ماهية الاتفاق النووي

على مدار 21 شهرا خاضت إيران مفاوضات مراثونية مع القوى العالمية العظمى وهي الدول الخمس الدائمة للعضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا بالإضافة إلى ألمانيا، وتمكنت الأطراف من توقيع على خطة عمل مشترك تمثل اتفاقا مبدئيا بين هذه الدول 5+1 مع طهران حول برنامجها النووي وذلك في تاريخ 14 يوليو 2015 في فيينا، ودخل حيز التنفيذ في 16 يناير 2016، وقد اعتبر ذلك إنجازا دبلوماسيا تاريخيا بين إيران والقوى الست الكبرى.

استمر العمل بالاتفاق النووي على طبيعته حتى قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، والذي وصف هذا الاتفاق بأنه أسوء صفقة حدثت في التاريخ، محملا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كافة تداعياته السلبية على الساحة السياسية الأميركية، وهدد مرارا بالانسحاب منه ما لم يتم معالجة القصور فيه وتعديله، وقام بداية العام الحالي بإعطاء الدول الأوروبية مهلة حتى 12 مايو المقبل، للنظر في الاتفاق النووي وإصلاح ما به من عيوب، مقابل تمديد “تعليق العقوبات الأميركية”، وفي غير ذلك ستنسحب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق.

تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية تهديدات ترامب مرارا بالانسحاب من الاتفاق النووي، الأمر الذي اعتبرته طهران انتهاكا لبنود هذا الاتفاق، وطالبت الاتحاد الأوروبي بالتدخل لحماية هذا الاتفاق من الانهيار، مع وجود جهات أميركية تدعم هذا الاتفاق وعلى رأسهم وزارة الخارجية التي كان يمثلها ريكس تيلرسون وهو من أقوى المؤيدين للاتفاق النووي مع إيران.

غير أن إقالته والمجيء بأشد الشخصيات الأميركية عداء لإيران، وهو “مايك بومبيو” رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية سابقا وتقديمه وزيرا للخارجية، وأخيرا تعيين “جون بولتون” من صقور ترامب المناهضين لإيران، مستشارا للأمن القومي الأميركي، تكون المواقف المناهضة للاتفاق النووي في البيت الأبيض قد اكتملت وتلاحمت، الأمر الذي جعل العديد من الخبراء والمحللين يسلطون أضواءهم على مستقبل الاتفاق النووي وعلاقات إيران مع الولايات المتحدة، والقرارات التي سيتخذها الرئيس الأميركي ضد إيران في المرحلة القادمة، ومدى تأثير هذه القرارات على الداخل الإيراني ولاسيما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق وعودة العقوبات السابقة على طهران من بين هذه القرارات، والتي حسب معطيات المرحلة الراهنة فإنها ستتخذ بالفعل.

وضعية الاتفاق النووي في الوقت الراهن

 في مطلع العام الجاري قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد “نظام رفع العقوبات” عن إيران بموجب الاتفاق النووي ولكن “للمرة الأخيرة”، معلنا أنه يريد تعزيز الاتفاق باتفاقية إضافية خلال 4 أشهر أو أن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق النووي، غير أن كافة المسؤولين الإيرانيين أعلنوا صراحة عدم إمكانية إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، ما يجعل الاتفاق النووي حاليا يسير نحو الانهيار بكل تأكيد، وخاصة أن الرئيس الأميركي أعلن أنه سيتخذ قرارات صارمة ضد إيران خلال شهر واحد، وكافة التقديرات تؤكد أن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق هو أحد القرارات، إضافة إلى إعادة العقوبات التي كانت مفروضة قبل الاتفاق النووي على طهران، وتشديدها لعوامل ومسببات أخرى أبرزها “البرنامج الصاروخي الإيراني، وملف إيران في دعم الإرهاب وانتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان”.

