أصبحت حقوق الملكية الفكرية بلا شك من ضمن القواعد والمحاذير المتعارف عليها في الوقت الراهن، وتخصص لمثل هذه الحقوق محاكم ومؤسسات تسجيل وتوثيق عالمية كبرى. وعادة ما يتم توثيق الماركات والأسماء التجارية على المستوى الدولي من أجل الاحتفاظ بحقوق الملكية وبالصبغة التجارية للأسماء، وما يترتّب عليها من أرباح بفعل الإشهار والتداول والرواج والسمعة التي تحققها كل شركة بحسب نشاطها واجتهادها.

بالتأكيد هناك العديد من القضايا المرفوعة في المحاكم المتخصصة بمثل هذا النوع من الخلافات التي لم تكن مألوفة من قبل. لكن نمط التجارة العالمية العابرة للقارات، وخاصة مع تزايد نشاط التسويق الإلكتروني، أدى إلى تقارب المسافات وتزايد المشاحنات المتعلقة بالأسماء العالمية للشركات المصدّرة والمنتجة وتلك الوسيطة المتخصصة بالتسويق.

هكذا تطور الاقتصاد العالمي في ظل ذوبان الحدود التجارية وتوقيع المعاهدات الدولية التي جعلت قارات العالم سوقا مفتوحة للسلع والبضائع، ومجالا لعمل الشركات متعددة الجنسيات ذات الفروع المنتشرة التي تتاجر بكل شيء وتمارس مختلف الأنشطة التي لا تخطر على البال، من مقاولات البناء إلى توزيع السلع الفاخرة وإلى جانبها السلع الهامشية الرخيصة، ولكل زبون لدى شركات التسويق الإلكتروني السلعة المناسبة. ولعل هذا ما يجيده الصينيون في السوق العالمية، حيث يبيعون كل شيء. وفي المقابل يبدو أنهم يريدون امتلاك كل شيء بما في ذلك أسماء الشخصيات التراثية المرتبطة بثقافات الشعوب الأخرى.

بالعودة إلى قضايا الملكية الفكرية والطرائف المتعلقة بها، أحدث قضية من هذا النوع كانت من نصيب شركة صينية تتخذ لنفسها اسما من التراث العربي الموغل في خصوصيته العربية والمتداول لدينا منذ سن الطفولة أيام مشاهداتنا لقصص التلفزيون الخاصة بالأطفال، فمن منّا ينسى شخصية “علي بابا”.

تشير تفاصيل الخبر الطريف والغريب إلى أن مجموعة صينية قابضة باسم “علي بابا” أقامت دعوى قضائية ضد شركة أخرى يقع مقرّها في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. وعللت الشركة الصينية شكواها التي رفعتها إلى المحكمة الجزائية الأميركية في مانهاتن، بأن استخدام الشركة الأخرى لعلامتها التجارية يربك المستهلكين ويجعلهم يعتقدون بوجود رابط بين الشركتين.

من الناحية الشكلية كانت الشركة الصينية ستبدو على صواب لو أنها تدافع عن اسم لعلامة تجارية مأخوذة من الثقافة الصينية. لكن وجه الطرافة هنا أن الشركة الصينية تريد أن تحتكر اسما تراثيا عربيا متداولا بشكل شعبي هو “علي بابا”. بل إن الشركة الصينية تريد تحت مبرر الملكية الفكرية اختطاف وانتحال ثيمة أسطورية لا صلة لها بالثقافة الصينية، وكل مثقف بسيط يعرف هذه الحقيقة كما يعرفها الأطفال العرب الصغار. وبالتالي لا يمكن أن يتحدث “علي بابا” اللغة الصينية ويصبح اسمه حكرا على شركة تتجاهل الموروث العربي، بل وترفع دعوى قضائية في الولايات المتحدة ضد شركة تحمل الاسم ذاته، رغم أن مقرّها يقع في دبي، المدينة التي تعتبر قلب الشرق الأوسط ورئته الاقتصادية.

نتيجة للثقة بقوة المنطق الثقـافي وتفوّقه على الشكليات القانونية الجامدة، لم ترد الشركة التي تتخذ من دبي مقرّا لها. ولم تعلّق على خبر الدعوى المرفوعة ضدها. واتخذت القضية مسارا مختلفا غلب عليه عدم التعاطف مع الشركة الصينية، وخاصة بعد ملاحظة تكرار انخراطها في رفع دعاوى قضائية تثير ضدها السخرية، بسبب ملاحقاتها لشركات ومتاجر عديدة تبيع سلعا متفرقة تحمل اسم “علي بابا”، مع ترجيح محللين للقول بأن اسم علي بابا له خصوصية بعيـدة تاريخيا وثقافيا عن الصين لأنه ينتمي إلى منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن احتكاره من قبل الشركة الصينيـة المهـووسة برفع الـدعاوى القضائية.

