التحديات التي تواجه الإعلام السوداني بعد تطور إعلام الإنترنت

يلعب الإعلام دورا هاما في تشكيل الرأي العام وله تأثير على اتجاهات المواطنين، لكن الأمر في السودان يختلف بسبب سطوة الحكومات وهيمنتها على وسائل الإعلام، عبر ممارسات القمع والملاحقات والاعتقالات والتهديد والوعيد والوصم بالخيانة والعمالة[13]. ومنذ نشأة الإعلام السوداني، حاولت السلطة السياسية دائما السيطرة على وسائل الإعلام، من خلال الآليات الرقابية والقانونية المختلفة، وغالبا ما تأثرت المؤسسات الصحفية بسلطة المال، الذي أثر على الرسالة الإعلامية، لأن السيطرة الإعلامية وضعت المؤسسة الصحفية في موضع المؤيد دائماً للسلطة، ومن ثم فقد ظل المشهد الإعلامي السوداني ذا طبيعة خاصة ومختلفة عن الدول الأخرى، حيث تخضع الإذاعة والتلفزيون بصورة كاملة لسيطرة الحكومة بينما تخضع الصحافة والمجلات للقطاع الخاص، ولكن محدودية الصحف التابعة للحكومة لايعني مطلقاً أنها دليل على تمتع الصحف بالحرية الكاملة والابتعاد عن التحكم في الصحف بل هناك طرق أخرى تتذرع بها الحكومة للسيطرة على الصحافة [14].

أولاً: التحديات التي تواجه الإعلام السوداني:

العقبات الرئيسية التي تعترض سبيل الإعلام السوداني هي الرقابة والسيطرة على الصحافة، وتستطيع الحكومة إغلاق صحيفة في أي وقت.. وربما تغيرت الأساليب إلى الرقابة غير المباشرة، بعد أن كانت الرقابة رقابة أمنية تتمثل في قيام ضباط الأمن بزيارة الصحف في المساء لإخبارها بما يمكن طباعته، واليوم، أصبحت الرقابة المباشرة معدومة، فإذا كان لدى الصحيفة الشجاعة لنشر المعلومات المثيرة للجدل، فإنها سوف تتعرض لمصادرة كل نسخها ما يعرضها لخسائر مالية فادحة، وتعد سلطة المجلس الوطني للصحافة في تعليق أو إلغاء تراخيص الإعلام أمراً مهماً في السيطرة على وسائل الإعلام، على النحو الوارد في قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2004، الذي يحدد الشروط التي يجب على المؤسسات التي تريد العمل في مهنة الإعلام الالتزام بها. ومن ثم فإن الخوف من التعليق أو الإغلاق أو السجن أدى الى انتشار الرقابة الذاتية بين الصحفيين، ورؤساء تحرير وسائل الإعلام والعاملين في الخرطوم[15].

ويرى العديد من الصحافيين السودانيين أن الرقابة أخطر أنواع الأسلحة التي تمارسها السلطة تجاه وسائل الإعلام السوداني بشكل عام، والصحافة على وجه الخصوص، وعلى الرغم من أن رفوف المكتبة الأكاديمية تزخر بالعديد من النظريات التي تفسر مفهوم الرقابة، إلا أن الصحافة السودانية اليوم تتضرر من الرقابة بعد النشر، أي بعد الطباعة وقبل التوزيع، حيث يتم مصادرة العديد من الصحف من قبل جهاز الأمن والمخابرات[16].

وتشير منظمة مراسلون بلا حدود التي تراقب أوضاع الحريات الصحافية في العالم ومقرها باريس، إلى أن جهاز الأمن السوداني يستدعي الصحافيين ويراقب الإعلام المطبوع، وقام في الفترة الأخيرة بمصادرة النسخ المطبوعة للصحف المستقلة مثل التيار والجريدة والوطن وآخر لحظة، مما جعل هذه الصحف تفقد آلاف الدولارات من عائدات الإعلانات إضافة إلى التكلفة العالية للطباعة التي تثقل كاهلها، ويتوقع أن يتزايد الحد من حرية الصحافة في حال أجازت الحكومة قوانين جديدة تمنحها سلطة إيقاف الصحف دون اللجوء إلى المحاكم، وسُلطة الترخيص لمزاولة النشر الصحفي الإلكتروني، أو إيقاف الصحفي عن الكتابة للمدة التي تراها مُناسبة[17].

