدوحة الدعم اللازم لأذرع إيران وعلى رأسها حزب الله في لبنان والحوثي في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق، مقابل تلقي تنظيم الحمدين للدعم الإيراني في أزمته الراهنة.

لقد علم النظام الإيراني بسبب اختراقه الأمني المستمر للدوحة، وتحويلها إلى مركز تجسس على قطر وعلى الدول الخليجية، أن النظام القطري يحمل منذ زمن أجنداته السرية وأهدافه الخبيثة وأحقاده غير المبررة ضد الدول العربية وخاصة الخليجية، فوضع سياسة خاصة تهدف إلى استقطاب النظام القطري وتحويله إلى أداة إيرانية في منطقة الخليج العربي على غرار الاستغلال الإيراني للعلاقات مع أرمينيا بهدف مد النفوذ الإيراني في منطقة القوقاز ومحاولة السيطرة على ثروات بحر قزوين، وتم بالفعل استنساخ السياسة الإيرانية تجاه أرمينيا وتفعيلها تجاه قطر في أزمتها الراهنة مع الدول العربية على أن تسير في نفس الاتجاه ومن أجل نفس الأهداف الإيرانية التوسعية والتخريبية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 مارس 2018