وبمتابعة التقارير وحتى مقالات الرأي الإيرانية والعربية والأجنبية المتعلقة بمستقبل الاتفاق النووي وسياسات ترامب الحازمة تجاه طهران، فإنه يمكن التأكيد أن الولايات المتحدة الأميركية ستنسحب من الاتفاق النووي خلال شهر مايو، حيث حدد الرئيس ترامب يوم 11 مايو القادم آخر موعد للدول الأوروبية بإقناع إيران بتعديل الاتفاق النووي وإصلاح العيوب فيه، غير أن إيران مصرة على موقفها في عدم التفاوض مرة أخرى حول الاتفاق النووي، وتشدد على رفض أي تفاوض حول برنامجها الصاروخي المثير للجدل، ما يعني أن ترامب سيضطر إلى اتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق النووي.

وعلى أقل الاحتمالات، فإن ترامب يهدف من عزل تيلرسون وتعيين بومبيو وزيرا للخارجية وبولتون مستشارا للأمن القومي إلى إرسال عدة رسائل لطهران:

أولها: أن الرئيس الأميركي يريد بهذا التغيير الإيحاء بالانتقال إلى سياسة عملية ضد طهران وجعل عام 2018 مختلفا تماما عن سابقه الذي تميز بكثير من الكلام وقليل من العمل ومنع الانتصارات ومراقبة الأحداث دون تصفيتها.

والثانية هي إرسال رسالة “الترهيب والتخويف” لإيران ودفعها للتجاوب مع الجهود الأوروبية خلال المهلة المتبقية لتعديل وإصلاح الاتفاق النووي.

والثالثة أن هذه التغييرات في تركيبة الإدارة الأميركية ترجح كفة المعارضين للاتفاق النووي، ما تعرض مستقبل هذا الاتفاق للخطر أكثر من قبل، فالإطاحة بمؤيدين له والإتيان بمعارضين جدد تمثل مؤشرا واضح المعالم في وجود نوايا أميركية لنسف هذا الاتفاق، وربما أهم تلك الرسائل هو إيجاد شرخ في التحالف الإيراني مع روسيا والصين، حيث أن الترويج لإلغاء الاتفاق النووي يدفع الشركات الروسية والصينية إلى إعادة النظر في أي استثمار في الداخل الإيراني، حتى أن بعض المحللين يذهبون أبعد من ذلك، ويرون أن العقوبات على إيران لا تستهدف طهران بقدر استهدافها للاقتصاد الصيني والروسي، وأن إيران عبارة عن أداة لمحاربة النمو الاقتصادي الصيني والروسي، ويربطون ذلك بمسألة الأمن القومي الأميركي، وهذا ما يفسر دعوة بعض المسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة إلى إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وعودة العقوبات عليها، حتى لا تستطيع الصين وروسيا من الاستفادة من الأسواق الإيرانية ولا سيما النفطية والغازية.

الرسائل السابقة لا يمكن اعتبارها مجرد إشارات إعلامية، بل إنها مؤشرات حقيقية على قرارات أميركية حازمة أيضا، وذلك في ظل استمرار طهران رفضها تعديل الاتفاق النووي وفق الرغبات الأميركية حتى هذه اللحظة، وفشل الاتحاد الأوروبي في تطبيع طهران وإخضاعها، ما يرسم أفقا قاتما لما سيكون عليه الحال في 12 مايو القادم عندما تنقضي مهلة الأربعة أشهر التي حددها ترامب لتعديل الاتفاق، حيث ترسم المعطيات الحالية، حتى كتابة هذه الورقة، صورة واضحة للقرارات الأميركية التي ستتخذ ضد إيران والتي سيكون الاتفاق النووي أول الضحايا، الأمر الذي سيعيد إيران في حال تم إلغاء الاتفاق النووي إلى سنوات 2012 و2013، وهي فترة ذروة العقوبات على طهران.

