مقدمة:

يلعب الإعلام دوراً هاماً في حياة الدول والشعوب، ويؤدي وظيفة هامة لاغنى عنها في تشكيل الرأي العام تجاه الحكومات، ولذلك فإن معظم حكومات دول العالم تسعى من خلال الآليات المناسبة لضبط أداء وسائل الإعلام للمحافظة على الاستقرار السياسي، وتختلف هذه السياسات والآليات وفقاً لطبيعة الحكومات، ديمقراطية أم شمولية؛ فالحكومات الديمقراطية تتبع نهجاً إيجابياً في مواجهة الاستخدام السيء للوسيلة الإعلامية في نشر الشائعات وإثارة التوترات والنزاعات، بوضع القيود التي تحد من انتشار مثل هذه الوسائل التي تستهدف أمن المجتمع، لكن الحكومات الشمولية كثيراً ما تلجأ لفرض القيود والعراقيل أمام حرية الإعلام وحرية التعبير من أجل الحفاظ على السلطة، وتتحول وسائل الإعلام إلى وسائل تتحدث بلسانها، ومن ثم تفقد الكثير من مصداقيتها لدى الجمهور الذي يتجه إلى البحث عن وسائل بديلة.

 وهذه الدراسة تحاول إعادة قراءة واقع الإعلام السوداني في ظل التحولات والمتغيرات المستمرة في بيئة الإعلام والسياق السياسي السوداني، وخاصة بعد التوترات والتقلبات السياسية التي سيطرت على المشهد السياسي والإعلامي خلال السنوات الأخيرة، وفي ضوء التطورات التكنولوجية في بيئة الانترنت التي مهدت لتطور الإعلام الرقمي الذي يعتمد على الإنترنت كوسيلة سهلة وأقل تكلفة وأكثر انفتاحاً في التواصل الجماهيري الذي يتجاوز القيود السياسية وغيرها، وذلك من خلال مبحثين رئيسين:

المبحث الأول: نشأة وتطور الإعلام السوداني

المبحث الثانى: التحديات التي تواجه الإعلام السوداني بعد تطور إعلام الإنترنت

نشأة وتطور الإعلام السوداني:

 تحتل وسائل الإعلام مكانة متميزة انطلاقا من طبيعة وظائفها وتأثيرها على الرأي العام، حيث تعتمد دول عالم اليوم على ثلاث أركان رئيسة في بنائها ألا وهي (السياسة والاقتصاد والإعلام)، وتلعب وسائل الإعلام، سواء كانت مسموعة أو مقروءة أو مرئية، عبر ما تقدمه من معلومات دوراً هاما ورئيساً في بناء القناعات والاتجاهات والمعتقدات عند الفرد والمجتمع، ويرى القائمون على مؤسسات الإنتاج الإعلامي أن وسيلة الإعلام اليوم هي وسيلة فعالة لإيجاد أرضية خصبة للتأثير وللتعبير عن الرأي، فنجد اليوم دولاً ومؤسسات تتنافس بشراسة لريادة هذا القطاع والذي أصبح له القدرة على التحكم في عقول البشر وتوجهاتهم، وفي الغالب تسعى الحكومات لتقديم وظائف الإعلام الأساسية وهي: الإعلام أو الأخبار، التعليم، التثقيف، الترفيه، ويمكن أن تضاف إليها في بعض الخدمات وظيفة الإعلان، والخدمة الحكومية في الكثير من الأحيان لا تهدف لتحقيق الربح، إنما يكون هدفها الأساسي هو تحقيق هذه الوظائف التي تعمل على تنمية المجتمع وإعلام الجماهير بكل الجهود والخدمات العامة التي تسعى الدولة لتحقيقها خدمة لمواطنيها، وقد تتشابه الطرق والأساليب التي تحصل من خلالها وسائل الإعلام على الحدث، لكن تغطية هذا الحدث، والتعامل معه هي التي تتفاوت من إذاعة إلى أخرى من صحيفة إلى أخرى، وهذا هو المحك في التميز والاختلاف بين خدمة وأخرى[1].

