محاور الدراسة

العلاقات بين إيران وأرمينيا وتاريخها

العلاقات الاقتصادية

العلاقات السياسية

العلاقات العسكرية والأمنية

العلاقات الثقافية والعلمية

ملفات الخلاف بين إيران وأرمينيا

ملفات الاتفاق بين إيران وأرمينيا

مدخل

منذ استقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 حتى الآن لم تشهد العلاقات بين إيران وأرمينيا أي شائبة أو توتر يذكر، ويمكن وصف العلاقة التي تجمع إيران وأرمينيا بشكل عام بالعلاقة الثنائية التي تجمع دولتين جارتين استندت الروابط بينهما إلى أسس ثقافية وسياسية وتاريخية استمرت لفترة طويلة قائمة على أساس الاحترام المتبادل.

وبعد الإعلان عن استقلال أرمينيا في تاريخ 21 سبتمبر 1991م، كانت إيران من أول الدول في العالم التي اعترفت بأرمينيا، وكان ذلك في 25 ديسمبر 1991م، بعد ذلك أقام كلا البلدين علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية، وكان من بين العناصر التي ساهمت في تعزيز العلاقات بين البلدين العوامل الاستراتيجية والاقتصادية بالإضافة إلى العلاقات الودية بين الدولتين، والأهم من ذلك كله حاجة البلدين الجيوسياسية لبعضهما البعض، والتي سنتناولها آتيا، ولا تزال تحافظ أرمينيا على علاقات متينة مع جارتها إيران ولا سيما في القطاع الاقتصادي على الرغم من جمودها وثبوتها على مستوى معين خلال السنوات الأخيرة الماضية بسبب العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية التي كانت مفروضة على طهران قبل توقيع الاتفاق النووي بداية عام 2016.

وبعد الاتفاق النووي تطورت العلاقات السياسية والدبلوماسية سريعا بين إيران وأرمينيا، ووجد كل طرف مصلحته السياسية والاقتصادية مع الآخر ضمن معادلة العلاقات الإقليمية، الأمر الذي دفع بكل قوة باتجاه تطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين، وهو ما أثار قلق أذربيجان وحليفتها تركيا المعاديين لأرمينيا.

تشترك أرمينيا مع إيران بحدود يبلغ طولها نحو 35 كم، فضلا عن وجود أكثر من 200 ألف نسمة من أصول أرمينية في إيران، الأمر الذي يجعل منهم عاملا مؤثرا في الوسط الإيراني، ما جعل إيران تسعى منذ استقلال أرمينيا إلى بناء علاقات جيدة معها، وذلك من خلال جهودها الصورية للتوسط في حل النزاع بين أذربيجان وأرمينيا حول أقليم “ناجورنو كاراباخ”، ومن هذه الجهود زيارة وزير خارجية إيران علي أكبر ولايتي العاصمة الأرمينية “يريفان” عام 1992، وقد أسهمت هذه القضية في زيادة التقارب الإيراني الأرميني، بحسب ما تمليه المصالح الإيرانية.

ومن ثم سعت إيران جاهدة للمحافظة على علاقات قوية وثابتة مع أرمينيا بهدف الضغط على أذربيجان، وذلك ردا على تدخل أذربيجان في شؤون الأذرييين في شمال إيران، ولا تزال إيران وأرمينيا يشتركان بهواجس إقليمية أمنية وعلى رأسها نشوء جبهة أو كتلة تركية أذربيجانية تهدد التواجد الإيراني الأرمني في المنطقة.

ورغم اختلاف النظام السياسي والتباين الكبير بين إيران وأرمينيا (إيران دولة كبيرة يحكمها نظام إسلامي شيعي، بينما أرمينيا دولة مسيحية وصغيرة)، فقد حرصت كلا الدولتين على تعزيز العلاقات والتعاونات بينهما، وبالاتجاهات التي تساعد في تعزيز علاقاتهما السياسية والاقتصادية والأمنية، وتوسيع نفوذهما في منطقة القوقاز، وقد أسهمت بعض المتغيرات في دعم هذا التوجه، وخاصة بعد موافقة أذربيجان عام 1999 على السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية لها على أراضيها، إضافة إلى التعاون العسكري المتنامي بين تركيا وإسرائيل والذي بدأ منذ عام 1996، وإعلان أذربيجان استعدادها لحضور المناورات العسكرية المشتركة بين تركيا وإسرائيل وبصفة مراقب.

كما انعكس التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا في منطقة القوقاز بشكل واضح على العلاقات بين إيران وأرمينيا، وقد اتضح ذلك في ميل الولايات المتحدة المتزايد باتجاه أذربيجان، الأمر الذي دفع أرمينيا إلى تعزيز وتوسيع علاقاتها مع الدب الروسي وإيران، وبناء على ذلك قام الرئيس الأرميني روبرت كوتشاريان عام 2001 بزيارة إلى إيران أسهمت هذه الزيارة في تعزيز التقارب بين البلدين وخاصة في الجوانب الاقتصادية.

ازداد التقارب بين البلدين بعد مجيء الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة عام 2005، وأرسلت أرمينيا وفدا رسميا إلى إيران من أجل مناقشة ملف إقليم ” ناجورنو كاراباخ” مع طهران التي وعدت بدورها أرمينيا في حل هذه القضية والعمل على إيجاد سبل تتيح الوصول إلى حل يرضي الطرفين (أرمينيا وأذربيجان)، مقابل أن تقوم أرمينيا بمساعدة إيران على إخماد الحركات الأذرية الانفصالية في المنطقة، فضلا عن متابعة الحركات السياسية الأذرية المعارضة.

تعتبر أرمينيا حاليا الشريك الاستراتيجي الوحيد لإيران في منطقة جنوب القوقاز، وهذه الشراكة الاستراتيجية جاءت كنتيجة حتمية للمنافسة والصراع بين أرمينيا من جهة وأذربيجان وتركيا من جهة أخرى، فضلا عن التوتر المستمر بين إيران وأذربيجان على خلفية مساندة أذربيجان لأي حركة أذرية إنفصالية في الداخل الإيراني.