ومن سخرية القدر أن تقوم تلك المجموعة الصينية برفع درجة الخلاف وحدة الطمع في احتكار اسم تراثي عربي إلى مستوى إقامة دعوى قضائية ضد شركة مقرّها في دبي، ذنبها أنها استخدمت اسما هو الأكثر التصاقا ببيئة وجغرافية الشرق الأوسط. بمعنى أن شركة صينية تقاضي أخرى، ليس مهما أن تكون عربية أو غير عربية، لكن الأهم أن مقرّها يقع في دولة عربية هي الإمارات، واسم “علي بابا” مأخوذ من التراث العربي، وبالتحديد من قصص “ألف ليلة وليلة” الأكثر شهرة في لائحة كتب التراث السردي العربي القديم.

صحيح أن قصص التراث ملك للحضارة الإنسانية وليست حكرا على أحد ليتخذها اسما تجاريا. لكن في المقابل ليس من حق أحد أن يعاقب الآخرين على استخدام ذلك الاسم التراثي المملوك للحضارة العربية أولا وأخيرا. فهل يعقل على سبيل المثال أن نعاقب شركة صينية اتخذت من اسم التنين علامة تجارية لها، بالتزامن مع اختيار الاسم ذاته من قبل سوق أو متجر عربي كبير؟ حتى الآن لم نسمع عن أي مؤسسة عربية ربحية أو غير ربحية سعت قديما أو حديثا لمقاضاة مؤسسات أو شركات تجارية أو معارض فنية غربية استخدمت قصصا من التراث العربي وعلى رأسها “ألف ليلة وليلة” في أعمالها التجارية أو الفنية، بل على العكس لاقى توظيف الموروث العربي في الفن العالمي استحسانا لدى الجمهور العربي، كما هو الحال مع أعمال متعدّدة في السينما الأميركية التي أنتجت الكثير من قصص التراث العربي بطريقة مبهرة.

يبدو الاحتجاج القانوني للشركة الصينية على استخدام اسم “علي بابا” في غير محلّه، ولا يمتلك مبررات مقنعة من الناحية الثقافية التي يجب أن يتم الالتفات إليها ومراعاتها، لأن المنظور القانوني بمفرده قد يكون جامدا إذا لم ينظر للمسألة ببعدها الثقافي. وبالمثل لنا أن نتخيّل دار نشر تقوم بإعادة طباعة كتاب “ألف ليلة وليلة” ثم تقوم دار نشر أخرى بمقاضاتها لأنها سبقتها في الطباعة. سيكون الأمر مضحكا وغير مبرر ثقافيا لأن محتوى ذلك الكتاب أصبح من قصص التراث الإنساني.

لا ننكر أن الكثير من قصص “ألف ليلة وليلة” التي نضرب بها المثل هنا والتي وردت في ثناياها أسطورة علي بابا، هي الأخرى مأخوذة من ثقافات متنوعة وحاملة لأساطير من شعوب وثقافات عديدة، كالثقافة الفارسية والهندية والصينية وغيرها، ولكنها في النهاية خرجت بثوب عربي ولغة عربية، ونقلها العالم بأسره مترجمة عن اللغة العربية وليس عن لغات أخرى، بل إن ابن المقفع نفسه، صاحب “كليلة ودمنة” الفارسي الأصل والمكتسب للثقافة والهوية العربيتين، قد أفاد الثقافة الفارسية والهندية والصينية، لأن النسخة العربية من كتابه “كليلة ودمنة” كانت المرجع الوحيد الذي استفادت منه تلك الثقافات في إعادة إحياء ما اندثر من قصص تلك الثقافات وحكاياتها.

كان على جاك ما مؤسس ورئيس شركة “علي بابا” الصينية قبل أن ترفع شركته هذه الدعوى، أن يتذكر بأنها تستخدم اسما له مرجعية تراثية عربية لا تزال حتى اليوم تُروى للأطفال في منطقتنا. وبحسب التقارير الاقتصادية فإن شركة علي بابا الصينية تعدّ أكبر شركة تجارة إلكترونية في العالم. فما حاجتها لمثل هـذه الدعوى؟ كما أن أبواب دول الشرق الأوسط مفتوحة أمام الاستثمارات الصينية في مختلف القطاعات.

 وعلى مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة يزداد التبادل التجاري مع الصين كل عام، وترتفع معه نسبة الاستثمارات الصينية بالتوازي مع ارتفاع أعداد المستثمرين الصينيين الذين يستفيدون بشكل كبير من التسهيلات الهائلة التي تقدّمها السوق الإماراتية لرؤوس الأموال الوافدة. لذلك نتساءل، هل يريد الصينيون أن يصمّموا على جعل “علي بابا” يتحدث اللغة الصينية رغم انتمائه للتراث العربي؟ وكيف تتجرأ شركة تنهض علامتها التجارية على انتحال اسم عربي أصيل وتقوم برفع دعوى لا تضع اعتبارا لحق الشركات الناشئة في البيئة العربية باستخدام الاسم الأقرب لها ولتراث المنطقة؟

رابط المقال بجريدة العرب:“علي بابا” من التراث العربي ولا يتحدث الصينية

بقلم: د.سالم حميد

9 أبريل 2018