15 عاما على الغزو.. الأميركيون هربوا من ورطة العراق بتقديمه لإيران

العراقيون يدفعون ثمن فشل مخابرات أميركا وتواضع ثقافة رئيسها ليُفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني، منفذا أجندته التوسعية الفارسية العنصرية.
“هل كان علينا أن نزيح صدام من السلطة؟” سؤال طرحه جون نكسون، عميل المخابرات الأميركي الذي استجوب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في كتابه “استجواب رئيس”. يتكرر هذا السؤال اليوم، كما تكرر في كل ذكرى للغزو الأميركي، وكلما تعمّقت حالة الفوضى أكثر.

اليوم، وفيما تمر الذكرى الخامسة عشرة على دخول الدبابات الأميركية بغداد وإسقاط نظام صدام حسين (8 أبريل) إثر الغزو الأميركي للعراق، في الأسبوع الثالث من الحملة العسكرية على العراق (20 مارس 2003)، أجدني أطرح هذا السؤال مجددا، وأرجع مرة أخرى إلى كتاب نكسون الصادر في سنة 2016، بحثا عن إجابة.

يكشف الكتاب عن صفحات هامة من هذا التاريخ وتفاصيل تلك العملية وطريقة تفكير الإدارة الأميركية ومؤسساتها وأسلوب ترويجها لعملية الاحتلال التي دمرت الدولة العراقية. ويضم 14 فصلا تشكل صفحاته الـ(237).

تتناول تلك الفصول الكثير من القضايا التي تتعلق بالاحتلال والمرحلة التي سبقته وأسلوب عمل وكالة الاستخبارات في تجميع المعلومات عن العراق واعتمادها على عناصر المعارضة العراقية، وفي مقدمتهم أحمد الجلبي والمؤتمر الوطني.

ويقول عن وكالة الاستخبارات “الوكالة شأنها شأن غالبية المؤسسات البيروقراطية الكبيرة، كانت تتحكم فيها سلالم سلطة، كثيرا ما كانت تزدحم بأشخاص يتسلقونها بالعمل المألوف ويعتبرون الأفكار الجديدة مصدر خطر على مراكزهم. حين التحقت بالوكالة كان أحد شعارات تأهيلي (تجرأ على أن تكون مخطئا)، ولكنني اكتشفت إبان عهد كلينتون وبوش وأوباما أن مبدأ العمل الحقيقي هو (تجرّأ على أن تكون محقا). ويعطي هذا الواقع صورة واضحة عن فشل الوكالة في التعامل مع الملف العراقي”.

ويضيف “لم تكن الوكالة مستعدة للتعامل مع المسألة العراقية حتى وإن كان بات واضحا في أواخر 2001 أن الولايات المتحدة ستشن الحرب على صدام.. كنا مقيدين جدا نتيجة افتقارنا للمصادر على الأرض، ولم تكن لدينا سفارة ولا أعين ولا آذان تطلعنا عما يجري وأصبحنا نعتمد بشكل شبه كامل على مصادر المغتربين العراقيين”.

ويؤكد الكاتب حالة الهوس التي كانت تعيشها الإدارة حين يقول “كان تركيزنا على صدام والمقربين منه بلغ حدا جعل ذكر أي موضوع لا يتناول النظام إلا بمساس عرضي، يعتبر استخداما سيئا لمواردنا”.

ويضيف “كان بول وولفتز، نائب وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، قد أغرق الوكالة بطلباته للمعلومات، إذ كان يسعى إلى فهم جذور التهديد العراقي للولايات المتحدة، ولكن جهوده كانت تقوضها سخافة أسئلته، فكثيرا ما كان يطالب المحللين بالتعليق على تقارير تنشرها مجلة ‘فانيتي فير’ أو على تقارير الأخبار المسائية”.

مع اتضاح نوايا البيت الأبيض في الإعداد للحرب ضد العراق اصطفت وكالة الاستخبارات المركزية خلف الرئيس، وقامت بنقل محللين من مكاتب أخرى إلى مكتب الشأن العراقي. كان العديد منهم قد أمضوا سنين في منطقة حروب البلقان في عقد التسعينات، فكانوا يبحثون عن خيول جديدة ليركبوها في السباق من أجل الترقية الوظيفية.

يروي جون نكسون كيف تم القبض على صدام حسين، قائلا “كشف لي محلل في مجلس الأمن القومي أن أفرادا من القوات الخاصة قد قبضوا على محمد إبراهيم عمر المسلط. كان محمد إبراهيم رئيس حراس صدام حسين الشخصيين خلال فترة فراره، إلا أنه سرعان ما انهار وبسهولة بعد أن حاول التأكيد بأنه لا يعرف مكان صدام حسين، غير أن إغراء الجائزة، 25 مليون دولار تفوق على الولاء الشخصي، فقاد أفراد القوات الخاصة إلى مخبأ الدكتاتور السابق”.