وبرغم اتفاق الكثير من الباحثين على تاريخ الصحافة السودانية ودورها في دعم الحركة الوطنية وفي تحقيق استقلال السودان، لكن التحولات والتغييرات في أنظمة الحكم، عسكرية أم مدنية، كانت عاملاً مباشراً في عدم استقرار الصحافة، وبالتالي أثر على تطورها وانتشارها، فقد أوقفت النظم العسكرية، بما في ذلك نظام الإنقاذ بقيادة البشير، الصحف، وتقطعت السبل بالعاملين فيها، وتراجعت المهنية والخبرات مع قلة الموارد والإمكانيات المادية لإدارتها، ومن ثم تواجه الصحافة السودانية أزمة حقيقية تهدد استمرارها في الصدور أو الوصول إلى قرائها بفعل الضغوط السياسية والاقتصادية والمهنية وتعرضها للإيقاف والتعطيل، وأحياناً وقف بيعها بعد طباعتها، مما ينجم عن ذلك خسائر مادية فادحة، كما تعاني من محدودية التوزيع، وضآلة الإعلانات أو قلة قيمتها وعائدها، إلى جانب تصاعد أسعار متطلبات الطباعة من الأحبار إلى الورق… إلخ. ولذلك تمر الصحافة السودانية بصعوبات جمة وإشكالات متعددة، مما يثير القلق بشأن مستقبلها، الأمر الذي أدى إلى تراجع توزيعها وعزوف القراء عن الإقبال عليها[18]..

وهذه التحديات السياسية والاقتصادية والمهنية جعلت الصحافة السودانية على حافة الخطر الحقيقي، أي الاختفاء أو الإغلاق، وقد توقفت أو اضطرت صحيفة سياسية (الأحداث) إلى إعلان توقفها واحتجابها لعجزها التام عن مواجهة نفقات الطباعة، ودفع أجور ومرتبات الصحافيين والعاملين، وواجهت صحف أخرى ضغوطاً متعددة، مما اضطرها إلى الاستغناء عن صحافيين كثيرين، ضمنهم من عمل في الصحافة مدة سنوات طويلة، ومن ثم لم تعد الصحيفة السودانية المصدر الوحيد للأخبار أو المعلومات، لأن العوامل السياسية والاقتصادية وغيرها، تسببت في التدهور، والعنصر الغالب هو أن عزوف القارئ عن مطالعة الصحف أو شرائها يعود إلى غياب المهنية والتأثير الأيديولوجي للسلطة، كما أن الصحف التي أوقفت جاء قرارها بموجب قانون الأمن[19].

وفي هذا السياق، وجد الصحافيون السودانيون أنفسهم في مواجهة مع جهة مجهولة، دفعت بمقترح تعديلات على قانون الصحافة والمطبوعات 2009، تبيح للجهاز الإداري السيطرة على الصحف والصحافيين، إيقافاً ومصادرة ومنعاً من الكتابة، وقد جاء في مؤشر حرية الصحافة السنوي الذي تعده منظمة مراسلون بلا حدود عن أبريل 2017، تدنى تصنيف السودان في هذا المؤشر، حيث جاء السودان في المركز 174 من بين 180 دولة، في القائمة التي تتذيلها دول: فيتنام، الصين، سوريا، تركمانستان، إريتريا، وفي ذيل القائمة كوريا الشمالية، باعتبارها الأسوأ في حريات الصحافة[20].

وبلاشك فإن تسييس الإعلام يعد من أهم التحديات، لأن جزءاً كبير من وسائل الإعلام في السودان تعمل ضمن إطار سياسي لتحقيق غايات سياسية بهدف التأثير على الرأي العام، والمثال الواضح على ذلك هو سيطرة الحكومة السودانية على هيئة الإذاعة والتلفزيون، فمن الواضح أن المؤسسة تسعى فقط لتوصيل رسائل الحكومة، كما أن هياكل ملكية الصحف تؤكد تأثير المصالح السياسية في الإنتاج الإعلامي، ومن المعلوم أن تسييس الإعلام يؤثر على الأخبار والمعلومات وعلى اتجاهات الشعب السوداني، ويرى العديد من المتخصصين في الشأن السوداني أنه عندما تفشل الصحافة في تقديم محتوى متوازن في سرد الأحداث والآراء في المجتمع، فإن الجمهور سوف يصيح بحاجة إلى قراءة ما بين السطور أو اللجوء إلى مصادر بديلة للحصول على صورة أكثر وضوحاً [21].