ومع وجود رأي الأغلبية في الولايات المتحدة يتجه إلى نسف الاتفاق، غير أنه لا يزال هناك أصوات نافذة في البيت الأبيض تدعم الاتفاق النووي، على رأس تلك الأصوات قادة “البنتاغون” حيث أكد قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال “جوزف فوتيل” في  شهر مارس الماضي  أمام لجنة في مجلس الشيوخ أنه ووزير الدفاع “جيم ماتيس”، وقائد أركان الجيش الجنرال “جو دانفورد”، يعتبرون الحفاظ على الاتفاق النووي مصلحة أميركية، غير أن هذه الأصوات ليست متشددة، كما أنها بدأت تخفت بعد رؤيتها بأن ترامب يستهدفها بالعزل فورا.

وقد بدأت مؤخرا محادثات بين الدول الأوروبية وإيران تهدف لطمأنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تجارب الصواريخ الباليستية التي أجرتها طهران مؤخرا ومن نفوذها الإقليمي مع الإبقاء على الاتفاق النووي، ولكن هذه التحركات على مايبدو أنها ستفشل خصوصا وأن إيران التي لا تزال تعاني من أضرار العقوبات الأميركية، وسترفض تقديم أي تنازلات جديدة بشأن ملفها النووي وقدراتها الصاروخية، وهو ماقد يسهم بخلق أزمة جديدة في المنطقة التي تعيش حالة من عدم الاستقرار.

ما هي العيوب التي تراها الولايات المتحدة في الاتفاق النووي وتريد إصلاحها؟

 

أولا: تطالب الولايات المتحدة بالتفتيش المباشر لكل المواقع التي يرغب المراقبون الدوليون بزيارتها في إيران دون أي صعوبات أو قيود من الجانب الإيراني.

ثانيا: وضع بنود وقيود جديدة تضمن أن لا تتمكن إيران مطلقا بالاقتراب من امتلاك السلاح النووي، وهذا بحاجة إلى إضافة بنود جديدة في الاتفاق النووي لم تحدد حتى الآن بشكل دقيق بسبب الإصرار الإيراني على رفض أي تعديل أو تفاوض حول الاتفاق النووي.

ثالثا: تشترط الولايات المتحدة عدم وجود أي سقف زمني للاتفاق، وعدم الفصل بين برامج الصواريخ البعيدة المدى والبرنامج الخاص بالتسليح النووي، ما يعني أن إيران مجبرة على التفاوض حول البرنامج الصاروخي الباليستي إلى جانب برنامجها النووي.

وبهذه الشروط المصرة عليها إدراة ترامب، والمرفوضة رفضا قطعيا من الجانب الإيراني، يرتبط مصير الاتفاق النووي، بعدة عوامل أهمها:

أولا: مدى تجاوب الكونغرس الأميركي مع شروط ترامب، وقدرة الأخير على إقناع الأكثرية في الكونجرس بضرورة تعديل هذا الاتفاق أو الانسحاب منه، ما يعتبر في القانون الأميركي أنه مشروع يجب أن يمر عبر الكونجرس، حيث يحتاج هذا القانون إلى ستين صوتا من أصل مائة داخل مجلس الشيوخ، في نفس الوقت الذي يتمتع فيه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب بأغلبية ضئيلة جدا 51 مقعدا مقابل 49 للديمقراطيين، وتبدو فكرة استمالة نواب من الحزب الديمقراطي صعبة باعتبار أن الحزب يشكك بالطريقة التي يدير بها ترامب الملف النووي الإيراني، ويعتبر أن خياراته تجاه هذا الملف محاولة منه لإلغاء أحد إنجازات الرئيس السابق باراك أوباما الديمقراطي.

