يقبع النظام الإيراني حاليا في زنزانة العزلة الدولية والإقليمية وحتى الداخلية، وبعد أن استبشر بعلاقات جديدة مع دول أرادت الاستفادة من الأسواق الإيرانية بعد رفع العقوبات، بات اليوم بعد تأكيدات على وشك انهيار الاتفاق النووي وعودة العقوبات في قعر زجاجة العزلة من جديد، وأصبح حتى من كان يصفهم النظام الإيراني بحلفاء والشركاء الاستراتيجيين وعلى رأسها روسيا والصين يرون أن خيار الانفصال عن هذا النظام أكثر نفعا من الانجرار وراء عداوات مع المجتمع الدولي بسببه .

وتؤكد التقارير أن السياسة الروسية والصينية تجاه طهران في الآونة الأخيرة، ولا سيما بعد اتخاذ الولايات المتحدة وقوى إقليمية وعالمية سياسات وقرارات حازمة تجاه النظام الإيراني بسبب دعمه للإرهاب وتطويره أسلحة مثيرة للجدل، قد سارت في عكس الإرادة الإيرانية، وهناك استياء إيراني تجاه المواقف الروسية الجديدة تجاه طهران، وتشير الدلائل إلى أن موسكو بدأت بسياسات موافقة للسياسات الأميركية في سوريا، آخرها الاتفاق الذي جرى بين واشنطن وموسكو حول منع إقامة جسر بري إيراني يربط بين إيران ولبنان مرورا بالعراق وسوريا.

هذا الاتفاق يمكن وصفه بأنه جزء من سلسلة اتفاقات عقدتها روسيا مع الولايات المتحدة، والتي اختارت مصالحها بعيدا عن إيران، ومثل هذا الاتفاق قد فجر خلافا بين إيران وروسيا، خاصة بعد ما سيطرت إيران وأذرعها الطائفية على عدد من المواقع والمراكز الحساسة في سوريا.

وتشير مثل هذه التحركات بأن روسيا قد بدأت بالفعل بتعطيل التمدد الإيراني في سوريا وتوجيه صفعات متعددة لطهران، وأصبحت روسيا ترى أن مصالحها لا تقتضي مزيدا من التقارب مع نظام أصبح معزولا دوليا وعلى وشك الانهيار سياسيا واقتصاديا، وأصبحت روسيا حاليا لا تمانع حتى بضرب القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، وقد أعطت بالفعل الضوء الأخضر لواشنطن باستهداف القواعد العسكرية الإيرانية المنتشرة في سوريا.

إن إيران كانت تعول على حماية قواعدها في سوريا من أي ضربة عسكرية أميركية على التواجد الروسي، لذا كانت دائما تنكر أي تواجد عسكري لها في سوريا، وأنها تتواجد هناك بهدف تقديم المشورة لقوات بشار الأسد، ما يعني أن استهداف قواعدها في سوريا لن يعطيها أي ذريعة في الانتقاد أو احتجاج لأنها تنكر وجودها من قبل، ما يعطي الحرية المطلقة للولايات المتحدة بضرب القوات الإيرانية في سوريا دون عوائق.

وترى إيران نفسها حاليا أنها وقعت في مصيدة المصالح الروسية الأميركية، وتيقنت بأنها كانت تلهث وراء سراب في سعيها إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، لدرجة أنها خالفت الدستور الإيراني ومنحت القوات الروسية قاعدة عسكرية إيرانية في همدان.

مظهر آخر من مظاهر تخلي موسكو عن سياسات إيران وهو الصراع الاقتصادي بين روسيا وإيران على مناجم الفوسفات في سوريا، حيث تم توقيع عقد بين المؤسسة العامة للجيولوجيا وشركة ستروي ترانس غاز الروسية التي تملك إمكانية إنتاج واستثمار الفوسفات، لاستخراج خامات الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر، ودخول روسيا على خط الصراع عبر شركة “ستروي ترانس غاز” التي يملك فيها الميلياردير الروسي غينادي تيموشينكو الحصة الأكبر، أنهى الحلم الإيراني بعد بدء الشركة فعليا بتنفيذ أعمال الصيانة وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى المرافئ للتصدير، وكانت إيران قد دفعت بميليشياتها للاستيلاء على المناجم وحمايتها لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع النظام في طهران، لكن روسيا زجت بقوات النمر في الصراع، التي بدورها هددت ميليشيات إيران بقصف أي حمولة تخرج من المناجم للتصدير، وبالفعل نفذت القوات الروسية تهديدها وقصفت حمولة خرجت من المناجم، ثم شنت هجوما واستولت على المناجم بالقوة وطردت الميليشيات الإيرانية منها.

وعلى ما يبدو أن هناك اتفاقية قد وقعت بالفعل بين واشنطن وموسكو تقضي بعدم توقيع المزيد من العقوبات الأميركية على روسيا في مقابل انضمام روسيا للحرب الأميركية ضد إيران، وهو ما سيكون لصالح الطرفين.

أما بالنسبة للعلاقات الإيرانية الصينية، ورغم ما كانت تروج له وسائل الإعلام الإيرانية حول قوتها ومتانتها، إلا أنها كانت ولا تزال ضعيفة، ولا وجود لأي ثقة بين الطرفين، وإيران تعلم جيدا أن الصين لن تضحي بعلاقاتها مع الشركات الأميركية والأوروبية الضخمة لأجل إقامة عدة مشاريع استثمارية غير مجدية في إيران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 مارس 2018