وعلى صعيد الإعلام السوداني، فقد تأثر في نشأته بعلاقته بالسلطة وهو ما انعكس على علاقته بالجمهور وعلى أدائه، ولاتزال التحديات التي تواجه الإعلام السوداني تفرض البحث عن حلول أو بدائل، ويمكن دراسة واقع الإعلام السوداني وعلاقته بالسلطة والجمهور على النحو التالي:

 أولاً: نشأة وتطور الإعلام السوداني:

تعود البداية الحقيقية لتاريخ الإعلام السوداني إلى عام 1903 عندما تأسست أول صحيفة سودانية، وهي صحيفة “السودان الحديث”، ونشرت باللغة الإنجليزية ثم باللغة العربية، واستخدمت الأحزاب السياسية منذ الاستقلال في عام 1956 وسائل الإعلام كقنوات لنشر المعلومات والحصول على الدعم السياسي خلال فترات الحكم المدني أو العسكري، وعانت وسائل الإعلام السودانية من سيطرة الحكومة، وخضع التلفزيون لسيطرتها الكاملة، وأصبح التلفزيون هو الناطق باسمها[2].

وقد ارتبطت نشأة الإعلام السوداني في كل مراحله بالسلطة السياسية، فإما أن يكون جزءا منها أو خاضعاً لرقابتها، فالتطور التاريخي لأجهزة الخطاب الإعلامي ارتبطت دائما بجهاز الدولة، والمستفيد الأكبر من ذلك هم النخبة السياسية بحكم ارتباط الإعلام وتطوره بها، وقد امتازت هذه العلاقة أحياناً بالشد والجذب مما أثر سلبا على أداء الإعلام لأدواره الريادية، وبات دور الإعلام السوداني قاصراً على الاهتمام بقضايا الوطن والمواطنين، فعندما يتناول الشأن العام يكون تناوله سطحياً، لا يتعمق ولا يعبر إلا عن رؤية الناشر، حزباً كان أو فرداً، ولم يعد لدى الكوادر الإعلامية الدراية الكافية والقدرة على تناول الشأن العام[3].

ويعتبر عام 1903، هو البداية الحقيقية لنشأة الصحافة في السودان رغم وجود بعض المطبوعات التي لا يمكن أن نطلق عليها مصطلح صحيفة، بالمعنى المتعارف عليه، حيث صدرت في هذا العام صحيفة السودان الحديث عن دار المقطم، وكانت صحيفة شبه رسمية وثيقة الصلة بالدوائر الحكومية، وكانت صلتها بالحكومة الاستعمارية قوية، وكانت تؤيد سياسة الحكومة تأييداً مطلقاً، وخصصت لها أعمدة للمدح، وخاصة مدح اللورد كرومر والإشادة به، وخلال الفترة من بداية الخميسينيات من القرن العشرين وحتى إعلان الاستقلال، صدر ما يزيد عن السبعين صحيفة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الصحافة أصبحت منبراً سياسياً لكفاح الحركة الوطنية التي مهدت لاستقلال السودان، وبعد الاستقلال صدرت العديد من الصحف الجديدة، وأهمها: أخبار الخرطوم، صوت الشعب، الرقيب، النداء، الزمان. وعقب إطاحة الجنرال عبود بالحكومة الحزبية في 17 نوفمبر 1958 قامت الحكومة العسكرية بإيقاف الصحف إيقافاً تاماً، حتى تم إصدار صحيفة “الثورة” لتكون لسان الحكومة، وبعد تنحي الجنرال عبود عن السلطة، صدرت العديد من الصحف الجديدة، مثل: أخبار الأسبوع، آخر لحظة، الأضواء[4].

وخلال فترة الحكومة الانتقالية التي أعقبت الحكم العسكري لجعفر نميري (1969 – 1985) قام الجنرال جعفر محمد نميري بتأميم الصحافة 1970، وبعد استيلاء حركة الإنقاذ العسكرية على السلطة في 30 يونيو 1989، أوقفت الصحف الحزبية، ومنذ أول يوم من توليه السلطة أصدر عمر البشير قوانين تحظر جميع الصحف، وشهدت هذه الفترة هجرة جماعية للصحفيين السودانيين، وفر معظم الصحفيين من البلاد إلى دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وتدريجيا، سمحت الحكومة بالصحف، وبدأت السلطات السماح بالنشر للصحف المرخص لها، وعلى الرغم من ذلك، ظلت الرقابة المباشرة وغير المباشرة للحكومة على الصحف السودانية، وخلال هذه المرحلة، اقتصرت أنشطة وسائل الإعلام على منطقة الشمال قبل استقلال جنوب السودان، وتركزت الإذاعات والصحف والمجلات وقنوات التلفزيون جميعها في الشمال[5]. وصدرت العديد من الصحف الجديدة عام 1993، وكان من أهم هذه الصحف: السودان الحديث، الإنقاذ الوطني، النصر، أخبار اليوم،…وغيرها [6].

