المحور الثالث: الدور الإيراني (الوكيل) في المشروع الصيني

تتطلّع إيران إلى المشروع الصيني كجسر عبور يكسر عزلتها الإقليمية والدولية من جهة، ويسمح لها بشرعنة أدوارها الإقليمية التدخلية ثانياً. كما تأمل إيران أن تجني عوائد اقتصادية كبيرة منه تعزّز به شرعية النظام المنهارة، عبر إعادة تنمية بعض المناطق الداخلية الفقيرة ، بحيث تنزع بعض أسباب التوتر المحلي.

عدا عن تطلع إيران لتعزيز بناء علاقاتها الدولية بعيداً عن الضغط/التهديد الأميركي، والمساهمة في بناء نظام دولي جديد، يكون لها دور فاعل فيه. وخصوصاً نتيجة طبيعة العلاقات الثنائية بين الطرفين منذ ثمانينيات القرن العشرين، إبان حرب الخليج الأولى. عبر علاقات عسكرية وسياسية واقتصادية، كان التفوّق فيها دائماً لصالح الصين، وبفارق كبير للغاية.

أ-مقوّمات العلاقة الإيرانية مع الصين:

تعتبر الصين أنّ إيران شريك استراتيجي (وفق تصريح وزير الدفاع الصيني، مايو 2014). وعليه يمكن لإيران أن تكون وكيلاً للمصالح الصينية في المنطقة، وفق اشتغال صيني لسنوات. أسّس أسباب ذلك، من أهمها:

  • أنّ إيران لا ترى للصين أي مطامع حدودية أو تاريخية في جغرافية إيران الحالية، وعلى العكس تماماً من روسيا، وبريطانيا (حيث الشمال الإيراني بالنسبة للروس، والجنوب الإيراني أي الأحواز بالنسبة لبريطانيا).
  • يهدف الدعم المتواصل من قبل الصين لإيران أن تكون لها قدرة عسكرية تنوب عن الصين، ومساومة القوى الغربية/الولايات المتحدة.
  • بلغت التجارة الثنائية الصينية-الإيرانية 50 مليار دولار أواخر عام 2014. حيث تعتبر الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران، متفوّقة على أوروبا بفارق كبير
  • ويستدل على عمق العلاقة، من تقرير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري): “كانت الصين من العام 2002 لغاية 2009 ثاني أكبر دولة مصدرة للسلاح، والمعدات العسكرية لإيران”.
  • تتنوع العلاقات بين الطرفين، لتشمل المجدالات العسكرية وغير العسكرية، ولاسيما التعاون العسكري المباشر وغير المباشر، والذي من الممكن إجماله في: نقل التكنولوجيا العسكرية الصينية لإيران، والمساعدات الفنية الصينية، المساعدة في تطوير أسلحة تقليدية، توفير مركبات بناء الأسلحة، تقديم مساعدات في مجالات التحكم بالصواريخ، تحديث العقيدة العسكرية، المساعدات في بناء السفن والطائرات العسكرية وأنظمة الاتصالات والمراقبة، وتدريب الجيش (18).
  • وقع الطرفان اتفاقية تعاون عسكري (مايو 2014)، واتفاقية مكافحة الإرهاب (نوفمبر 2016)، إلى جانب تدريبات عسكرية مشتركة في مضيق هرمز (يونيو 2017)، وهي من أكبر المناورات التي أجرتها إيران مع قوة خارجية بمشاركة 700 قطعة بحرية من كل طرف.
  • بين العامين 2005 و2010، وقعت الشركات الصينية عقوداً بقيمة 120 مليار دولار مع قطاع النفط والغاز الإيراني.
  • تتطلع الصين إلى إيران كفاعل عسكري في منطقة الشرق الأوسط، يساعد في تأمين مضيق هرمز من الإغلاق، عدا عن إمكانية استغلال الشواطئ الإيرانية لإقامة قاعدة صينية مستقبلاً (19).
  • تعزّزت العلاقات مع زيارة الرئيس الصيني لإيران في يناير 2016، وعقد 17 اتفاقية تجارية وصناعية. مع تعهد بزيادة التجارة الثنائية أكثر من 10 أضعاف إلى 600 مليار دولار خلال عقد. والتزمت شركة صينية بنحو 550 مليون دولار لبناء محطة نفطية في مضيف هرمز. ووقعت شركة النفط الصينية العملاقة SINOPEC مع وزارة النفط الإيرانية صفقة بقيمة 1.2 مليار دولار لبناء مصفاة جديدة في عبادان (20).
  • فازت وزارة النفط الإيرانية وكونسورتيوم من توتال الفرنسية ومؤسسة البترول الوطنية الصينية CNPC وشركة طاقة إيرانية محلية بعقد قيمته 20 مليار دولار لمدى 20 عاماً لتطوير حقل جنوب فارس (نوفمبر 2017) (21)