وقد جاءت أهمية هذه الشراكة من قبل أرمينيا في أنها ترغب في تخفيض حجم اعتمادها على إمدادات الطاقة من روسيا عبر الأراضي الجورجية، ولا سيما بعد أن رفعت روسيا أسعار الغاز بعد عام 2007، كما أن هذه الشراكة تعزز موقف أرمينيا من ملف إقليم قره باغ من خلال الحصول على الدعم الإيراني.

أما بالنسبة لإيران، فإنها تنظر إلى هذه الشراكة وتسعى إلى تعزيز علاقاتها مع أرمينيا من منظور أمني، وهو محاولة منع انتشار النفوذ السياسي والعسكري الأميركي في منطقة جنوب القوقاز، إلى جانب ذلك فإن هذه الشراكة تسهم إلى حد كبير في تعزيز مواقف كل من إيران وأرمينيا أمام أذربيجان وتركيا في المنطقة.

تاريخ العلاقات بين إيران وأرمينيا

تقول الدراسات الإيرانية أن تاريخ علاقة الشعبين الإيراني والأرميني تعود إلى زمن بعيد يزيد عن 2700 عاما، وقد تأثروا بلغة وثقافة وعادات وتقاليد بعضهم البعض، لدرجة أنهم أصبحوا في عدة فترات زمنية كأنهم قومية واحدة، ولكن يمكن اعتبار أوائل القرن السابع عشر العصر الذهبي للعلاقات بين الشعبين، حين هاجر الأرمن إلى داخل إيران واستقروا في منطقة “جلفا” في أصفهان، المكان الذي تم تأسيس فيه أول مطبعة في الشرق الأوسط، وبعد قدوم الأرمن إلى أصفهان أصبحت هذه المدينة من المراكز المهمة للتجارة الداخلية والخارجية لإيران، وبالنظر إلى الدور السياسي والاقتصادي الذي لعبه الأرمنيون، فقد منحهم الملوك الصفويون بعض الامتيازات والحقوق، ووفقا للدراسات الإيرانية التاريخية فإن ناصر الدين شاه قاجار كان يعتبر دور الأرمنيين في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لإيران بالدور المهم، وفي ذلك الوقت كان عمل الأرمنيين المقيمين في القرى هو الزراعة وتربية الحيوانات والبستنة، أما المقيمين في “جلفا” أي في أصفهان فقد كان عملهم خاص بالتجارة والبيع والشراء.

ونظرا لاعتبار أرمينيا مفترقا للطرق وتصل آسيا بأوروبا، عمد التجار الأرمنيون على نقل وتصدير البضائع من الدول الآسيوية إلى أوروبا، وكذلك جلب مصنوعات ومنتوجات أوروبا إلى آسيا، ومن أجل تنظيم تجاراتهم شكلوا العديد من الشركات التجارية في أصفهان، وكان الشاه عباس يستخدم التجار الأرمنيين في تصدير الحرير الإيراني، وكان للأرمنيين دور كبير في توسيع التجارة الإيرانية وخاصة تجارة الحرير.

ومن أبرز التجار الأرمنيين الذين قدموا لأصفهان كان “شاهریمانیان” الذي أنشأ شركة تجارية ساهمت في تنشيط الحركة التجارية في أصفهان، ومن بعده نجله “زاکار شاهریمانیان” الذي كان له نشاط في تجارة جلفا الأصفهانية.

وفي عام 1660 ميلادي، زار “زاکار شاهریمانیان” موسكو على رأس وفد من التجار ورجال الأعمال، وأهدى القيصر ألكسي الأول الروسي مجوهرات ثمينة، وبعد إجراء عدة محادثات مع الجانب الروسي، استطاع “زاکار شاهریمانیان” الحصول على تصريح من روسيا يسمح للتجار الأرمنيين بنقل بضائعهم إلى أوروبا عن طريق روسيا.

يجب الإشارة هنا إلى أن أرمينيا كانت تعتبر لفترة طويلة من الزمن أنها جزء من الأراضي الإيرانية، وحتى أن ثقافة الشعب الأرميني تأثرت بشكل كبير بالثقافة الإيرانية، فمثلا خلال العهد القاجاري كانت أرمنستان (أرمينيا) جزء من إيران إلا أنها انفصلت من خلال معاهدة “ترکمانجاي” وانضمت إلى روسيا، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أصبحت أرمينيا دولة مستقلة، وهذا يعني أن الثقافة والعلاقات الإيرانية متجذرة وقوية بين إيران أو بلاد فارس وأرمينيا.

وبعد ذلك، شهدت العلاقة بين أرمينيا وكلا من تركيا وأذربيجان توترات وخلافات، بينما كانت علاقتها مع إيران دافئة وتتجه نحو التطور.

واستمرت العلاقات بين إيران وأرمينيا تسير نحو التطور الممزوج بدعم إيران لأرمينيا، وخاصة في كل فترة تشتد فيها الخلافات بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تقدم إيران الدعم ولو ضمنيا لأرمينيا على الرغم من إعلانها الحياد تجاه مثل هذه الخلافات.

وما يجعل تعزيز العلاقات بين البلدين أمرا محتوما، فرضية عدم وجود بديل أمام أرمينيا سوى تعزيز علاقاتها مع إيران، فأرمينيا بسبب توتر علاقاتها مع أذربيجان بسبب صراع مرتفعات “قرة باغ”، ومع  تركيا بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها ضد الأرمنيين في عهد الأمبراطورية العثمانية، لا تستطيع استخدام حدود هذه الدول من أجل النقل والحركة، وإذا أرادت استخدام حدود جارتها الشمالية جورجيا، فإن النزاعات الإقليمية ستخفق هذا المشروع، من هذا المنطلق أصبح من الضروري لدى أرمينيا تعزيز علاقاتها مع إيران لاستخدام حدودها المشتركة والتي تبلغ نحو 42 كم.

 ويمكن القول أن أرمينيا بسبب مشاكلها الجيوسياسية أصبحت بحاجة ماسة للوقود والبضائع الإيرانية، وكذلك استخدام الأراضي الإيرانية لاستيراد وتصدير البضائع وأيضا من أجل الوصول إلى المياه والبحار المفتوحة، وبحكم عدم وجود منافذ بحرية لها، إضافة إلى العداء أو على الأقل عدم الصداقة مع الدول المحيطة بها، وأيضا اختلاف مذهبها مع مذاهب الدول المجاورة، ووجود أعداد كبيرة من الأرمنيين المهاجرين لا سيما في إيران، ازدادت حاجتها إلى توسيع العلاقات مع طهران، ما دفع الأخيرة إلى استخدام سياسة استغلالية مبنية على المصالح الإقليمية كاستخدام أرمينيا كورقة ضغط على منافسي إيران الإقليميين مثل تركيا، وتنظر إيران أيضا لأرمينيا على اعتبارها الخط أو المسار البديل عن روسيا في الوصول إلى أوروبا اقتصاديا وتجاريا.