كما أن ارتفاع تكاليف الطباعة يظل من أهم التحديات التي تواجه الإعلام السوداني، فضلا عن زيادة عدد الصحف التي تتنافس على عدد قليل من القراء في ظل قدر محدود من التمويل، وتواجه الصحف المعارضة للحكومة تحديات أصعب، لأنها لا تحصل على إعلانات من المؤسسات الحكومية، فضلاً عن أن ضعف الاقتصاد قد أحدث آثاراً ضارة بوسائل الإعلام، وإن كانت بعض الصحف لاتزال تعتمد على الدعم المالي من الأحزاب السياسية وغيرها من الجهات الفاعلة السياسية السودانية، لكن هذا يجعلها تحت تأثيرها السياسي، ويظل التوزيع هو مشكلة أخرى تواجه الصحف المطبوعة، وكذلك ارتفاع نسبة الأمية في المناطق الريفية، ولا تزال الإذاعة تواجه عدداً من القيود، بما في ذلك مستوى الانتشار[22].

وقد أظهرت الدراسات التي أجريت مؤخرا أن طبيعة ملكية وسائل الإعلام في السودان تكشف عن سيطرة الحكومة سيطرة كاملة على وسائل الإعلام، ثم إن الحكومة السودانية تستخدم وسائل الإعلام الإذاعية الناطقة باسمها في الدعاية السياسية، ومن الآثار الضارة بملكية الحكومة التأثير على حرية الرأي، وتبين معظم الدراسات عن التغطية الإخبارية السياسية وما يترتب عليها من آثار بالنسبة للناخبين في اتخاذ القرارات السياسية أن نوعية المعلومات الموجودة في الأخبار السياسية تتأثر بملكية وسائل الإعلام، و أن ما يحدث من تحيزات سياسية لوسائل الإعلام يقلل من تأثير المحتوى الإخباري، ويخفض من التوزيع للصحف [23].

ثانياً: موقف الحكومة السودانية من وسائل الإعلام الرقمية:

في ظل الصعوبات التي يواجهها الإعلام السوداني، اتجه الجيل الحديث من الصحافيين السودانيين إلى توظيف الوسائط التقنية في جميع الأخبار ونشرها واتباع النصوص وتعميم الصفحات، وحققت الصحافة عبر الإنترنت تقدماً لابأس به على مستوى النشر الإلكتروني،وأصبحت الصحف متوافرة على الإنترنت بأشكال عدة، وتمكنت من تخزين النصوص والصور على وسائط تخزين إلكترونية، ونتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القارئ السوداني وعدم مقدرته على شراء الصحف المطبوعة، فإنه أصبح يطالع الصحافة عبر الإنترنت باستمرار لمواكبة مستجدات الأحداث[24].

وبدأت الصحف الإلكترونية تحصل على إعلانات تجارية لنشرها على مواقعها (فالحكومة تسيطر على 60 بالمئة من سوق الإعلان، والصحف التي تنتقد الحكومة غالبا ما تتعرض لتضييق شديد من السلطات إلى درجة حرمانها من إعلانات تجارية موعودة)، وذلك لأن الصحافة الإلكترونية لا تواجه قيودا مثل المطبوعة كما أنها لا تواجه مخاطر مصادرة النسخ التي تواجهها الصحف المطبوعة.[25]

وبدأ الصحافيون السودانيون يهجرون الصحافة المطبوعة، إلى الملاذ الإلكتروني الأكثر أمناً وحريةً في قول ما يريدون، ما جعل الصحف المطبوعة تواجه نزيفاً في صحافييها، إضافة إلى أزماتها الأخرى المالية والرقابية التي فاقمتها المصادرة بعد الطباعة، وأمنت الصحافة الإلكترونية ملاذاً آمناً بعض الشيء للصحافيين السودانيين المطاردين بالخطوط الحمراء من قبل جهاز الأمن الذي حول المصادرة بعد الطباعة إلى أداة لإنهاك الصحف اقتصادياً، ونجح في مساعيه بإرهاقها ودفع البعض منها إلى الإغلاق، وظل جهاز الأمن والمخابرات، المؤسسة القوية في البلاد، يصادر نسخ الصحف المطبوعة بسبب مقالات تنتقد نظام الرئيس السوداني عمر البشير، ويقول رؤساء تحرير إن عددا من القوانين في البلاد تعرقل حرية الصحافة وأن الرقابة على الإعلام تزايدت عقب انفصال جنوب السودان عن السودان عام 2011.[26]