أي أن الصين تتطلع إلى إيران عبر المناظير التالية:

  • سوق صادرات طاقة (نفط وغاز): حيث تشكل إيران سادس مورد للصين للنفط، وبما يعادل نصف صادرات إيران النفطية الخام، وفق أسعار مخفضة.
  • معبر بري للبضائع الصينية نحو الشرق الأوسط وأوروبا.
  • سوق استهلاكي يضم قرابة 80 مليون نسمة.
  • منطقة استثمارات (شبه خام)، تفتقر لكثير من مقومات البنى التحتية.
  • نظام تسلطي، قادر على منح امتيازات دون العودة إلى الشعب.
  • نظام ما زال يتمتع باستقرار (نسبي)، قادر على تأمين الممرات البرية.
  • نظام يتطلع للتخلص من الضغوطات الغربية عبر تنويع التحالفات.
  • يمكن من خلال النظام الإيراني (في حال استمراره)، المحافظة على شكل العلاقات الإقليمية (توازن وتنافس القوى الإقليمية)، وبالتالي ضمان استقرار نسبي في المنطقة للمشروع الصيني. حيث يدفع هذا الشكل إلى قدرة صينية أكبر على التفاوض مع الأطراف المتنافسة، والحصول على مكاسب متبادلة (من خلال جذب الصين إلى تحالفات في مواجهة المنافسين).

ب- مسار الطريق الصينية عبر إيران:

يعتبر الخط الحديدي الذي يعبر إيران من الصين نحو أوروبا، أحد أهم الأفرع الرئيسة للمشروع الصيني، وعمل الطرفان على تعزيزه ورفده بطرق فرعية أخرى، ومن ذلك: خط حديد بين كازخستان وإيران وتركمنستان عام 2014، بطول 575 ميل.

ومع مطلع عام 2016، وصل أول قطار بضائع صيني إلى طهران، قاطعاً مسافة 10400 كلم، بمعدل 700 كلم يومياً، حاملاً 10 حاويات شحن، ويختصر القطار الزمن الذي  بين مينائي شانغهاي وبندر عباس بمقدار 30 يوماً.

كما قدمت الصين استثمارات ضخمة ومستمرة لتعزيز بنية السكك الحديدية داخل إيران، منذ تسعينيات القرن العشرين، ومن أبرزها:

1995: شركة صينية توقع عقدا بقيمة 1.5 مليار دولار لإنشاء خطي للمترو 1 و2 في طهران

2012:تخطط الصين، التي أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بتطوير مترو طهران، لبناء 261 كلم من السكك الحديدية و 175 محطة بمبلغ يقدر ب 10 مليارات دولار .

2015:”شركة هندسة السكك الحديدية” توقع عقدا بقيمة 2.7 مليار دولار مع “شركة خاتم الأنبياء للإنشاءات”، وهي شركة ذات صلات بالحرس الثوري الإيراني،لإنشاء السكك الحديدية الخاصة بالقطارفائق السرعة بين طهران و قم و أصفهان.

2016:الحكومة الإيرانية تمول مشروعا يقدر ب 2 مليار دولار عن طريق قرض من الصين،من أجل إمداد خط قطار،يمتد لمسافة 926 كلم بين مشهد، وهي ثاني أكبر مدينة في إيران من الناحية السكانية، والعاصمة طهران بالكهرباء.