وهذه الواقعة هي تأكيد على أن خيارات صدام حسين بالاعتماد على أقربائه في سنوات حكمه الأخيرة وتهميش الحزب وآليات عمله سهّلت عملية احتلال العراق وسهّلت اعتقاله.

ويصف الكاتب صدام حسين حين بدأ استجوابه قائلا “كان صدام صلبا وحاد الذكاء ومناورا، كما يبحث دائما عن نقاط ضعف قد تصب لصالحه”. و”كان يقاوم أي محاولة واضحة لإخضاعه، كان في أغلب الأحيان منتبها وقادرا على مناقشة جملة واسعة من التفاصيل، (بعكس غالبية السجناء)”.

ويضيف الكاتب “كان في جلساتنا الأولى يبدو مرتاحا ولكنه كان في أحيان أخرى يلجأ إلى أسلوب المجابهة، فخلال جلستنا الثالثة قال ردا على أحد الأسئلة: أنا صدام حسين رئيس جمهورية العراق، فمن تكونون أنتم؟ وفي مناسبة أخرى غضب من أسئلتي إلى حد رفض مصافحتي ثم وضع الغشاء على رأسه ومد ذراعيه بغضب للحارس كي يخرجه من الغرفة”.

ويلامس الكاتب الحقيقة حين يتحدث عن شخصية صدام حسين وموقفه من التاريخ، فيقول “كان التاريخ يسحره، ولكنه كان يفتقر إلى العمق الفكري ليتعلم من دروسه”، وهو محق بهذا، فقد تعامل صدام حسين مع التاريخ تعاملا انتقائيا لإبراز دوره كقائد أوحد للعراق دون أن يستلهم من التاريخ عبرهُ التي كان من الممكن أن تغير مسيرته كحاكم.

كان صدام حسين يتحدث كثيرا عن القوة في تاريخ العراق ممثلة بنبوخذ نصر مثلا، ولكنه نادرا ما يتحدث عن الحكمة والعدالة ممثلة بحمورابي صاحب أول القوانين في التاريخ، أو الثقافة والوعي ممثلة بآشور بانيبال الذي أسس أكبر مكتبة في العالم في عهده.

ويذكر نكسون أن صدام حسين قال له خلال استجوابه حول التعامل مع الرموز الدينية، وهو ما استخدمته قوى شجعت الاحتلال كورقة ضده “قلت لهم لا مانع من ممارستهم للدين، ولكن عليهم أن لا يدخلوا العمامة في السياسة فلن أسمح لهم بذلك”. ويضيف “كان صدام يتحدث عن الشيعة، ولكن ذلك المنع كان يشمل الأصوليين السنة”.

في المكتب البيضاوي

في الفصل المعنون (غطس عميق في المكتب البيضاوي) يروي الكاتب لقاءه بالرئيس جورج بوش في البيت الأبيض. ويلمس القارئ من أسلوب الحديث والتساؤلات المطروحة على الكاتب كمحلل، سطحية تفكير بوش ومستشاريه ووزرائه في ما يتعلق بنظرتهم للواقع الذي أحدثه الاحتلال في العراق.

يقول جون نكسون “فوجئت بالرئيس وأنا أعرض تقريري وأتحدث عن رجل الدين العراقي مقتدى الصدر يسألني: هل علينا أن نتدبّر قتله؟ فقلت له إن ذلك لن ينجح إلا في جعله شهيدا ويزيد بالتالي من شعبيته”. وفي اللقاء الثاني، يقول الكاتب “قال لي بوش إن عادل عبدالمهدي عضو المجلس الإسلامي الأعلى قد أخبره أن الصدر كاد يكون متخلفا”، فأجبته إن “عادل عبدالمهدي من أعداء الصدر”.

ويضيف في الفصل نفسه في مكان آخر “سألني بوش إن كان صدام يعرف بأنه سيتم إعدامه، فقلت له: إن من أوائل الأمور التي أشار إليها صدام كانت معرفته بأن حبسه سينتهي بإعدامه وإنه قد سلم نفسه لذلك”.