ثانيا: مدى قدرة ترامب وفريقه على التأثير على الاتحاد الأوروبي ودفع الأخير إلى التجاوب وقبول شروط ترامب، ولا سيما أن الاتحاد الأوروبي أظهر أكثر من مرة ضرورة الالتزام بالاتفاق النووي، ولا ترغب دول الاتحاد الإنخراط في سياسة ترامب الإندفاعية والحازمة تجاه الاتفاق النووي، وترى أن هذا الاتفاق يحقق بالفعل كبح البرنامج النووي الإيراني، ويدقق الرقابة عليه، وتعتبر دول الاتحاد الأوروبي أيضا أن الاتفاق النووي مع إيران ضروري للأمن العالمي وأساسي للجم خطر تسابق على التسلح النووي في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد عدة صراعات، لذا فإن الإدراة الأميركية يتوجب عليها مساع حثيثة في إقناع الدول الأوروبية للتجاوب مع سياسة البيت الأبيض الحازمة تجاه إيران، وفي غير ذلك، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها منفردة في هذه السياسة، وهو ما لا يحبذه الكونجرس الأميركي والبنتاغون وبعض المؤسسات الأميركية الأخرى، ولا سيما أن إيران ستستغل عزلة أميركا في هذا القرار (أي الانسحاب من الاتفاق النووي) من أجل إظهار مظلومية طهران من قبل الولايات المتحدة، وأن طهران التزمت بالكامل بالاتفاق النووي غير أن أميركا انتهكته بشكل صريح، لذا فإن بعض الجهات الأميركية ستجد من الضروري الحصول على تأييد الاتحاد الأوروبي في قرار إلغاء الاتفاق قبل اتخاذه.

ثالثا:  مدى قدرة الإدارة الأميركية على إثبات عدم التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، وأنها تسعى إلى الحصول على سلاح نووي، وهو ما يجعل تغيير مواقف بعض القوى الإقليمية والعالمية وعلى رأسها اليابان والصين تجاه الاتفاق النووي أمر ضروري، لاسيما أنها سترى أن هذا الاتفاق سوف يؤدي إلى سبق على السلاح النووي في المنطقة والعالم، وذلك بعد تهديد السعودية بأنه في حال امتلكت إيران سلاح نووي فإنها ستضطر إلى امتلاك نفس السلاح أيضا.

الموقف الإيراني من المطالب الأميركية الجديدة تجاه الاتفاق النووي

 تؤكد إيران وعلى لسان كافة مسؤوليها السياسيين والعسكريين والأمنيين أن لا تفاوض مجددا على الاتفاق النووي، وأن إيران ملتزمة بكافة بنود الاتفاق النووي ولم تنتهك أيا منها، كما وترفض رفضا قاطعا السماح للمفتشين الدوليين زيارة المواقع العسكرية الإيرانية وتعتبر ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية، كما وترفض طهران رفضا قاطعا التفاوض حول برنامجها وقدراتها الصاروخية على اعتبار أن ذلك عبارة عن قدرات دفاعية لا تستهدف أي جهة، ومن حق أي دولة تطوير أسلحتها الردعية والدفاعية.

وحول آخر رد إيراني على التغييرات في المناصب الأميركية والتي تنبؤ جميعها كما يذكر المسؤولون الإيرانيون بقرب انهيار الاتفاق النووي، جاء من قبل المساعد السياسي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والذي حذر من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بسبب إقالة تيلرسون وتعيين بومبيو خليفة له.

ووضع عراقجي سيناريوهين لمستقبل الاتفاق النووي:

الأول: انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، وقتها فإن إيران لن تبقى في مثل هذا الموقف في الاتفاق النووي، وقد أكدت طهران مرارا وعلى لسان عدد من كبار مسؤوليها بأنه في حال خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي فإن إيران ستنسحب أيضا من هذا الاتفاق، لأنه لن يعود له أي جدوى.

الثاني: أن يقوم الأوروبيون من أجل الحفاظ على الاتفاق بالتعهد للولايات المتحدة بإجراء مفاوضات جديدة مع إيران حول البرنامج النووي بعد انتهاء مدة الاتفاق الحالي وهي ثمان سنوات، مع تشديد العقوبات الأوروبية على طهران لاسترضاء الولايات المتحدة، وهذا الأمر أيضا غير مقبول ومرفوض تماما بالنسبة لإيران، وتعتبره طهران بأنه انتهاكا للاتفاق النووي.