وقد ركزت معظم تصريحات المسؤولين الحكوميين في السودان حول هذا الموضوع دائـمـاً على جوانب الاســتخدام السلبي للوسائل الرقمية، واتهمت هذه المواقع باستهداف قيم وأخلاق الشباب، وخاصة بعد أن انتشرت صفحات متنوعة، منها ما يختص بالسياسة ومعارضة الحكومة، ووجدت حظها من النشر من خلال بيانات وأخبار وصور وفيديوهات، للمثقفين والصحافيين والمحاميين والصيادلة وأبناء المناطق المختلفة. واستغل الناشطون من الشباب هذه المواقع في ما عرف بثورة سبتمبر 2016، وحملت صفحاتهم أسماء مختلفة منها: ثورة الشباب، ثورة الشعب، قرفنا، الجبهة الوطنية لإسقاط النظام وغيرها. وهذا ما جعل الحكومة تبحث عن وسائل جديدة للسيطرة على هذه الوسائل، ولأنها لا تستطيع أن تفرض سيطرتها على وسائل الإعلام المنتشرة في الشبكة العنكبوتية، فقد اتجهت لأسلوب آخر للسيطرة عليها باستعمال من يسمون أنفسهم رجال الدين عامة، وهيئة علماء السودان خاصة، وغيرهم من تجار الدين، لإصدار الفتاوى ضد تلك المواقع وضد من يكتب فيها، وتحريم الكتابة فيها[27].

وربما تتجه الحكومة السودانية إلى حجب مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة بسبب دور هذا الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي في كشف فساد رموز النظام وقادته، بالإضافة لدورها في هبة سبتمبر 2016 الشعبية وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وهو ما يزيد من قلق السلطة حيال هذه الوسائل الإعلامية، التي أحدثت نوعاً من الحراك وسط المجتمع بكافة مكوناته وفئاته العمرية، و هذا الحراك شكل ارتياحاً في الكثير من الأوساط للإيجابيات التي حققتها في خلق عملية تواصل اجتماعي حقيقي وسط المجتمعات داخل وخارج السودان، وأصبحت من أهم أدوات تشكيل الرأي العام. ولم يعد حجب هذه المواقع مجدياً في هذا العصر، فاستخدام الإنترنت أصبح من الحقوق المهمة في العالم، وخاصة بعدما أبدت منظمات وجمعيات دولية انزعاجها الشديد من قطع الحكومة للإنترنت أثناء احتجاجات 2016، مثل جمعيات الإنترنت العالمية والتي أبدت انزعاجها الشديد عندما تم قطع الخدمة في السودان لمدة أربع وعشرين ساعة[28].

وقد توعدت الحكومة السودانية في أكثر من مرة الإعلام الإلكتروني، بمسودة قانون جديد للصحافة والمطبوعات، وكشف وزير الإعلام أحمد بلال في أكثر من مناسبة عن اتجاه حكومته لإنشاء مجلس للإعلام الإلكتروني، معني برصد ومتابعة ما ينشر على الإنترنت، وأكد على اكتمال الترتيبات الخاصة بإنشاء محكمة الصحافة والتي قال إنها ستباشر عملها عقب إجازة قانون الصحافة والمطبوعات الجديد، خاصة أنه لا يوجد قانون مختص بالصحافة الإلكترونية في السودان، وأن قضايا النشر الإلكتروني يتم التعامل معها وفقاً للقانون الجنائي السوداني وقوانين المعلوماتية[29].

وكثيراً ما وصف مسؤولون سودانيون الإعلام الإلكتروني بالسلاح الخطير، وهددوا بإجراءات عقابية بحق المدونين الإلكترونيين، وأفادت تقارير حقوقية دولية في وقت سابق بأن الحكومة السودانية اشترت عدداً من أجهزة التجسس لمراقبة وملاحقة النشطاء، ويملك جهاز الأمن السوداني وحدة خاصة بمكافحة جرائم المعلوماتية، كما تم إنشاء نيابة خاصة بالمعلوماتية مؤخرا، في ظل غياب قانون ينظم النشر الإلكتروني[30].