العلاقات السياسية

بعد اعتراف إيران باستقلال أرمينيا في 25 ديسمبر عام 1991، تبادلت الدولتان إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1992، وحينها تطورت العلاقات السياسية والدبلوماسية الرسمية بين الطرفين بشكل متسارع، وفي نفس العام، وقع البلدان على اتفاقية ثنائية، بهدف مد خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي بينهما، وتم الانتهاء من تمديده في الجهة الإيرانية في عام 2007، وفي يونيو 2016 وقع الطرفان اتفاقية لإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين.

النقطة الأبرز والأهم في تعزيز وتحريك العلاقات بين إيران وأرمينيا هي “الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان” حول إقليم “قره باغ” المتنازع عليه بينهما، حيث اعتمدت إيران في تعزيز علاقاتها على الوقوف إلى جانب أرمينيا في هذه الأزمة ضد أذربيجان والداعم الأساسي لها تركيا، رغم أن إيران أظهرت في الوهلة الأولى مرارا أنها تحاول التوسط بين الطرفين لحل الأزمة، وأن طهران لا تريد خسارة أحد الأطراف، لكن بالتعمق بشكل أكثر في المواقف الإيرانية وسياسة طهران تجاه هذه الأزمة، يتبين بوضوح أن إيران مالت بل ودعمت المواقف الأرمينية واصطفت إلى جانب أرمينيا لعدة اعتبارات أهمها:

أولا: أن إيران كانت ولا تزال تسعى إلى وقف النفوذ الإيراني في منطقة القوقاز، ودعم إيران لأرمينيا كان مهما للغاية من أجل مناكفة حليف تركيا وهي جورجيا.

ثانيا: أن يريفان شريك اقتصادي مهم بالنسبة لطهران، حيث تحتاج أرمينيا إلى النفط الإيراني، بينما على العكس من ذلك فإن أذربيجان تنافس إيران على بيع النفط.

ثالثا: إن الدعم الإيراني لأرمينيا يستند إلى جذور تاريخية، ويعتبر شعب أرمينيا من بين الأقوام الذين عاشوا منذ زمن طويل جوار الفرس، وكان لديهم علاقات قريبة فيما بينهما.

رابعا: أن إيران بدعم أرمينيا تريد أن تضعف تحالف أذربيجان مع تركيا، وخاصة أنه منذ استقلال أذربيجان سعت مع تركيا إلى الترويج لمشروع الجامعة الطورانية، الذي كان يعتبر نجاحه إنهاء التواجد الإيراني في المنطقة بشكل كلي.

خامسا: أن أرمينيا تعتبر إيران عنصرا داعما مهما لها في ظل محاصرتها من الشرق بأذربيجان ومن الغرب بتركيا المعاديتين لها، كما تحاول طهران من خلال توطيد علاقاتها بيريفان منع واشنطن وتل أبيب من إحاطة طهران بشبكة قوية من العلاقات مع دول منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

سادسا: أن إيران تنظر إلى جمهورية أرمينيا على أنها بوابتها لدخول أسواق أوراسيا ذات الـ180 مليون نسمة.

ثمة محددات للسياسة الخارجية الإيرانية تجاه أرمينيا ودول القوقاز تستند عليها التوجهات الإيرانية، وهي: المحدد أو العنصر الاقتصادي القائم على موقعها دولة ترانزيت، والمحدد السياسي في مواجهة النفوذ الإقليمي والدولي المنافس لإيران، وفي الضغط على أذربيجان، إضافة إلى المحدد الروسي.

أي أنّ قيمة أرمينيا في السياسة الإيرانية قائمة على العنصر الإقليمي، لا الذاتي، وخصوصاً أنّ مصالح إيران داخل أرمينيا تبقى محدودة بعيداً عن هذه المحدِّدات، لأسباب عديدة أهما:

–        صغر مساحتها، ومحدودية ثرواتها الباطنية.

–        ضعف عدد سكانها، وصعوبة اختراقها بالتبشير المذهبي الشيعي.

–        إضافة إلى عدم التناسق السياسي والاقتصادي والعسكري والديني والعرقي بين الدولتين، حيث تميل الموازين العسكرية والاقتصادية لصالح إيران بشكل كبير، ما يجعلها دولة نفوذ أكثر منها علاقات ثنائية متكافئة بين الطرفين.

أما المحدد السياسي، فإنه يتمثل في العناصر التالية:

تشهد منطقة القوقاز تنافساً بين خمسة قوى أساسية على مدّ النفوذ فيها (روسيا، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، إسرائيل). حيث أنّ للولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل نفوذاً في كلّ من جورجيا وأذربيجان، مقابل نفوذ روسي واسع في أرمينيا وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وقد استفادت إيران من تقاربها مع روسيا لمحاولة مدّ نفوذها إلى أرمينيا.

وقد شهدت علاقات إيران بأذربيجان عدّة محطات من التوتر، عدا عن إغلاق أذربيجان في وجه النفوذ الإيراني في فترات سابقة، مع ارتباط أذربيجان عرقياً وسياسياً بتركيا، وأمنيا واستخباراتياً بإسرائيل، وسياسياً بالولايات المتحدة، ما دفع إيران إلى توظيف علاقتها مع أرمينيا للضغط على أذربيجان.

وفي ذات الإطار، سعت إيران لاتخاذ موقف محايد-علنياً- من النزاع حول إقليم ناغورني كاراباخ، مع دعم ضمني لأرمينيا، بهدف المحافظة على استمرارية النزاع بوتيرة منخفضة، تدفع إلى إشغال أذربيجان ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية منافسة لها، أو من تعزيز أمنها واستقرارها.