ما يعني أن إيران ستعتبر الاتفاق النووي ملغيا في حال خرجت الولايات المتحدة منه أو طالبت أي جهة التفاوض من جديد حول الاتفاق حتى بعد انتهاء مدة الاتفاق الحالي.

غير أن بعض الخبراء الإيرانيين يضعون سيناريو ثالث إزاء مستقبل الاتفاق النووي يقوم على أساس الجهود الأوروبية الحثيثة في الحفاظ على الاتفاق النووي، حيث هناك طريقة يمكن أن تبقي إيران في الاتفاق النووي حتى ولو انسحبت الولايات المتحدة منه، وهي أن تعقد الدول الأوروبية اتفاقا مع الولايات المتحدة تنص على إعفاء بعض الشركات الأوروبية من العقوبات الأميركية في تعاملها مع إيران، وهذا السيناريو يخلق جوا من التفكير وإعادة النظر لدى المسؤولين في إيران، والتي ستجعلهم أكثر تأنيا في اتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق النووي فيما إذا وجدوا أنه لا يزال هناك مكاسب اقتصادية تجنيها طهران من هذا الاتفاق رغم انسحاب أميركا من الاتفاق النووي.

وهذا السيناريو يعتمد تنفيذه على الجهود الأوروبية وقوة إقناعها أو مدى إرادتها في التأثير على الجانب الأميركي، إضافة إلى أن الولايات المتحدة تستهدف من الانسحاب من هذا الاتفاق الجانب الاقتصادي منه، لأنها ترى أن هذا الاتفاق حقق مكاسب مالية كبيرة للنظام الإيراني والحرس الثوري والصين وروسيا أيضا، الأمر الذي أدى إلى زيادة أنشطة إيران الإرهابية وتدخلاتها في المنطقة، وقاد إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني والروسي في المنطقة، لذا فإنه على الأرجح أن ترفض الولايات المتحدة إعفاء بعض الشركات الأوروبية من العقوبات في تعاملها مع الجانب الإيراني.

ورغم كافة الجهود الأوروبية لإقناع الولايات المتحدة بعدم الانسحاب من الاتفاق، والتي منها فرض عقوبات أوروبية على إيران، لإقناع ترامب بمواصلة الحفاظ على الاتفاق النووي، إذ اقترحت بريطانيا وفرنسا وألمانيا فرض عقوبات جديدة من قبل الاتحاد الأوروبي على إيران، بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية، ودورها في سوريا، لضمان استمرار واشنطن ضمن الاتفاق النووي، إلا أن ذلك لم يقنع الولايات المتحدة، ولم يقنع إيران أيضا التي اعتبرت ذلك انتهاكا صريحا للاتفاق النووي من قبل الاتحاد الأوروبي الذي يسعى من خلال هذا التصعيد والضغط على إيران لاسترضاء الرئيس الأميركي، وإقناعه بالبقاء ضمن الاتفاق النووي، لكن على ما يبدو أن ترامب لن يقبل بذلك دون التوصل إلى اتفاق تكميلي للاتفاق النووي مع طهران.

وتستشعر طهران حاليا أن تهديدات ترامب الحالية تختلف نوعا ما عن تهديداته السابقة بشأن الاتفاق النووي، لا سيما بعد إقالته وزير الخارجية “ريكس تيلرسون” الذي كان يصف الاتفاق النووي بأنه مقبولا على الأقل، وتعيين مايك بومبيو المعروف بمواقفه المتشددة تجاه السياسات الإيرانية خلفا له.

