التقارب الإيراني الجزائري

حافظت إيران على علاقات وثيقة مع الجزائر منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وكانت إيران من أوائل الدول  التي اعترفت باستقلال الجزائر، وبعد قرابة عامين افتتحت إيران ممثلية لها في الجزائر وانتدبت سفيراً إلى الجزائر، وكذلك فعلت الجزائر بعد 4 أعوام من استقلالها، ويهتم هذا المبحث بدراسة تطور العلاقات الإيرانية – الجزائرية، وأهم المحطات التاريخية للتعاون أو الصدام بين الدولتين، ثم دراسة عوامل التقارب وخاصة خلال الفترة الاخيرة، وذلك على النحو التالي:

أولاً: تطور العلاقات بين إيران والجزائر

على مدى العقود الخمس الأخيرة، شهدت العلاقات الجزائرية الإيرانية، محطات هامة وفاصلة، كانت بدايتها في الوساطة الجزائرية بين العراق وإيران في عهد الشاه في الصراع الحدودي بشأن شط العرب، أسفرت عن عقد اتفاقية الجزائر سنة 1975، ولكنها لم تنه الخلاف بشكل حاسم، ومن ثم كانت الوساطة الجزائرية الثانية بعد انتصار الثورة الإيرانية، وتفجر أزمة الرهائن الأمريكية في طهران 1981، ثم شكلت زيارة الرئيس الجزائري، الشاذلي بن جديد لإيران في عام 1982، منعطفاً هاماً في تاريخ العلاقات بين الدولتين، وخاصة أنها جاءت في سياق ما قامت به الجزائر من تمثيل ورعاية للمصالح الإيرانية في الولايات المتحدة بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة في السابع من أبريل 1980، ودور الجزائر في الوساطة من أجل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في طهران [1].

وقد ساهمت الجزائر بدورها في الوساطة خلال الحرب بين العراق وإيران ( 1980 ـ 1988 ) في إيجاد حل سلمي للأزمة  التي كان من الممكن أن تأخذ أبعاداً مأساوية ومدمرة بالنسبة إلى المنطقة برمتها، ومع ذلك فإن الجزائر على خلاف أغلبية الدول العربية، لم تتخذ موقفاً مسانداً للعراق ضد إيران وإنما كان موقفها مسانداً لإيران إلى أبعد الحدود، ثم بدأت العلاقات بين البلدين تدخل في مناخ متوتر إلى حد القطيعة بعد انتخابات عام 1991 وتدخل الجيش وإلغاء الانتخابات، وكشفت التقارير الأمنية الجزائرية عن تورط طهران في دعم قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ مباشرة بعد إلغاء المسار الانتخابي مطلع العام 1992[2].

وقد شهدت العلاقات بين الدولتين بداية عهد جديد بعد انتخاب محمد خاتمي رئيساً لإيران في 22 مايو 1997، وساعدت سياسة الانفتاح الإيراني في عودة العلاقات إلى طبيعتها، وبالرغم من أن إيران استقبلت “بفتور” انتخاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في أبريل 1999، إلا أنها دعمت سياسته للمصالحة الوطنية وتحقيق الوئام الوطني والسلم الأهلي، مما فتح آفاقاً لتحسين العلاقات، فبعد لقاء ودي بين الرئيسين محمد خاتمي وعبد العزيز بو تفليقة سنة 2000، استأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية سنة 2003، وكان لزيارة الرئيس الجزائري عبد العزيز بتوتفليقة لإيران في 19 أكتوبر عام 2003 الأثر الكبير في تعزيز العلاقات بين البلدين، وتنسيق المواقف في المنظمات الدولية، ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، فيما اكتسبت زيارة الرئيس محمد خاتمي للجزائر في أكتوبر 2004 أهمية خاصة لكونها الأولى من نوعها لرئيس إيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، وجاءت تتويجاً لمساعي البلدين لطي صفحة توتر وقطيعة طبعت العلاقات الثنائية لأكثر من ثماني سنوات، وبلغت العلاقات بين البلدين مستويات غير مسبوقة من التعاون والتنسيق، في كافة المجالات، وشهدت هذه العلاقات تطوراً كبيراً بعد وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى سدة الحكم، فقد قام بعدة زيارات للجزائر، كان آخرها في سبتمبر 2010 بعد زيارته لسوريا، في إشارة إلى وجود تنسيق كبير بين العواصم الثلاثة طهران ودمشق والجزائر[3]، وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، قد صرح من قبل خلال استقباله وزير الطاقة والمناجم الجزائري، شكيب خليل، في نوفمبر 2006، بالقول: “إيران مستعدة لوضع خبراتها في مجال الطاقة النووية تحت تصرف الجزائر”، وقد قرأت الجزائر هذه الرسالة جيداً، وأثناء زيارة الوزير أحمد أبو يحى إلى إيران في 21 نوفمبر 2010 قبل بدء أعمال اللجنة المشتركة بين البلدين، كانت الحفاوة بادية للعيان في مظاهر الاستقبال، ووصلت الزيارة إلى نهايتها بعد توقيع عدد من الإتفاقيات في مختلف المجالات، والخروج بخريطة طريق تؤطر للعلاقة بين البلدين [4].