ثانياً: وسائل الإعلام وعلاقتها بالسلطة في السودان:

 يفرض التنظيم الحالي لوسائل الإعلام المطبوعة في قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2004 القيود الصارمة على الحق في التعبير عن الرأي، من خلال نظام الجزاءات القاسية التي تضمن سيطرة السلطة التنفيذية على وسائل الإعلام، ولا سيما من قبل رئيس الجمهورية، وقد حدد القانون دور المجلس الوطني للصحافة، كهيئة تنظيمية تقوم بإصدار التراخيص للمؤسسات الإعلامية، وتفرض العقوبات على الصحف[7].

وتسيطر الحكومة على قطاع الإذاعة والتلفزيون سيطرة كاملة، وتعتبر الإذاعة من أهم المصادر الرئيسة للمعلومات بالنسبة للشعب السوداني، وخاصة في ظل انخفاض مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة للسكان بعيدا عن الصحافة المكتوبة، ومع ذلك، لا توجد سياسة لتشجيع الإذاعة المجتمعية أو تطوير وسائل إعلام إذاعية تعددية، كما لا توجد أية هيئة تنظيمية مستقلة، والجدير بالذكر أن معظم مشروعات القوانين الجديدة والمقترحة لن تحقق الإصلاح المطلوب، لأنها في الغالب تسمح بالحفاظ على الوضع الراهن وتعزز السيطرة على الإعلام[8].

وقد أصبح راديو وتلفزيون الدولة في عام 2002 مؤسسة مستقلة اسميا، هي مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ولها مجلس إدارة يعينه وزير الإعلام، وتسيطر الحكومة على مضمون المحتوى الإعلامي وتضع معايير سياسية وأمنية يلتزم بها الإعلام المرئي والمسموع، وباستثناء مراكز البث الإقليمية التي تعاني من انخفاض مستويات التمويل، فإن المحطات الإذاعية غير قادرة على العمل لأكثر من 5 إلى 7 ساعات يومياً، ويوجد في الخطوم وحدها حوالي 8 محطات راديو مملوكة للحكومة، ولاتزال محطات التلفزيون تحت حراسة أمنية مشددة، تفرض عليها الحكومة قيوداً على محتواها وفق المعايير السياسية والأمنية، ومن أهم قنوات التلفزيون الحكومي، القناة الوطنية (تلفزيون السودان) وقناة النيل الأزرق التي يمكن مشاهدتها في جميع أنحاء البلاد عبر الأقمار الصناعية[9].

ثالثاً: التطور في بيئة الإنترنت وأثرها على المجال الإعلامي:

وفي ظل هذا السياق السياسي والإعلامي، فقدت وسائل الإعلام السودانية الكثير من مصداقيتها لدى الجمهور السوداني، وخاصة لدى الشباب الذي أقبل على استخدام الانترنت ومطالعة الصحافة الرقمية، التي أصبحت تلعب دورا رئيسيا في تشكيل الرأي العام السوداني في ظل ضعف وسائل الإعلام التقليدية التي تنشر ما تشاء وتحجب ما تشاء، وتعبر عن وجهة نظر السلطة أكثر من المواطن[10].

وبرغم ضعف البنية الأساسية للإنترنت، زاد استخدام الشباب السوداني لهذه الوسائل الحديثة، في ظل قلق متزايد لدى الحكومة السودانية من تزايد تأثيرها على الرأي العام، وفقا لما ذكره المركز الوطني للمعلومات، فإن اشتراكات الإنترنت الخاصة قد ازدادت في عام 2006 من 50 ألف في عام 2001 إلى 500 ألف في عام 2005، وزاد عدد مقاهي الإنترنت أكثر من الضعف في الفترة نفسها، لكن نسبة استخدام الانترنت ظلت الأعلى في الخرطوم[11].