شركة عربات السكك الحديدية المحدودة:في نشانغتشون،التابعة لشركة”سي آر آر سي” توقع عقدا بقيمة 1.4 مليار دولار لتزويد طهران ب 1008$ عربات مترة أنفاق على مدى خمس سنوات.

وفي حين تحاول إيران الترويج لمركزيتها في المشروع الصيني، وتقديم ذاتها كبديل لخطوط بحرية في الخليج العربي، فإنّ نوعية البضائع التي يساهم القطار الصيني في نقلها تختلف اختلافاً كاملاً عن النفط الذي يتمّ تصديره عبر مضيق هرمز. أي أنّ المسارات البحرية في الخليج العربي ستحتفظ بمكانتها، ولا يمكن الاعتماد على المسارات البّرية الإيرانية (القائمة أو المستقبلية)، لنقل نفط الدول العربية، أو لنقل البضائع الصينية إليها عبر إيران.

والفوائد التي ستجنيها إيران، تتركز في المساهمة في تصدير سلعها، وتجاوز الحظر الغربي (جزئياً)، حيث أنّ مرور المشروع الصيني عبر أراضيها لا يعني قبول الدول الأخرى حتماً بالتعامل التجاري المفتوح مع بعض الدول، وعلى رأسها إيران. أما في حال رفع الحظر الغربي، فسيكون للخط الصيني، دور مهم في التبادل التجاري الإيراني شرقاً وغرباً، وإن كان سيقتصر في المراحل الأولى على المنتجات النفطية، وبعض السلع الأولية، حيث تفتقر إيران للمنتجات الصناعية، وللتنافسية الدولية.

ج-عقبات الدور الإيراني في المشروع الصيني:

تتطلع إيران لمكانة (الشريك) في هذا المشروع، لكن حجمها الاقتصادي والعسكري لا يؤهلها لهذه المكانة بالمطلق، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المؤشرات الاقتصادية والعسكرية للطرفين. والتي تؤكد النقاط التالية:

  • يشكل الدخل القومي الإيراني أقل من 4% من الدخل القومي الصيني.
  • ما تزال البنى التحتية الإيرانية متهالكة للغاية، وبحاجة إلى استثمارات ضخمة، حتى تكون قادرة على رفد التجارة الصينية البرية، وتوفير الدعم اللوجستي لها.
  • مستوى دخل الفرد الإيراني منخفض للغاية، ولا يؤهله سوى أن يكون مستهلكاً للسلع الصينية منخفضة الجودة وقليلة الأرباح.
  • الفارق العسكري بين الطرفين، يحتم على إيران موقع الوكيل وليس الشريك.

يُضاف إلى ذلك، جملة عقبات أخرى تعترض الدور الإيراني، من أبرزها:

  • حرص الصين على بناء علاقات واسعة في الشرق الأوسط، وتحديداً مع القوى العربية الرئيسة فيه (الإمارات والسعودية ومصر). لذا ستكون حريصة على ألا تكون علاقاتها مع إيران موجّهة ضدّ الدول العربية.
  • طبيعة التفكير الإيراني، غير القابل للتشارك في المنافع، والذي سيجد صعوبة في الاكتفاء بدور الوكيل، كما حصل في خلافاتها السابقة مع الولايات المتحدة، وبداية خلافاته التي تظهر مع روسيا.
  • تكاليف الشحن البري وحجمه مقارنة بالشحن البحري، يدفع الصين إلى الاعتماد الأكبر على الشحن البحري عبر المياه العربية.
  • عدم سعي الصين إلى الانجرار إلى صراعات الشرق الأوسط من جهة. أو التصادم مع الولايات المتحدة والعالم الغربي بشأن إيران من جهة ثانية. بل هدفها الأعلى حاليا يتمثّل في حماية مسارات المشروع.
  • كذلك، الوضع المستقر الهش لإيران داخلياً، والذي يشهد تصاعداً في الاحتجاجات ومقوّمات اندلاع ثورة اجتماعية، أو حركات استقلالية/انفصالية في الأقاليم القومية، والتي قد تجعل من إيران منطقة نزاعات مسلّحة جديدة، تهدّد المصالح الصينية.