كما يعود سبب دعم إيران –الضمني- لأرمينيا في نزاعها مع أذربيجان، خشية أن يؤدي استقرار وازدهار أذربيجان إلى تشجيع القومية الأذرية داخل إيران على الانفصال والالتحاق بأذربيجان (جنوبي آزربيجان مللي أزادلك حركتي/ حركة التحرر القومي لجنوب أذربيجان)، وخصوصاً أنّ هذه القومية تشكّل أكثر من 25-30% من سكان إيران، مقابل 150-200 ألف أرمني، ويترافق ذلك مع إقرار حقوق الأرمن الثقافية واللغوية والدينية في إيران، فيما تغيب عن الأذريين وباقي القوميات داخل إيران .

كما لم تستطع إيران الاستفادة من انتماء الأكثرية الأذرية إلى المذهب الشيعي، حيث لا تتبع الولي الفقيه دينياً، في ظلّ نظام سياسي علماني، ما شكّل ضغطاً وتحدياً على إيران، دفعها إلى موالاة أرمينيا، كأحد أساليب المناكفة والضغط السياسي.

وفي هذا السياق، صرّح السكرتير العام لمؤتمر أهل البيت العالمي آية الله محمد خلال زيارته لإيريفان قائلًا إن: “إيران وأرمينيا قوم واحد ودولتان”. وذلك رداً على تصريح سابق لأردوغان باعتبار تركيا وأذربيجان “شعب واحد في دولتين”.

كما تتطلع أرمينيا إلى إيران، لمساعدتها في التحوّل إلى دولة سد/مانع مهم في وجه الوحدة الكاملة بين الحركتين القوميتين التركيتين: الأولى في قلب الأناضول، والثانية في الأجزاء الإسلامية من جنوب القوقاز، في ظلّ بروز نظرة مناطقية جديدة، تنظر إلى أرمينيا باعتبارها عاملاً يساعد في تأمين المصالح الوطنية الإيرانية، ومانعاً أمام تعاظم التحولات التي تهدّد سيادة إيران ووحدة أراضيها في المدى البعيد، عدا عن تطلعها إلى الاستفادة من علاقتها بإيران لفكّ العزلة الإقليمية عنها، والانخراط في التجارة العالمية.

وثمة عوامل دفعت إيران وأرمينيا إلى توسيع العلاقات السياسية والدبلوماسية بعد استقلال أرمينيا عام 1991، ويمكن تقسيم العوامل إلى ثلاث مجموعات:

أولا: العوامل الاستراتيجية، ويمكن وصفها هنا بإحساس الطرفين بالعزلة الدولية، فإيران عانت من عزلة وحظر فرضه المجتمع الدولي عليها منذ مجيء النظام الإيراني الحالي، وأسفر هذا الحظر والعقوبات عن تبني إيران لسياسة كسر العزلة باختراق هذا الحظر بإقامة علاقات مع دول لها نفس المعاناة، وفي المقابل تشعر أرمينيا بعزلة جراء التوترات مع الدول المجاورة لها خاصة تركيا وأذربيجان، ولذلك ترى إيران أرمينيا شريكة لها في الشعور بالعزلة ويمكن تبادل عدة أدوار لتخفيف هذه العزلة وكسر الحظر قدر الإمكان.

ثانيا: عوامل جغرافية: حيث يساعد وجود حدود مشتركة بين البلدين تبلغ 42 كلم على تحقيق الهدف الإيراني في إيجاد بديل عن روسيا في تواصلها مع الدول الأوروبية، وكذلك يمكن لأرمينيا أن تجد منفسا لها عن طريق إيران إلى المنافذ البحرية واستخدامها ممرا لصادراتها ووارداتها.

ثالثا: العوامل التاريخية، حيث لتاريخ تقارب الشعبين وتأثرهما في ثقافات وعادات وتقاليد بعضهما البعض دور في تشجيع الطرفين على تبني أكبر قدر ممكن من البرامج والخطط التي تسعى إلى تطوير العلاقات وخاصة السياسية والاقتصادية.

وتعتبر إيران أرمينيا بوابة لها للدخول إلى العالم المسيحي، كما تعتبر أرمينيا إيران أيضا بوابة لها للدخول للعالم الإسلامي والشرق الأوسط بعد توتر علاقاتها مع تركيا وأذربيجان، وما يعزز العلاقات بين البلدين أيضا عدم وجود أي حزب أو تكتل سياسي في كلا الدولتين لا يرغب في تطوير العلاقات مع الطرف الثاني، فكافة التيارات السياسية في إيران لا ترى أي مانع في تطوير العلاقات مع أرمينيا، وكذلك أرمينيا

يتواجد فيها نحو 36 حزبا سياسيا جميعهم يتفقون على ضرورة تطوير العلاقات مع طهران، وهذه الميزة تعتبر عاملا سياسيا مهما في تطوير العلاقات بين أي دولتين.

أما بالنسبة للعنصر أو المحدد الروسي، فإن له أدوار تشجيعية وتثبيطية لإيران في أرمينيا، وذلك من خلال ما يلي:

فيما تعتمد السياسات الإيرانية تجاه منطقة الشرق الأوسط (العالم العربي تحديداً)، على اعتبار أن فراغاً استراتيجياً قائماً فيه، تسعى –وسواها من القوى- إلى ملئه، فإنّ هذا الاعتبار يغيب عن دول منطقة القوقاز، حيث تعتبر بالأساس منطقة نفوذ سوفييتي سابق، تسعى روسيا إلى إعادة فرض نفوذها فيها، وخصوصاً في أرمينيا والدولتين المقتطعتين من جورجيا (أبخازيا، أوسيتيا الجنوبية)، في مواجهة القوى المنافسة الأخرى، وتحديداً في مواجهة الولايات المتحدة.

ويشكل هذا العامل تحديا أما النفوذ الإيراني في دول المنطقة، حيث لا تسمح روسيا لإيران بتجاوزها في هذه الدول، ويبقى الدور الإيراني منوطا بالموافقة والهوامش التي تتيحها روسيا في أرمينيا، في ظل نفوذ عسكري واقتصادي روسي واسع فيها، كما ترى إيران أن التواجد الروسي في أرمينيا يصب نهاية في مصلحتها وأمنها القومي كون التواجد الروسي في أرمينيا يطمئن طهران من مد النفوذ التركي والأذربيجاني في منطقة القوقاز.