وقد وصل عدد مستخدمي الإنترنت حتى نوفمبر 2015 حوالي 11 مليون مستخدم، بينما كان عددهم حتى نهاية عام 2013 حوالي 8 مليون مستخدم ويشكلون حوالي 22٪ من نسبة السكان. حوالي 6 مليون مستخدم في عام 2012، بينما كانوا في عام 2000 يقدرون بـ 30 ألف مستخدم فقط. وتشير التقارير إلى تزايد إقبال السودانيين على استخدام تطبيق انستغرام، خصوصاً بين فئة الاعمار (18-25 عاما). وفي 2015 زاد التفاعل على تطبيق واتساب، حيث يفضل السودانيون استخدام واتساب على فيسبوك، ويأتي بعده تطبيق الانستغرام ثم تويتر ثم يوتيوب. وحاز تطبيق واتساب لدى المستخدمين السودانيين في الفترة 2014-2015 على أعلى نســـبة تـــفـــاعل وجاء بعده موقع فيســبوك ثم الانستغرام ثم موقع تويتر وأخيراً موقع يوتيوب.

ويعتبر موقع فيسبوك من أهم مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلاً وذلك من إجمالي المشاركين في الاستبيان الذي أجرته شبكة مدونون سودانيون بلا حدود، حيث وصل عدد السودانيين على الموقع 4 مليون مستخدم، وجاء موقع تويتر في المركز الثالث بين مواقع التواصل الاجتماعي التي حازت على اهتمام السودانيين بنسبة 25٪. ومن بين كل 200 شخص كان هنالك 50 شخصا مشتركون على موقع تويتر. وكان اليوتيوب هو الموقع الثاني الأكثر تفاعلاً بين السودانيين بنسبة 47٪، حيث وصلت أعلى نسبة مشاهدات للقنوات 2 مليون مشاهدة وقرابة 60 ألف مشترك، وتتنوع القنوات بين القوالب الكوميدية الساخرة والدرامية والتقنية والمتنوعة، وشهد تطبيق الانستغرام تفاعلاً كبيراً من قبل السودانيين في الأعوام 2014-2015 خصوصاً من قبل الفئة العمرية (15-25 عاما) والمعروف عالمياً أن الانستغرام يحظى بحوالي 200 مليون مستخدم، أما في السودان فقد تخطت بعض الحسابات حاجز الـ 90 ألف مستخدم بنسبة تفاعل يومية عالية[12].

وفي هذا السياق، يمكن أن نستنتج أنه في ظل السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام التقليدي، وزيادة إقبال الجمهور السوداني على استخدام الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها وسيلة مناسبة للحصول على المعلومات، فإن وسائل الإعلام الرقمية قد باتت الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام السوداني مقارنة بالوسائل التقليدية التي تخضع للرقابة الحازمة من جانب حكومة السودانية، وهذا يعني أن الإعلام السوداني يواجه تحديات جديدة قد يعجز عن مواجهتها والاستمرار في منافسة هذه الوسائل الجديدة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 أبريل 2018

[1] ابرام تيلار كوج كون: تطور ودور وسائل الإعلام في جمهورية السودان، سودارس، 17/8/2018، متاح على الرابط التالي:https://www.sudaress.com/sudanile/43719

[2] International Media Support: Assessment and outline of a strategy for media support Media in Sudan at a crossroads, November 2007,p.21

[3] مصعب عبد القادر وداعة الله: دور الإعلام السوداني في عملية التحول الديمقراطى في السودان لمرحلة ما بعد السلام، ص 59

[4] هشام محمد عباس: ” البنية البشرية للصحافة السودانية “، مجلة النيل العلمية، 2009، ص ص 30-37

[5] International Media Support, op.cit,p.25

[6] هشام محمد عباس، مرجع سبق ذكره، ص ص 30-37

[7] International Media Support, op.cit,p.18

[8] Ibid,p.19

[9] Ibid ,p.20

[10] طه الفضل طه: ” الإعلام الإلكتروني في السودان الواقع…والتحديات، سلسلة البحوث والدراسات، مركز الخطوم للإعلام الإلكتروني، متاح على الرابط التالي:https://www.academia.edu/5548668

[11] International Media Support, op.cit,p.25

[12] صلاح الدين مصطفى: تزايد نسبة تفاعل السودانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، القدس العربى، 20/2/2016، متاح على الرابط التالي:http://www.alquds.co.uk/?p=485990