وكان من أهم مظاهر التقارب السياسي بين البلدين تنسيق مواقفهما تجاه كثير من الأحداث الدولية، وخاصة بعد رفع العقوبات الدولية عن طهران، حيث سعت الجزائر إلى استغلال عودة إيران إلى التعاملات الدولية من أجل تكثيف علاقاتهما، ومما يجعل الجزائر متخندقة في محور إيران، في نظر بوزيدي هو: “صراع الملكيات والجمهوريات حيث تميل الأنظمة السياسية لتأييد نظيراتها في الدول العربية كنوع من التضامن الذي يكفل استمرارهما، وتنسجم المواقف الإيرانية المعلنة المعادية للغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مع التوجهات العامة للسياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال [5].

ثانياً: مجالات التعاون بين الدولتين:

وعلى الرغم من التقارب السياسي، فالعلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإيران لاتزال متواضعة، لكن التبادل التجاري بين البلدين ينمو بوتيرة سريعة، وتتقاسم إيران والجزائر مواقف متطابقة في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، ولدى البلدين وضع مشابه ناتج من التأثير القوي لانخفاض أسعار النفط على الاقتصاد[6]، وقد بات العامل النفطي محدداً رئيسا في العلاقات الإقليمية للجزائر مع تراجع أسعار البترول خلال الفترة الأخيرة، لكون البترول المصدر الأساسي للحفاظ على أمن المجتمع من الاضطراب من خلال دعم القدرة الشرائية للمجتمع، وهو موضوع يثير نقاشاً داخليّاً كبيراً بين النخب السياسية، خاصة أن البلاد تعيش احتجاجات في الجنوب بسبب تداعيات استخراج النفط الصخري، وبالإضافة إلى تضارب وجهات النظر مع دول الخليج حيال التعامل مع أسعار النفط[7].

وتشير العديد من المصادر إلى أن إيران تمد الجزائر بكميات هائلة من الدواء وتساهم في مجال البناء والشركات الإيرانية تنجز مئات الوحدات السكنية في مختلف المناطق الجزائرية، وهناك شراكة في مجال النفط والغاز والسيارات[8]، ويمكن القول أن العلاقات الاقتصادية لم تكن قوية بنفس مستوى العلاقات السياسية، ولكن البلدين بذلا جهودا إيجابية لتعزيز العلاقات الاقتصادية، وفي مايو 2006، أقامت إيران أول معرض تجاري صناعي لها في الجزائر، وشكل البلدان لجنة اقتصادية مشتركة، اجتمعت لأول مرة في عام 2003، لتعمل على تعزيز التعاون في مجال التعليم العالي، الصناعات الصغيرة، الشؤون المالية، الطب البيطري، التعاون القضائي وتطوير النشاطات الاقتصادية، وتعززت الجهود الرامية لتحسين العلاقات التجارية بين البلدين إثر زيارة النائب الأول للرئيس الإيراني، اسحاق جهانغيري إلى الجزائر نهاية 2015، وسعت الجزائر لتعزيز علاقاتها التجارية مع إيران منذ رفع الحظر الاقتصادي عن الأخيرة، ففي فبراير 2015، وقعت اللجنة العليا المشتركة الجزائرية الإيرانية خمس اتفاقيات تعاون في مختلف المجالات الاقتصادية لتعزيز الشراكة بين البلدين، وعبرت الجزائر عن استعدادها التام لترقية الحوار بين البلدين وتكثيف التشاور والتنسيق خاصة في ظل الوضع الدولي حينها والذي كان يسجل توترات[9]، وفي مايو 2016 وقع البلدان 19 مذكرة تفاهم 15 منها في مجال صناعة السيارات وقطع الغيار[10].