إذ أدى انضمام أرمينيا إلى “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” إلى جعلها خاضعة لسوق واحدة تديرها روسيا، في حين أن عضويتها في “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، وهو تحالف يضم ستة بلدان من الاتحاد السوفياتي السابق، زاد من اعتمادها العسكري على موسكو. فيما يتركز التوسعّ العسكري الروسي الحالي في أرمينيا على القواعد الروسية في غيومري وأريبونى. ونشرت بعد عام 2010، الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والدفاعية في أرمينيا، كما نشرت سرباً من الطائرات المقاتلة “ميج 29″، وبضعة آلاف من الجنود، والمدرعات الثقيلة، وأنظمة الدفاع الجوية والصاروخية بعيدة المدى من طراز “إس-300 في”، إلى جانب الدفاعات الجوية متوسطة المدى من طراز “إس إي-6”.

ومن غير المحتمل أن تقوم روسيا بفك قبضتها على أرمينيا عن طريق السماح بمضي مشاريع البنية التحتية الإيرانية الكبرى في مجال الطاقة قدماً، إلا إذا سمحت إيران بمشاركة روسيا فيها بشكل معتبر. كما تعمل روسيا على الحدّ من تدخلات إيران في قضية ناغورني كارباخ، الأمر الذي يتوقّع تقرير لمعهد بروكينغز الأميركي أن يُنتِج توتراً جديداً في جنوب القوقاز، وهو ما تتابعه تركيا، عن كثب وأيضاً يرى خبراء أنّ على السعودية والولايات المتحدة أن تراقباه أيضاً؛ لأنه سيكون مصدر قلق كبير إذا ما تمكّنت إيران من بسط نفوذها وتدخّلت على طريقتها في هذه المنطقة الجغرافية السياسية التي تقع على حدود أوروبا الشرقية وجنوب غرب آسيا.

أما الدور التشجيعي لروسيا، فيظهر من خلال سعي كل من روسيا وإيران لتسهيل عمليات الانتقال البري بينهما، وخاصّة النقل البري العسكري، مع تقاطع مصالحهما في منطقة الشرق الأوسط، وحاجة الطرفين إلى تعزيز تعاونها العسكري. غير أنّ وجود جورجيا –وأذربيجان- حاجزاً برياً ما يزال يعيق تحويل أرمينيا إلى دولة عبور عسكري روسي نحو إيران، لذا مازال الطرفان يعتمدان على النقل الجوي والنقل البحري عبر بحر قزوين.

حيث يعمل الطرفان على تأمين طريق بديل للجنود الروس إلى سورية، وقد رصد مركز ستراتفور في العامين الماضيين، عن كثب، شبكة متوسِّعة من مشاريع الطرقات والسكك الحديدية الروسية والإيرانية حول بحر قزوين وعبر جبال القوقاز.

ورغم قوة العلاقات السياسية بين إيران وأرمينيا، والتي يمكن وصفها بالشراكة الاستراتيجية، فإن الانتقادات والاتهامات الموجه ضد إيران من قبل المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة، جعلت بعض القيادات السياسية الأرمينية ترى أنه من الأفضل الحد من العلاقات مع إيران، وعدم الظهور بالشكل التي تبدو فيه أرمينيا حليفة لإيران، لكن في الوقت ذاته تؤكد قيادات عسكرية أرمينية على أهمية وضرورة إبقاء العلاقات مع إيران، وخاصة بعد فشل المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم قره باغ وتجدد الاشتباكات والعمليات العسكرية بين البلدين.

ولأهمية العلاقات بين البلدين ودعما لتعزيزها، قام الرئيس الأرمني “روبرت كوتشاريان” عام 2006 بزيارة إلى إيران، التقى خلالها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي أكد أن بين إيران وأرمينيا تعاونا جيدا بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وأعرب نجاد عن أمله في أن تؤدي زيارة الرئيس الأرميني إلى طهران في تطوير وتوسيع العلاقات الثنائية في كافة المجالات، وقال نجاد: إن إيران ترحب بتنمية العلاقات مع أرمينيا في شتى المجالات بما فيها النقل والقطاع الثقافي والرياضي والسياحي وفي قطاع الطاقة أيضا، وأشار نجاد إلى أن البلدين عقدا ست دورات للجنة التعاون الثنائي، كما تم التوقيع على وثائق جديدة خلال زيارة الرئيس الأرميني إلى طهران، وأكد نجاد أيضا على ضرورة الاستفادة من الإمكانيات المتاحة لإقرار التعاون الشامل بين البلدين في شتى المجالات.

أما الرئيس الأرميني فقد أعرب عن ارتياحه لزيارة طهران، وقال إن إيران وأرمينيا تتمتعان بعلاقات متطورة، حيث وقعتا حتى الآن على تسعين وثيقة للتعاون المشترك بين البلدين، كما ويجب اعتماد خطوات جديدة لتحقيق نتائج عملية، ووجه الرئيس كوتشاريان الدعوة لنظيره نجاد لزيارة أرمينيا لافتتاح المشاريع المشتركة، مؤكدا رغبة بلاده في تطوير العلاقات مع إيران في كافة المجالات، بما فيها الطاقة والنقل وخاصة ربط شبكة خطوط السكك الحديدة وزيادة حجم نقل الطاقة الكهربائية بين البلدين.

وردا على زيارة الرئيس الأرميني إلى إيران، قام الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد بزيارة أرمينيا في أكتوبر 2007، التقى خلالها بالرئيس الأرميني روبرت كوتشاريان، وأكد نجاد خلال هذه الزيارة على أهمية تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، وقال: إن تنمية العلاقات يخدم مصالح الشعبين والأمن والاستقرار في المنطقة، وأضاف أن تعزيز العلاقات المصرفية والتجارية وعلاقات المحافظات التي لها حدود مشتركة بين البلدين أمر مفيد، وفي هذه الزيارة اتفق الجانبان على افتتاح قنصلية أرمينية في تبريز شمال غرب إيران، بهدف تعزيز التعاون والعلاقات بين الشعبين والحكومتين الإيرانية والأرمينية، كما أكد الطرفان على أهمية تفعيل عمل اللجنة المشتركة بينهما، وذلك من خلال تنفيذ الاتفاقيات والمشاريع المشتركة بينهما، ووقع الجانبان على أربع وثائق للتعاون المشترك، من جانبه وصف الرئيس الأرميني علاقات بلاده بإيران بالقوية قائلا: إن إيران كانت دوما شريكا استراتيجيا مهما جدا لنا، وأن العلاقة بين طهران ويريفان قوية جدا، وأشار إلى مشاريع الطاقة الكبيرة والمشتركة بين البلدين.