وبالفعل، مع اندلاع شرارة الاحتجاجات 2016، قامت هيئة الاتصالات السودانية بأمر من السلطات الأمنية في الخرطوم بحجب عدد من المواقع الإلكترونية أبرزها موقع سودانيز أونلاين، صحيفة حُريّات، وموقع الراكوبة. وهذه المواقع السودانيّة تضم مئات الناشطين والحقوقيين والمتابعين، وبها منتديات وساحات للتفاعل والحوار حول أبرز الأحداث التي تدور في السودان، ويعتبر الحجب الذي طال هذه المواقع أمراً متوقعاً، خاصة في ظل القمع الإعلامي الذي دأبت السلطات على ممارسته في الخرطوم، ولم تبرر السلطات حتّى الآن أسباب الحجب، ومن جانبها أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بياناً اعتبرت فيه أن الحجب الذي فرضته السلطات السودانية على موقع سودانيز أونلاين “انتهاكاً واضحاً لحرية الرأي والتعبير وانتكاسة للحق في تداول المعلومات”[31].

وقد أدت دعوة نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي لعصيان مدني في السودان إلى حالة إنكار هستيري من جانب النظام الحاكم في السودان، بلغت ذروتها بقول الرئيس عمر البشير في حشد جماهيري بولاية كسلا شرق البلاد، إن حكومته لن تسقط عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي، وقال: لن تسقط الحكومة بـ(الواتساب) و(الكيبورد)، ولن أسلم الحكم لهم، (الدايرنا يجينا عديل(. وهو ما عده المعارضون وتهديدًا وتذكيرًا بما فعلته أجهزة الأمن السودانية، في أكبر احتجاجات شهدتها البلاد في سبتمبر 2013، وقتل أثناءها محتجون، اعترفت الحكومة بمقتل أكثر من ثمانين منهم.[32]

وعلى أية حال، فإن إحكام الرقابة الأمنية على الإعلام وعلى الإنترنت ليس بالأمر الجديد على السلطات السودانية ففي يوليو 2012 قطعت خدمة الإنترنت لمدة 12 ساعة أثناء تظاهرات عارمة، كما قامت السلطات بإغلاق كامل لشبكة الإنترنت في سبتمبر 2013 لمدة 24 ساعة، وذلك عقب تظاهرات عمت أجزاء عدة من البلاد واستمرت لأيام، وساهمت قنوات التواصل الاجتماعي في بث وفضح تعامل السلطات العنيف مع المتظاهرين، واستخدام القوة المفرطة والتي أدت إلى مقتل أكثر من 177 و اعتقال أكثر من 800 شخص، كما تم حجب عدد من المواقع الإخبارية السودانية كموقع صحيفتي الراكوبة وحريات، وموقع سودانييز أونلاين، وموقع اليوتيوب، وذلك بهدف حجب المعلومات حول الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي تمت لقمع التظاهرات السلمية، وحسب مراسلون بلا حدود يوم 25 سبتمبر 2013 فإن السلطات السودانية أغلقت شبكة الإنترنت لمدة 24 ساعة بكل شبكات الاتصالات، عادت بعدها الشبكة تدريجياً للبلاد، واعتبرت مراسلون بلا حدود السودان واحداً من 31 دولة حول العالم من (أعداء الإنترنت) للعام 2014 ولفتت إلى أن مؤسسات تابعة لدول أفريقية جاءت ضمن قائمة أعداء الإنترنت من بينها ثلاث مؤسسات سودانية وهي الإستخبارات السودانية، ووحدة الجهاد الإلكتروني والهيئة القومية للاتصالات، وفي يوم 17 فبراير أطلقت citizen lab تقريرها للعام 2014 والذي كشفت فيه أن حكومات قمعية من بينها حكومة السودان تستخدم تقنيات شركة إيطالية مقرها في ميلانو للتجسس على المعارضين، وذلك عبر برنامج متطور يسمى RCS للتنصت والمراقبة والتجسس على مستعملي شبكة الإنترنت[33].