أما عن دور إيران في آسيا الوسطى، فهي ليست فاعلاً مؤثراً فيها، وليست قادرة على أن تكون وكيلاً صينياً فيها، بل يقتصر دورها داخل الجغرافية الإيرانية من جهة، وفي محيطها القريب (ربما أفغانستان وشمال العراق وبعض مناطق سورية). ما يقلّل من القيمة الاستراتيجية للنظام الإيراني التي يحاول ترويجها. وخصوصاً أنّ الدور الإيراني في آسيا الوسطى يشهد عدة عقبات، من أبرزها:

  • الدور الأميركي والروسي والصيني (القوى الكبرى) في وسط آسيا.
  • قلق دول وسط آسيا (السنيّة باستثناء طاجيكستان)، من النفوذ الإيراني الأيديولوجي فيها.
  • حجم التجارة والمصالح البينيّة بين إيران وهذه الدول محدود للغاية.
  • علاقات إقليمية غير مستقرة مع أذربيجان شمالاً، وأفغانستان شرقاً، والعالم العربي غرباً.

أي أنّ القيمة الاستراتيجية الأعلى لإيران في المشروع الصيني (إلى جانب صادرات الطاقة الإيرانية)، تتمثل في الموقع الجغرافي (المعبر) نحو الغرب الأوروبي. والذي يمكن الاستعاضة عنه باتجاه الشمال عبر الأراضي الروسية. غير أنّ تفضيل الصين للأراضي الإيرانية يأتي نتيجة انخفاض التكلفة السياسية (الشروط الروسية للمشاركة في المشروع)، لكن هذه البدائل تبقى قائمة وتمثّلت بشكلٍ جلي عبر قطار الشحن الذي انطلق من بريطانيا إلى الصين دون المرور بإيران.

ورغم أنّ إيران عضو مراقب في منظمة شنغهاي، إلا أنّ الصين ما تزال ترفض منحها عضوية كاملة. فيما فشلت إيران منذ عام 1979 في الانضمام إلى أيّة هيئات جماعية دولية. وهو ما يؤكد التوجّهات السابقة في رغبة الصين بالاحتفاظ بإيران كوكيل أو حارس للمرات الاقتصادية الصينية (وليس شريكاً كاملاً)، وكذلك أداة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة التي قد تعرقل المشروع.

في حين أنّ خيارات الولايات المتحدة ضيقة، فاحتواء كل من الصين وإيران سيؤدي إلى دفع البلدين إلى التقارب، كما أنّ مواجهة إيران بالتوازي مع استيعاب الصين، أو العكس بالعكس، وهو سيناريو غير محتمل أكثر من الأول، سيترك ثغرات يمكن لأي من الطرفين استغلالها. فيما يمثل الشرق الأوسط -وإيران على وجه الخصوص- أولوية قائمة/حالية بالنسبة للولايات المتحدة، فيما تمثّل الصين التحدي الأبرز للسياسة الخارجية الأميركية بعيدة المدى، وبالتالي فإنّ طريقة تفاعل بكين وطهران في الوقت الراهن ستكون لها نتائج هامة على الاستراتيجية الأميركية الكبرى في السنوات القادمة(22).

المحور الرابع: الشريك العربي في المشروع الصيني

تُشكِّل منطقة الشرق الأوسط أهمية قصوى في التوجهات الاقتصادية الصينية، حيث تتجه 46% من صادرات الصين نحو دول الشرق الأوسط، فيما تأتي واردات الصين النفطية من 10 دول، على رأسها: السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، إيران.

وتعتبر إمدادات الطاقة من منطقة الشرق الأوسط، واحدة من أكثر القضايا الحيوية في التوجهات الصينية، حيث يشكل النفط والغاز العربي ثلث استهلاك الصين، ومن المتوقع أن يصل استيراد الصين من نفط الخليج ثلاثة أضعاف واردات الولايات المتحدة منه عام 2025. فيما لا تمتلك الصين احتياطي نفطي استراتيجي لحالات الطوارئ لأكثر من 16 يوماً (في حال خسرت 5% من وارداتها النفطية فقط، سينتهي الاحتياطي في 9 أشهر).

