تعتبر مؤسسة الحرس الثوري في إيران سلطة لا سلطة عليها، تستمد هيمنتها على السياسات الخارجية والداخلية للبلاد من خلال معادلة صيغت منذ أن أسس المرشد الإيراني الأول الخميني هذا التشكيل ليكون حامي عرين المرشد مقابل أن يسرح ويمرح كما يريد في البلاد وعلى حساب باقي مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش الإيراني ووزارة المخابرات.

وقد استطاع الحرس الثوري أن يتحول بعد عقد من تأسيسه إلى أكبر مؤسسة أمنية وعسكرية في البلاد تسيطر سيطرة شبه كاملة على القطاعات الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية والتربوية والتعليمية والثقافية، واخترق سفارات إيران في دول العالم بقيادات ثورية مدربة على أعلى المستويات في صناعة التجسس وتشكيل الأحزاب والجماعات المعارضة وبرجال دين على خبرة بنشر التشيع والأفكار الخمينية.

وقد ظهر الحرس الثوري بذراعه الخارجي فيلق القدس والداخلي قوات الباسيج، بصورة القوة المتماسكة والملتحمة بالمرشد الإيراني، وخلق شعور الرعب والخوف في أوساط الشعوب الإيرانية من هذه القوة حتى لا تخرج أي معارضة للولي الفقيه، وعادة ما تسعى قيادات هذه المؤسسة إلى الترويج لقوتها وقدراتها وإمكانياتها البرية والبحرية والجوية، وقوة تماسكها وسيطرتها شبه الكاملة على أمن واستقرار إيران وما حولها، وقام رجال الدين المستفيدين من صفقة “المرشد والحرس الثوري” بالترويج لقدسية هذه المؤسسة وأهميتها وإنجازاتها والتغني بانتصاراتها وقدرتها على حفظ البلاد، وهي خدعة بدأت تتكشف لدى الشعوب الإيرانية تدريجيا ولاسيما بعد أول تمرد للراحل رفسنجاني على المرشد الإيراني، وأيضا خروج الشعوب الإيرانية في أكثر من 140 مدينة إيرانية تهتف بالموت للخامنئي، وأخيرا محمود أحمدي نجاد الذي أعلن هذه المرة تمرده صراحة على المرشد خامنئي واتهامه بنهب نحو 190 مليار دولار، ما يعني أن الحرس الثوري قد فشل في إنهاء التمرد على المرشد الإيراني، وهو ما وضعه في مقام المنتهك لبنود الصفقة بين المرشد وخامنئي، وجعل أتباع وممثلي الأخير على خلاف شديد مع قادة الحرس الثوري بسبب فشله في حماية عرش خامنئي.

إن الصورة الحقيقية الحالية للحرس الثوري توحي بوجود خلافات وانقسامات شديدة بين قيادات الحرس الثوري وعلى رأسهم محمد علي جعفري من جهة وأتباع وممثلي الولي الفقيه في هذه المؤسسة من جهة أخرى، الأمر الذي جعل محمد علي جعفري يعترف بأن الأوضاع الداخلية الحالية للحرس الثوري تعتبر من أكبر المخاوف والأمور التي تقلق المرشد الإيراني، وهو ما يؤكد صحة الأخبار التي تتحدث عن وجود انقسامات وخلافات كبيرة بين قائد الحرس الثوري وأتباعه وبين ممثل الولي الفقيه السابق في الحرس “علي سعيدي” وبيت المرشد بشكل عام.

هذه الخلافات والانقسامات دفعت بجعفري إلى الإطاحة بسعيدي بأي ثمن، وقد بانت تلك المساعي منذ استلام “عبدالله حاج صادقي” الممثل الحالي للولي الفقيه في الحرس الثوري لمهام سعيدي قبل إقالته رسميا، وأشار الخبراء إلى أن هذه الخلافات أوجدت انقسامات كبيرة في الحرس الثوري، وهذه الانقسامات تتزايد بشكل متسارع لدرجة أن الحرس لم يعد بمقدوره التكتم عنها أو إنكارها، وأنها أصبحت تشكل قلقا كبيرا لدى بيت المرشد وزادت من حالة انعدام الثقة بين طرفي الصفقة، ولا شك أن تمرد محمود أحمدي نجاد على المرشد الإيراني واتهامه باختلاس 190 مليار دولار، ما كان ليكون لولا أنه يتلقى الدعم من عدد من قادة الحرس الثوري النافذين، والذين يرغبون بالفعل من التخلص من ولاية الفقيه في إيران، ولاسيما أن هذه الرغبة أصبحت تنتشر بشكل كبير بين المسؤولين الإيرانيين وتعدت الإصلاحيين لتصل المتشددين وعلى رأسهم محمود أحمدي نجاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

22 مارس 2018