وفي المجال الثقافي استطاعت الدبلوماسية الثقافية أن تلعب دورا كبيرا في تعزيز العلاقة بين البلدين، وتشير بعض المصادر إلى أنّ التلفزيون الإيراني سبق له وأن بثّ العديد من الأفلام الجزائرية التي تؤرّخ للثورة الجزائرية ونضال الشعب الجزائري ضدّ الإستعمار الفرنسي وقد أفاد السنيمائيون الإيرانيون الكثير من المدرسة السينيمائية التي أرشفت الثورة الجزائرية ومحنة الشعب الجزائري أثناء الإستعمار الفرنسي وقد سمح لهم ذلك بإنتاج أفلام ناضجة عن الثورة الإسلامية الإيرانية وفترة الحرب الإيرانية العراقية، وقد عرضت عشرات من هذه الأفلام في أسابيع الأفلام الإيرانية في الجزائر والتي أقبل المواطنون الجزائريون على مشاهدتها، ومن باب تعميق التعاون الثقافي بين الجزائر وإيران طلبت إيران من الجزائر فتح فرع للغة الفارسية في الجامعة الجزائرية، ووعدت طهران بدعم بناء المسجد الكبير في الجزائر العاصمة والذي سيكون أكبر مسجد في قارة أفريقيا[11].

وتشارك إيران في الكثير من النشاطات الثقافية بالجزائر، ومنها المشاركة في مهرجان “القسطنطينية عاصمة الثقافة العربية” وكذلك المشاركة الفخرية في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، كما شاركت إيران في مهرجان السينما الدولي بالجزائر،كما كان لزيارة وزير الثقافة الإيراني رضا صالحي أميري للجزائر دور إيجابي في تعزيز العلاقات بين البلدين، حيث صرح في الجزائر قائلاً: إن إيران تولي أهمية کبیرة للعلاقات الثقافية مع الجزائر، وإن الرئيس حسن روحاني قد أكد على ضرورة تعزيز العلاقات الثقافية مع الجزائر، وإن هذا قد يؤثر إيجابا على العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين[12].