العلاقات الاقتصادية

تعد العلاقات الاقتصادية الإيرانية – الأرمينية بالنسبة لإيران، الأهم والأبرز في منطقة القوقاز، بسبب الخلاف والتوتر بين إيران وأذربيجان من جهة وبـين أرمينيـا وأذربيجان من جهة أخرى ، فقد التقت مصالح إيران وأرمينيا ، وتعززت العلاقـات الثنائية الإيرانية – الأرمينية ولاسيما الاقتصادية منها وبشكل كبيـر وصـل مرحلـة الشراكة ، نتيجة لخلافاتهما مع كل من أذربيجان وتركيا. وتمكنت إيران منـذ بدايـة عام 1992 من عقد اتفاقية اقتصادية مع أرمينيا ، تضمنت تصدير الغـاز الطبيعـي الإيراني إليها ، ومساعدتها في إنشاء معمل لتكرير النفط وتطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين إبان عقد التسعينات من القرن المنصرم، وفتحت بعد ذلك زيارة الرئيس الأرميني روبرت كوتشاريان إلـى إيـران عـامي

2001و 2006 ، آفاقا جديدة في توسيع هذا التعاون بين البلدين ، فقد وقـع الجانبـان على عدد من المشاريع الاقتصادية المشتركة منها، قيام إيران بإنشاء محطة للطاقـة الحرارية والتخطيط لربطها مع مراكز الإنتاج الإيرانية والذي من شأنه أن يسهم في تعزيز أمن أرمينيا في مجالي الاقتصاد والطاقة. كما اتفق الجانبان على بناء معبـر(كاجران ) جنوب أرمينيا ، والذي سيسهل وبشكل كبير من عملية نقل البضائع والسلع  بين البلدين ويعد مشروع إنشاء خط أنابيب نقل الطاقة وبطول (140 كم ) الرابط بين البلـدين من أهم المشاريع بينهما، لكن ارتفاع تكلفة إنشاءه يعرقل تنفيذه، ومـع ذلـك فـإن المشروع لم يفقد من أهميته، وبقى يحظى باهتمام الجانبان، وازداد هذا الاهتمام بعد موافقة تركمانستان على المشاركة فيها، وتوسيعه ليشمل ( تركمانستان – إيـران –أرمينيا ) ، ويقف أمام هذا المشروع بعض المعوقات، فبالإضـافة إلـى تكاليفـه، تعارض كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية إنشاءه، فروسيا هـي المصـدر الرئيس لإمداد أرمينيا بالغاز الطبيعي، أما الولايات المتحدة الأميركية فترفض إقامـة  أي مشروع للطاقة بين هذه الدول وإيران.

وفي سياق تنشيط الحركة التجارية والتنقل بين البلدين أعربت إيران عن استعدادها لتسهيل إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول إليها للمواطنين الأرمـن، ويركـز الجانبان على توسيع التبادل التجاري بينهما، فإيران بحاجة إلى صداقة أرمينيا لتوفير معبر بديل للنقل إلى روسيا وأوروبا، وأرمينيا بدورها تواجه بعـض المعوقـات فـي طرق تجارتها من قبل أذربيجان وتركيا وهي مهتمة بتأمين هذه الطرق.

وقد أشار الرئيس الأرميني روبرت كوتشاريان إلى أهمية الشراكة الاقتصادية مع إيران ، خلال زيارة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد إلى أرمينيا في تشـرين الأول / أكتـوبر عام 2007 بقوله ” إن إيران كانت دوما شريكا مهما جدا لنا والعلاقات بين طهـران ويريفان قوية جدا …. وأشار إلى المشاريع الكبيرة بين طهران ويريفان وخاصة فـي مجال الطاقة والنقل “وعلى الصعيد ذاته ودعما وتعزيزا للعلاقات الاقتصادية بـين البلـدين، اسـتقبل وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي في العاصمة الإيرانية طهران في تموز هـذا العام 2008 وزير الطاقة الأرميني ورئيس لجنة التقارب المشترك بين إيران وأرمينيا آرمن موسيسيان ، وقد بحث الجانبان العلاقات الثنائية في مجالات الطاقة والمصارف والتجارة والنقل وأهمية تنفيذ المشاريع المشتركة بينهما والجدير بالذكر أن العلاقات الإيرانية – الأرمينية تتأئر بحالة التنافس القائمـة بـين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحاديـة علـى بسـط نفوذهمـا ومصـالحهما الاقتصادية في منطقة القوقاز ، فضلا عن أن كل من أذربيجان وتركيا تشعران بالقلق من الشراكة والتقارب الإيراني – الأرميني ، لكن من المهم الإشارة هنا إلى الشـراكة الإيرانية – الأرمينية حصلت على دعم الاتحاد الأوربي لها ، والذي يحرص بشـكل خاص على دعم مشاريع الطاقة ، ويرى في العلاقات الاقتصادية الإيرانية – الأرمينية عاملا مهما في تيسير الحركة التجارية والنقل بين أوروبا ومنطقة الخلـيج العربـي ،فضلا عن دعم الاتحاد للتقارب بين إيران وأرمينيا يمنح الاتحاد نفوذا موازنا للنفـوذ الأمريكي والروسي في منطقة القوقاز.