في فبراير 2014 طالب رئيس لجنة الاتصالات بالبرلمان وقف عمليات التنصت والتجسس والمراقبة التي تتم عبر شركات الاتصال، مشيراً إلى عدم قانونية ذلك. وفي 11 مايو 2014 اتهم نواب البرلمان جهات رسمية بانتهاك خصوصية المواطنين والتنصت على مكالماتهم الهاتفية وطالبوا هيئة علماء السودان بإصدار فتوى دينية تحرم التنصت على المكالمات الهاتفية، تتم عمليات التنصت والتنقيح والملاحقة على الاتصالات عبر وحدة متخصصة أنشئت عام 2011 تسمى وحدة (الجهاد الإلكتروني) تأكيداً للحرب الإلكترونية التي تشنها السلطة على معارضيها.. يعمل في هذه الوحدة مهندسون خبراء في التجسس والتهكير الإلكتروني، تلقوا تدريبات متقدمة في إيران ودول أخرى حليفة للنظام الحالي، يساعد هذه الوحدة قسم تقني خاص بالرقابة بشركات الاتصالات يتبع مباشرة لجهاز الأمن الوطني والمخابرات، كما أن للهيئة القومية للاتصالات أيضاً وحدة مراقبة مكثفة تعمل على حجب المواقع وفقاً لسياسات الهيئة،وتستعين في ذلك بوحدة خاصة في وزارة الداخلية تسمى “شرطة أمن المجتمع” تختص بمتابعة شبكة الإنترنت[34].

 وعلى أية حال، ليس بوسع الحكومة السودانية التي اعتادت على القمع وتقييد حرية الصحافة والتعبير عن الرأي سوى العمل على اتخاذ إجراءات قمعية للصحافيين والإعلاميين، أو فرض قيود جديدة على حرية استخدام الانترنت، وهذا بلاشك سيزيد من محاصرة الحريات التي ستعمل على التخلص من هذا القيود، ولا يمكننا أن نتوقع سيناريوهات بديلة سوى أن قوى التغيير ستعمل بمختلف الوسائل على تغيير الواقع، وسوف تعتمد على الوسائل الحديثة كوسائل إعلامية للتواصل الجماهيري وتداول المعلومات حول الفساد الذي تفشى في مختلف مؤسسات الدولة لينخر في شرعية النظام واستقراره.

خاتمة

يتبين مما سبق أن النظام السوداني يواجه مأزقاً حقيقياً جراء تزايد الانتقادات الدولية والمحلية بسبب قمعه لحرية الإعلام، و إمعانه في التهديد المستمر بحجب الإنترنت ووسائل التواصل وهي حقوق مشروعة للمواطنين في الحصول على المعلومات التي لايزال يتحكم في وصولها للمواطن عبر وسائل الإعلام التقليدية من خلال سيطرته على الإعلام المرئي والمسموع وفرضه الرقابة الحازمة على الصحافة المطبوعة، وفي ظل هذا السياق ليس أمام الجيل الجديد من الشباب الذين يطالبون بالتغيير سوى اللجوء إلى العالم الافتراضي للوصول إلى المعلومات، ولم يجد الصحفيون سبيلاً آخر للكتابة والتعبير عن آرائهم بحرية إلا من خلال هذه الوسائل في ظل واقع سياسي واقتصادي مضطرب لا يسمح بحرية الرأي، ولم يعد الإعلام السوداني في شكله التقليدى قادراً على منافسة الإعلام الرقمي الجديد، الأقل تكلفة والأسرع وصولاً للجماهير في هذا السياق الإعلامي والسياسي الجامد، ومن ثم فقد أخفقت سياسة القمع الإعلامي في أن تجد طريقها لحماية النظام السوداني، وبات هذا النظام أكثر انكشافاً أمام وسائل الإعلام الحديثة التي كشفت مساوئه وعورته التي طالما سعى من خلال سطوته على الوسائل التقليدية لسترها وحجب كل المعلومات عنها حتى لا يرى الرأي العام حقيقته، وهو الذي بات يرى الحقائق من خلال نافذة إعلام جديد لا تستطيع هذه الحكومة الديكتاتورية السيطرة عليه.