وعن اللقاء الثاني في المكتب البيضاوي، يقول جون نكسون “كان بوش قد انهمك في دراسة الشأن العراقي ولكنه ظل لا يتفهم تداعيات الغزو في المنطقة، كان أحد الزملاء قد أخبرنا أن بوش يقرأ كتاب ‘السلام الذي طغى على كل سلام: تكوين الشرق الأوسط’، لكن بوش كان يقرأ الكتاب عام 2007 وليس عام 2002 قبل أن يقحم الولايات المتحدة في النزاع المدمر في العراق”.

يتحدث جون نكسون عن قراءته لمذكرات بوش، التي تحدث فيها الرئيس الأميركي السابق عن جوانب كثيرة من احتلال العراق، فيقول “لدى انتهائي من قراءة كتاب ‘مذكرات بوش’ كانت قناعتي قد زادت بأنه لم يتعلم أي شيء عن العراق أو عن صدام حسين، كان كتاب بوش بمثابة دفاع عن اعتقاده بأن صدام كان مصدر تهديد للولايات المتحدة حتى بعد أن أوضح الغزو والاستجوابات العديدة أن صداما لم يكن غير نمر من ورق فيما يخص أميركا”.

في ختام هذا الفصل يقول “من المفارقات الكبيرة في حرب العراق هي أن الدكتاتور صدام حسين والمقاتل من أجل الحرية جورج بوش كانا متشابهين في العديد من الجوانب، كل منهما يبدي مظهرا مترفعا ومتغطرسا وكان جاهلا نسبيا في شؤون العالم الخارجي ولم يسافر إلى الخارج إلا فيما ندر، وكان ميالا إلى عدم رؤية الأشياء بغير اللونين الأسود والأبيض، كان كل منهما يفتقر إلى الخبرة العسكرية الحقيقية”.

شنق في الظلام

في الفصل الأخير من الكتاب، والذي حمل عنوان شنق في الظلام، يستعرض جون نكسون ما جرى قبل إعدام صدام ثم يتوصل إلى عملية إعدامه، فيقول “كنت أتوقع أن إعدام صدام حسين سينقل عبر التلفزيون لكونه سيعرض على العالم والعراقيين بشكل خاص بأنه مات وفق سلطة القانون ولكن ما شاهده العالم كان مروعا في تسجيل فيديو مصور بهاتف محمول ظهر صدام وهو يتسلق منصة مؤقتة ليواجه مضطهديه”، “بينما كنت أشاهد الصور رديئة الجودة التي كان يلتقطها مستشار المالكي للأمن الوطني موفق الربيعي، كان ما لفت انتباهي هو أن صداما كان الرجل الأكثر وقارا وهيبة في الغرفة لقد تعامل مع الموقف كما كنت متوقعا منه بتحد وبلا خوف حتى النهاية”.

ويضيف نكسون “كانت عملية إعدام صدام مستعجلة تمت بمنصة مؤقتة في سرداب مظلم ببغداد. بالنسبة إلي كانت قد انهارت آخر الركائز التي ارتكزت عليها عملية حرية العراق، لم يكن صدام رجلا يجذب الإعجاب، وكلما زادت معرفتك له تناقص إعجابك به، ولكننا أتينا إلى العراق قائلين إننا سنجلب الديمقراطية وسلطة القانون، وها نحن نسمح بشنقه في ظلام الليل”.

البوابة الشرقية

حكم صدام حسين العراق عقودا بالحديد والنار وغيّب الحياة الحزبية والمدنية وعسكر الشارع العراقي. لكن الاحتلال لم يدخل البلاد ليحررها من هذا الوضع، كما ادعى الأميركيون، فهناك حكام دكتاتوريون لا يقلون قساوة مع شعوبهم عن صدام حسين ولم يتعرض لهم أحد.

كان العراق مستهدفا كبلد أكثر من صدام حسين كدكتاتور، وهذا ما أثبتته الأيام والسنوات. لقد فتح هذا الاحتلال الطريق أمام الإسرائيليين والإيرانيين لتصفية العلماء العراقيين والكفاءات العراقية وأيضا خيرة الضباط في العراق.

لقد سهلت دول عربية العدوان على العراق، وفتحت إيران حدودها لتتوغل ميليشياتها الطائفية تحت بصر الاحتلال وسمعه فتعمل على تمزيق نسيجه الاجتماعي.

لقد سقطت البوابة الشرقية للعرب وفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني، منفذا أجندته التوسعية الفارسية العنصرية. وهاهو رحيم بور أزغدي، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، يعلن أن بلاده هي من أعدمت الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

ليث الحمداني: كاتب عراقي

نقلا عن جريدة العرب:  15 عاما على الغزو.. الأميركيون هربوا من ورطة العراق بتقديمه لإيران