تقوم أهمية أرمينيا لإيران، باعتبارها دولة ترانزيت للصادرات الإيرانية باتجاه أوروبا والأسواق الأوراسية بشكل عام، وذلك باعتبارها بديلا عن المعبر التركي، الذي شهد اضطرابات في مراحل مختلفة، وخصوصا مع طموحات إيران بعد رفع العقوبات عنها إلى تصدير الغاز والنفط من جنوب إيران (الأحواز) إلى البحر الأسود ومنه إلى أوروبا برياً بسبب أن التكلفة أقل عبر الأراضي الأرمينية والموانئ الجورجية والبلغارية والناقلات اليونانية، وهو ما تعتبره إيران أقل كلفة سياسية وأمنية، في ظل الاضطرابات التي تحصل في منطقة الخليج العربي، والخشية من تعطل إمكانية التصدير البحري.  الأهم من ذلك أيضا أن إيران تسعى جاهدة إلى محاولة إعادة إحياء طريق الحرير البري بالربط بين الشرق (الهند والصين) وأوروبا عبر أرمينيا وروسيا وجورجيا وأذربيجان، من خلال مجموعة الطرق البرية وسكك الحديد، حيث انتقلت إيران إلى إعادة إحياء خطتها التي وُضِعت قبل عقد من الزمن للارتباط بأوروبا من خلال طريق جديد متعدد الوسائط (ممر الخليج العربي – البحر الأسود)، وقد وافقت إيران وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا وبلغاريا واليونان على مسوّدة خطة لتنفيذ المشروع الذي يُتوقَّع أن ينتهي بحلول أواخر العام الجاري، وضمن هذه التوجهات، كانت أذربيجان قد استضافت الرئيسين الإيراني والروسي في 8 أغسطس عام 2016 في أول قمة ثلاثية تجمع بين الدول الثلاث، توصل فيها القادة إلى اتفاقيات حول عدد من القضايا، انطلاقا من الجهود الرامية إلى تمهيد طريق لتطوير ممر العبور الشمالي- الجنوبي، وصولا إلى تنسيق خطواتهم لمحاربة الإرهاب والتطرف.

وفي المقابل تحتاج أرمينيا إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية مع إيران لاكتساب قيمة تجارية مضافة، ترفع الدخل القومي الأرمني، عبر رسوم العبور، أو رسوم إعادة التصدير، ومنه اكتساب موقع على الخارطة التجارية العالمية بين الشرق وأوروبا، وبتعزيز العلاقات الأرمنية الإيرانية يمكن أن يحول الأراضي الأرمينية إلى طريق تجارة بديلة عن تركيا وأذربيجان، ومنه اكتساب قيمة سياسية مضافة في مواجهة خصميها الإقليميين التقليديين أذربيجان وتركيا.

كما تكسب أرمينيا من توسيع علاقاتها مع إيران تخفيف الارتهان والاعتماد على الجانب الروسي، وكذلك تنويع مصادرها من الطاقة، واكتساب قيمة سياسية مضافة بالحصول على هامش حرية خارج النفوذ الروسي.

وتجدر الإشارة إلى أن أرمينيا تعتمد على الغاز الإيراني رغم استيراد إيران الكهرباء من أرمينيا، وتعتبر إيران من المنظور الأرميني أنها منفسا للاقتصاد الأرميني ونافذة يمكن من خلالها الوصول إلى المنافذ البحرية والأسواق العالمية والخليجية.

وبتتبع حجم التبادل التجاري بين إيران وأرمينيا، فإن المصادر الإيرانية تؤكد عدم تسجيل أو عدم وجود بيانات تخص التبادلات التجارية بين إيران وأرمينيا خلال عامي 2006 و2007، ولكن نلمس زيادة ملحوظة في التعاون الاقتصادي بين البلدين من عام 2008 حتى عام 2010، فمثلا عام 2008 بلغت قيمة الصادرات الإيرانية لأرمينيا 104 مليون دولار وقيمة كل الواردات الإيرانية من أرمينيا 33 مليون و400 ألف دولار، وفي الأعوام المتتالية حتى نهاية عام 2015 لم تشهد التبادلات التجارية بين البلدين نموا أو انخفاضا ملحوظا، بل شهدت نوعا من الثبوت والجمود، فمثلا في عام 2015 كانت قيمة كافة الصادرات الإيرانية لأرمينيا 101 مليون و900 ألف دولار، والواردات 10 مليون و900 ألف دولار، إلا أن هناك نوايا وبرامج صرح عنها مسؤولي كلا الطرفين تسعى إلى تذليل عوائق توسيع دائرة التعاون والعلاقات بين البلدين وخاصة الاقتصادية، وحاليا فإن حجم التبادل التجاري الإيراني الأرميني يصل إلى 300 مليون دولار سنويا.

وتعتبر الأغنام والضأن والأخشاب كذلك من الآلات والمعدات المستخدمة في الطب والجراحة والطب البيطري، وسبائك الألومنيوم والكهرباء من واردات إيران الرئيسية من أرمينيا، في حين تعتبر المشتقات النفطية والغاز والمنتوجات البتروكيماوية والبلاط وبيض التفريخ والملفوف من الصادرات الرئيسة الإيرانية لأرمينيا.

وخلال الأعوام القليلة الماضية أعرب الطرفان عن عدم رضاهما عن حجم العلاقات والتبادلات التجارية بينهما، وأبديا رغبتهما في تعزيز العلاقات وخاصة الاقتصادية، وقام الجانبان بعقد اتفاقية إلغاء التأشيرات بين البلدين بهدف التشجيع على التردد بينهما وزيادة حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة، ودخل اتفاق إلغاء التأشيرات بين إيران وأرمينيا حيز التنفيذ بتاريخ 6 أغسطس 2016، وأصدرت السفارة الإيرانية في يريفان بيانا أكدت فيه على دخول اتفاق إلغاء التأشيرات حيز التنفيذ، وقالت في بيانها إنه وبعد تنفيذ اتفاق إلغاء تأشيرات الدخول، سوف لن يكون رعايا البلدين بحاجة إلى تأشيرات الدخول خلال زيارتهم للبلد الآخر.

وآخر تطورات العلاقات بين البلدين يمكن قراءتها من إقامة الاجتماع الرابع عشر للجنة التعاون الاقتصادي المشتركة بين إيران وأرمينيا في طهران في شهر ديسمبر 2016، وذلك بحضور وزير الطاقة الإيراني “حميد جيت جيان” ووزير البنى التحتية للطاقة والموارد الطبيعية الأرميني “آشوت مانوكيان”، وحسب ما أعلن عنه وزير الطاقة الإيراني فإن أرمينيا تمهد لمشاركة القطاع الخاص الإيراني في أسواق أوراسيا، وبعد تنفيذ البني التحتية لنقل الكهرباء، فإن طاقة تبادل الكهرباء بين إيران وأرمينيا سترتفع من 300 إلى 1200 ميغاواط.