وفي الوقت نفسه، فقد سعت إيران إلى نشر المذهب الشيعي الاثني عشري عبر سفارتها في الجزائر، وتشكيل خلايا شيعية في البلد التي يتواجدون فيها، حيث يتم تمويل وتنظيم زيارات لعناصر منها لطهران وقم، وخلال هذه الزيارات يلتقون بالمخابرات الإيرانية ورجال الدين، وهناك يتم تدريبهم على خطة معينة لنشر التشيّع بين أبناء وطنهم، الشيء الذي لا يعرفه هؤلاء المتشيعون أن المخابرات الإيرانية لا تثق بهم بل تحتمل أنهم مكلفون بمهمة مزدوجة ومضادة أو ربما يتمردون عليها لاحقاً، لذلك يتم توريطهم في علاقات نسائية سواء عبر المتعة أو غيرها، ويجري تصويرهم في غرفهم بالفنادق أو الشقق التي يتواجدون بها، وهي مجهزة بكاميرات سرية عالية الجودة والدقة وأجهزة متطورة تحتفظ بحركاتهم وهمساتهم، لذلك لم نسمع يوماً أن متشيّعاً زار إيران ثم عاد عن تشيّعه أو انتقدها في أدنى موقف، وتتكون الملحقيات الثقافية في السفارات الإيرانية من ضباط في الحرس الثوري يتخفّون بقناع الثقافة، تدربوا باحتراف على العمل في إطار تصدير ثورتهم، ومهمتهم الأساسية هي تشكيل خلايا شيعية في البلدان التي يتواجدون فيها، وهذه الخلايا التي تبدأ بالتشيّع الديني ثم تأتي العمالة لجهاز استخبارات، وبعدها يجري تشكيل طائفة ثم ميليشيات ثم محاولة الهيمنة على الدولة، هذه هي سلسلة العمل الاستخباراتي الذي تقوم به سفارات إيران من خلال ملحقها الثقافي، ويتقوى نشاطه ويزداد عندما تكون العلاقات هادئة وطبيعية بين الدولتين، فلا شيء يراهن عليه الحرس الثوري في بداية تشكيل خلايا شيعية تابعة لـلولي الفقيه في بلد ما، مثل أن يجري العمل في صمت ولا يثار عليه أدنى غبار، فالفوضى هي الهدف وليس البداية ولا الوسيلة لمرحلة معينة في تنفيذ الأجندة الإيرانية[13].

إعداد مركز المزماة للدراسات والبحوث

١ أبريل ٢٠١٨

 

[1] د.سيد عوض عثمان: العلاقات الجزائرية – الإيرانية من القطيعة إلى الانفراج، مختارات إيرانية،(القاهرة:مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية،مؤسسة الاهرام،العدد (52)، نوفمبر 2004)، ص 80

[2] نفس المرجع السابق

[3] نفس المرجع السابق

[4] الطاهر عمارة الأدغم العلاقات المغاربية – الإيرانية: عرض وتحليل، مجموعة باحثين: العرب وإيران (مراجعة في التاريخ والسياسة)،(الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2011)، ص 245

[5] حمزة عتبي: تحليل: ما هي أسباب التقارب الإيراني-الجزائري إزاء الأزمات الإقليمية؟، سي ان ان بالعربية، 61/5/2016، متاح على الرابط التالي:

https://arabic.cnn.com/world/2016/05/16/iran-algeria-relations

[6] محمد الزغول: الجزائر والمحور الإيراني، الحياة اللندنية، 1/7/2016، متاح على الرابط التالي:

http://www.alhayat.com/Opinion/Letters/16523610

[7] محمد مسلم: هذه أسباب برودة العلاقات الجزائرية- السعودية، الشروق، 21/12/2015

http://www.echoroukonline.com/ara/articles/266242.html

[8] يحى ابو زكريا: العلاقات الجزائرية – الإيرانية.. أجندات التقارب والتعاون، البوصلة، 10/2/2016، متاح على الرابط التالي:

http://www.alboselh.net/node/30305

[9] الإذاعة الجزائرية: الجزائر-إيران: التوقيع على خمس اتفاقيات تعاون اقتصادية وسلال يؤكد على ضرورة تعزيز العلاقات بين البلدين، 17/2/2015، متاح على الرابط التالي:

http://www.radioalgerie.dz/news/ar/article/20151217/61703.html

[10] الوقت: طبيعة العلاقات التاريخية بين إيران والجزائر، متاح على الرابط التالي:

http://alwaght.com/ar/News/101150

[11] يحى ابو زكريا، مرجع سبق ذكره، متاح على الرابط التالي:

http://www.alboselh.net/node/30305

[12] الوقت، مرجع سبق ذكره، متاح على الرابط التالي:

http://alwaght.com/ar/News/101150

[13] د.أنور عبد الملك: إيران تستهدف الأمن القومي في الجزائر،مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية،2/2/2016، متاح على الرابط التالي:

http://www.umayya.org/articles/8916