والنتيجة الأهم في هذا السياق هي أن السياسة الإعلامية التي ينتهجها نظام الإنقاذ والإخوان المسلمين في السودان في حجب المعلومات عن الرأي العام هي أكبر دليل على أزمة شرعية سياسية يواجهها نظام عمر البشير في السودان، وقد ضعفت حيلته أن يجد طريقة ملائمة للتصدي لثورة المعلومات والإنترنت التي باتت أداة إعلامية في يد الجيل الجديد تفوق في قدراتها الوسائل التقليدية في الوصول إلى الجمهور، وبرغم أن النظام قد نجح في إخماد الاحتجاجات التي خرجت تطالب بالتغيير والإصلاح ولكنه يواجه حراكاً مستمراً في عمق العالم الافتراضي، يشعر بهذه التحركات البعيدة في عمقه، لكنها أسرع في ثورانها من البركان الخامد، الذي ما يلبث أن يثور مع تغيرات الطقس والمناخ.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 أبريل 2018

[13] إشراقه مصطفى حامد: الإعلام والسياسة في السودان: ملتقى إعلامي الخارج نموذجا، سودنايل،10/6/2009، متاح على الرابط التالي:

http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=3638:C$Bacc_&catid=115&Itemid=55

[14] خليل عبد الله على حسين: صناعة الصحافة في السودان: تحديات الواقع وآفاق المستقبل، مجلة جامعة البحر الأحمر، العدد الخامس، يونيو 2004، ص ص 68، 69

[15] International Media Support , op.cit,p.32

[16] خليل عبد الله على حسين، مرجع سبق ذكره، ص 69

[17] العرب اللندنية: خنق الصحف المطبوعة ينعش الصحافة الإلكترونية في السودان، 14/12/2017، متاح على الرابط التالي:https://alarab.co.uk/%D8%AE%D9%86%D9%82-%D8%A7%

[18] محمد سعيد محمد الحسن: مشكلات الإعلام السوداني: علي شمو: صحافة السودان تواجه مشاكل حادة تهدد مستقبلها، الشرق الأوسط، 6/9/2012، متاح على الرابط التالي:

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=37&article=693992&issueno=12336#.WrqLUdRubIU

[19] نفس المرجع السابق

[20] الشرق الأوسط: تعديلات مقترحة لقانون الصحافة تثير الوسط الإعلامي السوداني، 20/11/2017، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/1088971

[21] International Media Support, op.cit,p.39

[22] Ibid ,p.44

[23] Yassin Bashir Hamid, Rosli Mohammed, Mohd Khirie Ahmed: The Roles of Newspapers Ownership Pattern and Access to Governmental Information in Framing of Issues of Corruption in Sudan, International Journal of Sciences: Basic and Applied Research (IJSBAR),March 2017,p.162

[24] خليل عبد الله على حسينن، مرجع سبق ذكره، ص 73

[25] العرب اللندنية، مرجع سبق ذكره، متاح على الرابط التالي: https://alarab.co.uk/%D8%AE%D9%86%D9%82-%D8%A7%

[26] نفس المرجع السابق

[27] صلاح الدين مصطفى: مواقع التواصل الاجتماعي في السودان تتعرض لانتقادات واسعة وهيئة الاتصالات تنفي حجبها، القدس العربي، 25/10/2014، متاح على الرابط التالي:http://www.alquds.co.uk/?p=240474

[28] نفس المرجع السابق

[29] محمد جمال قندول: الإعلام الإلكتروني.. الحكومة السودانية تهدد بقانون جديد للصحافة!، موقع النيلين، 4/1/2016، متاح على الرابط التالي:http://www.alnilin.com/12744164.htm

[30] العرب اللندنية: الحكومة السودانية تتوعد بخنق آخر متنفس للصحفيين، 14/1/2016، ص 18

[31] هشام الطيب: النشر الإلكتروني في السودان: رقابة وهجوم من قبل السلطات، 11/7/2012، متاح على الرابط التالي:http://www.theniles.org/ar/articles/society/1297/

[32] الشرق الأوسط: البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و معارضة الفنادق، 7/12/2016، متاح على الرابط التالي:https://aawsat.com/home/article/808451

[33] موقع lemiakatib: السودان الحقوق الرقمية وتهديدات بمزيد من الحجب، 26/7/2014، متاح على الرابط التالي:http://lemiakatib.katib.org/2014/07/26

[34] نفس المرجع السابق