وكشفت تصريحات الجانبين عن وجود رغبة ونوايا لإعداد البرامج والخطط بهدف تطوير العلاقات إلى مستوى أفضل، وإنجاز المشاريع الكبرى مثل “الممر البري الشمال – جنوب” و”خط سكك الحديد الخليج العربي – البحر الأسود”، وحسب تصريحات النائب الأول للرئيس الإيراني “إسحاق جهانكيري” فإن إيران تولي اهتماما خاصا لأرمينيا في سياساتها الخارجية، وخلال استقباله وزير الطاقة وشؤون البنى التحتية والموارد الطبيعية الأرميني “آشوت مانوكيان” أكد جهانكيري أنه لا يوجد أي سقف أو قيود بشأن تعزيز العلاقات الثنائية بين إيران وأرمينيا، مشيرا إلى ضرورة متابعة اللجنة المشتركة بين إيران وأرمينيا والعمل من أجل رفع كافة العقبات وتطوير العلاقات الثنائية في شتى المجالات خاصة التعاون الاقتصادي.

ويمكن القول أن الطرفان يعتبران وجود حدود مشتركة تبلغ 42 كم، بالإضافة إلى توافر البنية التحتية اللازمة لربط البحر الأسود بالخليج العربي بأنها تشكل فرصة لرفع سقف التعاون بين إيران وأرمينيا، وتعلن حاليا إيران عن رغبتها في المشاركة في بناء منطقة مغري الحرة وتشغيلها في أرمينيا، وصرح وزير الصناعة والمناجم والتجارة الإيراني “محمد رضا نعمت زاده” خلال استقباله وزير البنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية الأرميني “آشوت مانوكيان” أنه نظرا إلى خبرات إيران في بناء المناطق الحرة وتدشينها فإن إيران على استعداد تام لتقديم كافة خبراتها لبناء وتطوير البنية التحتية والمناطق الحرة ووضعها تحت تصرف أرمينيا.

وحظيت مثل هذه الدعوات بترحيب من جانب أرمينيا التي قابلتها بتوجيه دعوات للمستثمرين الإيرانيين بإقامة المشاريع والاستثمارات داخل البلاد خاصة في قطاع المناجم، واعتبرت أرمينيا أن توسيع العلاقات مع إيران والاستفادة من الخبرات الإيرانية في بناء المنطقة الحرة يمكن أن يمهد لعضوية إيران في اتحاد أوراسيا.

وما يشير إلى سعي الطرفين إلى رفع مستوى التعاون بينهما وتبني رؤية تطويرية موحدة، كثرة الزيارات المتبادلة بين الطرفين وكذلك غزارة التصريحات التي تدعو إلى تعزيز وتوسيع العلاقات الثنائية.

ولكن رغم كثرة تبادل الوفود والزيارات بين البلدين، وما صاحبتها من دعوات واتفاقيات تسعى إلى تعزيز وتوسيع العلاقات بين البلدين، إلا أن التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية بين إيران وأرمينيا ماتزال ضعيفة، ولا ترتقي إلى مستوى العلاقات السياسية بينهما، ومقارنة بباقي الدول التي لها علاقات اقتصادية مع إيران، فإن أرمينيا لا تعتبر شريكا تجاريا لإيران.

ويمكن إرجاع موانع عدم ترقي التعاون والتبادل التجاري بين أرمينيا وإيران إلى الحد المطلوب للأخيرة، ففي الوقت الذي تدخل فيه البضائع والسلع الإيرانية للأسواق الأرمينية بسهولة، تحاصر القيود الإيرانية السلع والبضائع الأرمينية التي تقصد إيران، إضافة إلى صرامة القوانين الإيرانية المتعلقة بدخول البضائع الأرمينية مثل ارتفاع الرسوم الجمركية والقيود غير الجمركية.

كما يلعب الغاز الذي تستورده أرمينيا من إيران دورا مهما في ثبوت وترسيخ العلاقات الثنائية بين البلدين ومحاولة تطويرها، رغم أن حجم الصادرات الإيرانية من الغاز ضعيف للغاية مقارنة بحجم احتياطها الكبير الذي يقدر بــ 1200 تريليون قدم مكعَب، وهو يشكل ما نسبته 18% من الاحتياطي العالمي، وتعتبر الدول المجاورة لإيران وهي: تركيا وأرمينيا وأذربيجان أبرز مستوردي الغاز الطبيعي الإيراني والذي يتم عن طريق خطوط أنابيب، وتعتبر تركيا هي أكبر مستورد للغاز الإيراني عبر خطوط الأنابيب بين البلدين بمقدار 10 مليارات متر مربع سنويا، ويليها أرمينيا بمقدار يتراوح بين 1.1 و2.3 مليار متر مربع سنويا، وأذربيجان  بمقدار يتراوح ما بين 0.3 و0.7 مليار متر مربع سنويا.

الشكل التالي يوضح حجم صادرات أرمينيا بشكل عام في عام 2015 وعام 2016

وتسعى إيران في إطار عملها ضمن المحدد الاقتصادي، تجاوز المحدِّدين الآخرين، من خلال السعي إلى إقامة علاقات اقتصادية بين كافة دول منطقة القوقاز (جورجيا وأذربيجان وأرمينيا)، بغض النظر عن الإشكاليات السياسية القائمة في هذه المنطقة، وبالتنسيق والتكامل مع روسيا. حيث ترتبط إيران بعلاقات اقتصادية مع جورجيا، فيما ألغت الحكومة الجورجية شرط حصول المواطنين الإيرانيين على تأشيرة دخول عام 2016.

كما تسعى إيران إلى الاستفادة من الابتعاد الأذربيجاني -الجزئي- مؤخراً عن الغرب، نتيجة الميول التسلطية للنظام الأذربيجاني، كما هو الحال في تركيا (5). حيث شهدت العلاقات الثنائية تقارباً عام 2016، مع محاولة إيران لإدانة الاعتداءات الأرمنية على إقليم ناغورني كاراباخ، والحفاظ في نفس الوقت على علاقاتها بأرمينيا.وهو ما يعني أن دول هذه المنطقة تحاول أن تفصل الخلافات السياسية والأمنية فيما بينها عن العلاقات الاقتصادية، من خلال تنسيق التعاون الاقتصادي.

إعداد مركز المزماة للدراسات والبحوث

22 مارس 2018