عدا عن أهمية السوق الخليجية تحديداً (سوق مستوردة للسلع والأدوات والخدمات والصناعات الثقيلة والتكنولوجيا الصينية)، خصوصاً مع عدد سكان يتجاوز 70 مليون في حال احتساب اليمن والأردن مع دول الخليج العربي. إضافة إلى تطلّع الصين إلى الاستفادة من هذه السوق عبر مبيعات الأسلحة.

وإن كانت العلاقات السياسية مستقرة بين الطرفين، وتشهد نمواً مستمراً، غير أنّ مجال هذه العلاقات ما يزال غير عميق كما في الحالة الإيرانية، وخصوصاً أنّ الصين غير متأقلمة بعد مع قضايا الشرق الأوسط. لكن مشروعها (طريق الحرير) سيدفعها إلى مزيد من الانخراط، وخصوصاً أنّ الخوف من تأثر إمدادات الطاقة، سيجعلها أكثر قابلية للتدخل. عدا عن أن عدم وجود حضور سياسي صيني في المنطقة سيقلل من فرصها التفاوضية مع الدول الكبرى فيها.

في المقابل، تدرك الصين أنّ أي تعطيل لمصالحها في الشرق الأوسط سيكون كارثياً، يترافق مع خسائر بمليارات الدولارات في الاستثمارات وعشرات آلاف الصينيين في المنطقة (حماية الأصول والمواطنين). وبالتالي يمكن للصين تغيير مبادئها عدم التدخلية من خلال التشارك في عمليات مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني والتدخل في عمليات حفظ السلام، إضافة إلى التدريب والمناورات العسكرية، بالتعاون مع الدول الرئيسة (دول الخليج العربي).

وتقوم جاذبية دول الخليج العربي الأساسية (الإمارات والسعودية والكويت)، من خلال ما يلي:

  • استقرار سياسي داخلي، وعلاقات دولية مستقرة منذ عقود.
  • بنية تحتية واسعة منجزة، قادرة على أن تكون داعماً لوجستياً متقدّماً للمشروع الصيني (على خلاف المنافس الإيراني ذي البنية التحتية المتهالكة إن وجدت).
  • انفتاح دول الخليج العربي على تنويع العلاقات الاقتصادية، وفصلها عن التحالفات السياسية.
  • أهمية المعابر المائية (بحر العرب والبحر الأحمر)، باعتبارها ركيزة الطريق البحرية، وهي الأقل كلفة مالية وسياسية، والأكثر أمناً، والأعلى طاقة استيعابية (الحمولة القصوى لقطار الصين، لا تتعدى 200 حاوية، في حين تصل الحمولة القصوى للمركب إلى 20 ألف حاوية، كما أن تكلفة النقل البحري أقل بـ 25% عن تكلفة النقل البري).
  • امتلاك قدرات تمويلية كبيرة للغاية، قادرة على أن تؤهل هذه الدول لأن تكون شريكاً حقيقياً سواءً على امتداد طريق الحرير الجديد، أو داخل الصين ذاتها. حيث تمتلك دول 4 دول خليجية (الإمارات والسعودية والكويت والبحرين) دخلاً قومياً يعادل 11% من الدخل القومي الصيني.
  • يُضاف إلى ذلك القدرات العسكرية الكبيرة لهذه الدول الأربعة، والتي تجعلها في مصاف قريبة من الصين، وخاصة أن الإنفاق العسكري السعودي (الثالث عالمياً) وحده يعادل تقريباً ثلث الإنفاق العسكري الصيني (الثاني عالمياً).

وتُعتبر السعودية الشريك الخليجي والعربي الأول للصين، وتعود علاقاتهما إلى ثمانينيات القرن العشرين، لتتجاوز الأطر الاقتصادية إلى مشتريات أسلحة. عدا عن أنّ الصين هي الشريك التجاري الأول للسعودية. حيث تشكل نسبة 15% من إجمالي واردات الصين النفطية من السعودية. وقد بلغ حجم التبادل التجاري البيني 69 مليار دولار مطلع عام 2016.