وبعد هذه التعديلات، ترى إيران بشكل عام أن ترامب عازم على الانسحاب من الاتفاق النووي، وهو ما بدا جليا من خلال تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” بأن “الولايات المتحدة تصمم على الانسحاب من الاتفاق النووي، وإن التغييرات الأخيرة لوزارة الخارجية أجريت لهذه الغاية، أو على الأقل هذا أحد أسبابها، وأكد أن فرض أي عقوبات أوروبية إضافية على بلاده سيكون لها تأثير مباشر على الاتفاق النووي، كما أكدت وسائل الإعلام الإيرانية تحت عناوين كثيرة أن إقالة تيلرسون وقدوم بومبيو يعتبر آخر مسمار في نعش الاتفاق النووي، وأن على طهران وضع مسارات عديدة لكيفية التعامل مع الأوضاع في مرحلة ما بعد انهيار الاتفاق النووي، وهذه النظرة تقريبا عامة تشمل السياسيين والخبراء ووسائل الإعلام الإيرانية التي باتت جميعها تتعامل مع الاتفاق النووي على أنه في غرفة الإنعاش وأنه يحتضر بالفعل.

ولكن ماذا يعني إنسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي؟

 إن إنسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي يعني بالضرورة إلغاء وانهيار هذا الاتفاق بالكامل حتى وإن بقيت الدول الأوروبية تعلن التزامها بهذا الاتفاق إلى جانب إيران، لأن الولايات المتحدة تتحكم بما نسبته أكثر من 90% من العقوبات على إيران، والاتحاد الأوروبي لا يزيد عن 10% فقط، ما يعني أن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، أصبح لا قيمة له، وحتى إن بقيت الدول الأوروبية فإن كافة الشركات العالمية ستتجنب التعامل مع إيران تلاشيا للعقوبات الأميركية.

ففي حال حسمت الولايات المتحدة موقفها وخرجت من الاتفاق النووي، يكون هذا الاتفاق قد انتهى عمليا، الأمر الذي سيدفع طهران إلى الانسحاب منه أيضا، وعودة  أنشطتها النووية إلى قبل يوليو 2015، ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المئة وربما أكثر، حينئذ ستدخل القضية النووية الإيرانية دوامة ومسارا جديدا، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الخيار الأكثر سوءا، أي استخدام القوة العسكرية ضد إيران.

في المقابل فإن العقوبات التي كانت مفروضة على طهران قبل رفعها بداية عام 2016 ستعود مرة أخرى على إيران، و هي العقوبات التي فرضت عليها من قبل عدد من الهيئات دولية لمنع بعض الصادرات العسكرية والنووية إلى إيران، والاستثمارات في مجال النفط والبتروكيماويات، وصادرات منتجات النفط المكرر، وأي تجارة مع مؤسسة الحرس الثوري، ومنع صفقات الصرافة والتأمين مع إيران، وتشمل البنك المركزي الإيراني؛ والشحن وغيرها.

وهذا يعني أن المؤشرات الاقتصادية الإيرانية ستتراجع لتعود إلى أسوأ ما كانت عليه قبل الاتفاق النووي، وبكل تأكيد فإن حجم التبادل التجاري النفطي وغير النفطي لإيران مع دول العالم سينخفض بشكل تدريجي، إضافة إلى خروج وإيقاف العديد من الاستثمارات الأجنبية التي أقيمت أو أنها لا زالت قيد الدراسة للاستثمار في الداخل الإيراني، وإجهاض العديد من المشروعات التي تم الاتفاق عليها بين إيران من طرف ودول وشركات عالمية من طرف آخر وخاصة تلك المتعلقة بالطاقة والغاز وتطوير الطرق وسكك الحديد وغيرها.

أضف إلى ذلك فإن عودة العقوبات على طهران يعني إعادة فرض القيود على صادراتها النفطية والغازية، والتي استفادت منها طوال العامين الماضيين في تعزيز اقتصادها إلى حد ما، وساهم تصدير النفط الإيراني في تخفيض حدة ارتفاع التضخم ومعدلات الفقر والبطالة، وعزز من القدرات والإمكانيات المالية لمؤسسات النظام وخاصة العسكرية والأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 أبريل 2018