وتعزّزت العلاقات المشتركة مع زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية  في يناير 2016، تلتها زيارة الملك سلمان إلى الصين في مارس 2017. وقد شهدت الدولتان توقيع عدة اتفاقيات شراكة اقتصادية واستراتيجية خلال السنوات الفائتة. أبرزها مذكرة تفاهم مشتركة حول الحزام الاقتصادي لطريق الحرير ومبادرة طريق الحرير البحري.

إنّ مرور طريق الحرير البحري بالبحر بالأحمر يشكل أهمية للموانئ الغربية للسعودية، وهو ما قد يزيد السفن العابرة عبر البحر الأحمر إلى الضعف على الأقل. وقد سبق لولي العهد السعودي التصريح بأنّ السعودية لا تستفيد حالياً من موانئها على البحر الأحمر بشكل كافٍ، وأنّ تفعيل هذه الموانئ هو إحدى خطط السعودية ضمن رؤية 2030، لا سيما أنّ هذا المشروع قد يوفّر طرقاً أسرع للنفط السعودي للصين.

كما تُعد الكويت أول دولة عربية تبادر إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في مبادرة “الحزام والطريق”، من خلال العمل عبر مشروع مدينة الحرير ومشروع الجزر الخمس إضافة إلى مشروع ميناء مبارك الكبير. عدا عن أنّ الكويت هي سادس أكبر شريك تجاري للصين في الدول العربية، إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين في العام 2016 نحو 9.37 مليارات دولار، ووصلت الصادرات النفطية الكويتية إلى الصين إلى 16.34 مليون طن.

 

الشراكة الإماراتية-الصينية في طريق الحرير الجديدة:

تتمتع الدولتان بعلاقات اقتصادية تشهد نمواً سريعاً في العمليات الاستثمارية والتمويلية، عدا عن دور الإمارات الفعّال منذ اللحظات الأولى في مشروع طريق الحرير. حيث يمكن للخبرات الإماراتية وتحديداً في إدارة الموانئ أن تقدم دعماً لوجستياً على امتداد منطقة الشرق الأوسط من جهة، وربط خطوط الملاحة الإماراتية مع الخطوط الصينية، بحيث تشكل شبكة تضمّ غالبية موانئ العالم.

الإضافة الأخرى التي تتمتّع بها دولة الإمارات، هي الجسر الجوي العالمي (دبي وأبو ظبي)، والذي يمكن توظيفه كطريق جوي يُضاف إلى الطرق البرية والبحرية، بحيث تتكامل منظومة النقل الدولية. وخصوصاً أنّ حركة السفر والتجارة الدولية، ستظل بأمس الحاجة إلى المسار الجوي، الذي يتمتع بأعلى كفاءة وخبرة ودعم لوجستي.

إذ إنّه حتى منتصف عام 2017، نقلت طيران الإمارات وحدها نحو 24.6 مليون مسافر، من وإلى 58 وجهة في 30 دولة تقع على طريق الحرير الجديد. فيما تخدِّم الإمارات 5 مدن صينية. وزار دبي نحو نصف مليون صيني خلال عام 2016. (البيان، مايو 2017)

كما ستشكل الإمارات محطة برية مهمة ضمن الجزيرة العربية عام 2022، مع اكتمال سكة الحديد الرابطة بين مينائي خليفة وجبل علي بالسعودية وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر (نيوم)، وبكافة دول الخليج العربي لاحقاً. بحيث يمكن توظيف الموانئ الإماراتية كمحطة خليجية للتفريغ والتحميل والدعم والصيانة.

ولم تلحظ الطريق البحرية الٍأساسية في المشروع، العبور عبر الموانئ الإماراتية، بل عبر موانئ إفريقية غير ذات تأهيل كافٍ، لذا من المفترض الاستفادة من مؤهلات الموانئ الإماراتية وجاهزيتها وخبرتها، لتكون محطة أساسية في المنطقة. فيما تتمتع الإمارات بكثير من عوامل الجذب التي تفرض عليها موقعاً مهماً (شريكاً)، ومنها:

  • بلغ التبادل التجاري الإماراتي-الصيني أكثر من 50-70 مليار دولار عام 2016، وتستحوذ شركة البترول الوطنية الصينية وشركة الصين للطاقة على حصة أقلية في شركة أبو ظبي للعمليات البرية المحدودة (ادكو). (البيان، مايو 2017)
  • عدة شركات إماراتية تستثمر في الصين، بمئات ملايين الدولارات.
  • يعمل أكثر من 200 ألف صيني في الإمارات (2015).
  • المساهمة بمبلغ 10 مليار دولار في إنشاء بنك الاستثمار الآسيوي.
  • يضاف إلى ذلك (23):
    • استثمار خمس شركات صينية في المنطقة الصناعية في أبو ظبي مبلغ 300 مليون دولار، وبمساحة 2.2 كيلو متر مربع، لمدة 50 عاماً.
    • أسست الإمارات والصين صندوق استثمار استراتيجي مشترك بعشرة مليارات دولار في أواخر 2015 تقاسمت الدولتان تمويله.
    • الصين ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات، وأكبر دولة مصدرة لها.
    • تعد الإمارات تعد منفذاً لنحو 60 بالمئة من صادرات الصين لأسواق المنطقة.
  • ميزان تجاري إيجابي لصالح الإمارات بفارق كبير، حيث وصل حجم واردات الصين من الإمارات إلى قرابة 200 مليار دولار أميركي عام 2015، معظمهما منتجات نفطية، في حين بلغ حجم صادرات الصين للإمارات 30 مليار دولار (24).

كما تعتبر الإمارات واحدة من أبرز الشركاء الخارجيين في إنشاء وتشغيل مسارات (مبادرة الحزام والطريق)، وذلك من خلال:

  • تشغيل وإدارة ميناء “لندن غيتواي” التابع لمجموعة “موانئ دبي العالمية”، والذي يعد الوجهة الأخيرة في مشروع السكك الحديدية الصينية. والذي شهد عام 2017 إطلاق قطار تصدير من المملكة المتحدة إلى الصين، بعد أشهر من وصول قطار آخر من الصين.
  • تواصل المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة في أبو ظبي، مع مصر لإدارة الموانئ المخصصة للمشروع الصيني.
  • إدارة الإمارات لعدة موانئ على مسار المشروع.
  • رفع الطاقة الاستيعابية لميناء جبل علي لتصل إلى 22.1 مليون حاوية.
  • مشاركة موانئ دبي العالمية في أعمال البنية التحتية للطريق الصيني الجديد، حيث وقعت اتفاقاً مع حكومة كازخستان لإقامة منطقة اقتصادية خاصة في مدينة أكتاو المطلة على بحر قزوين (25).

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 أبريل 2018

الهوامش:

(18) جمال عبيدي، مرجع سابق.

(19) رياض عيد، “معركة السيطرة على بوابة طريق الحرير إلى أوروبا”، تحولات، 14/2/2013:

http://www.tahawolat.net/MagazineArticleDetails.aspx?Id=360

(20) Ilan Berman and Jonathan Schanzer, “Iran and China Get Cozy: The New All-Whether Allies?”, Foreign Affairs, October 27, 2016: https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2016-10-27/iran-and-china-get-cozy

(21) Alex Vatanka, “China Courts Iran: Why One Belt, One Road Will Run Through Tehran”, Foreign Affairs, November 1, 2017: https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2017-11-01/china-courts-iran

(22) كيفن ليم، مرجع سابق.

(23) “شركات صينية تستثمر 300 مليون دولار في أبو ظبي”، سبوتنك عربي، 31/7/2017:

https://arabic.sputniknews.com/business/201707311025379585-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%B8%D8%A8%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9/

(24) “الصين والإمارات تعيدان إحياء طريق الحرير”، الخليج الاقتصادي، 12/12/2015:

http://www.alkhaleej.ae/economics/page/98efef8f-b4e7-4437-864e-a089c1aac9ca

(25) محمد يسري، “قطار الصين إلى أوروبا: كيف ستتأثر مراكز التجارة والمواصلات في الشرق الأوسط”، رصيف 22، 24/1/2017:

قطار الصين إلى أوروبا: كيف ستتأثر مراكز التجارة والمواصلات في الشرق الأوسط؟