القسم الثاني: تحدّيات الوجود الإيراني في البوسنة والهرسك (عوامل الجذب والطرد)

أولاً-أثر العوامل الديموغرافية:

تعتبر البوسنة والهرسك واحدة من أكثر المناطق تنوّعاً إثنياً (عرقياً ودينياً) في البلقان، بحيث تشكّل منطقة تماسٍّ حضاري بين المسلمين والمسيحية الشرقية (الروسية) والمسيحية الغربية. ورغم تباين الإحصائيات حول التركيب الإثني، والتي تذهب بعضها إلى أنّ نسبة المسلمين لا تتجاوز 40%، تقرّ أخرى غير رسمية أنّ نسبتهم تتجاوز 61%. وقد وقع تهجير كبير لهم في تسعينيات القرن الماضي أدّى إلى انخفاض نسبتهم إلى حد كبير.

وأدقّ البيانات المتوفرة، إحصائية عام 2013، والتي خرجت بالنتائج التالية:

  • عرقياً: البوشناق 50.11%، والصرب 30.78%، والكروات 15.43%، أخرى 3.68%.
  • دينياً: المسلمون 50.7%، مسيحيون أرثوذكس 30.75%، مسيحيون كاثوليك 15.19%، أخرى 3.36%.
  • حيث يكاد يتطابق التوزيع العرقي والديني.

ومن نقاط القوة التي قد يستطيع الإيرانيون العمل من خلالها،  استمرار حالة التعصّب العرقي بين المسلمين والصرب، ووجود عوامل تفجّرها كامنة في المجتمع البوسني. وفي حين يستند صرب البوسنة إلى صربيا وروسيا، فإنّ المسلمين يظلون بحاجة إلى إسناد خارجي، تحاول إيران توفير قسم منه.

وينشط مشروع إيران في أوساط المسلمين (كما هو معتاد في كافة الدول الأخرى)، بحيث يعمل على إعادة تشكيل هويتهم المذهبية شيعياً، وحيث لا يمكن له تغير التركيبة الديموغرافية المسلمة بكاملها أو بأغلبيتها، فإنّه يسعى إلى خلق حواضن شيعية، تقود إلى مزيد من الانقسام الإثني داخل البوسنة من جهة، وإعادة بناء العلاقات التحالفية المجتمعية من جهة ثانية، وزيادة أسباب النزاع داخل المجتمع كذلك.

وخصوصاً أنّ المشروع الإيراني يلقى مقاومة مجتمعية، رغم تجاهل السلطات لهذا المشروع (أو تواطؤها فيه). ففي حوار مع الأستاذ الجامعي أحمد علي باجيتش (المحاضر في الكلية الإسلامية في جامعة سراييفو)، يقول:

  • “عدم قدرة أي من الحركات العالمية على أن تحقق نجاحاً في البوسنة، والسبب أن الساحة ليست فارغة، من يدخل إليها يجد مؤسسة إسلامية لها هياكلها ولا يمكن شراؤها أو وصمها بأنها تابعة للحكومة، إنها دار الإفتاء … يظل السلفيون والصوفيون والشيعة تحدياً ويسببون لنا القلق”.
  • “المذهب الشيعي بشكل أساسي هو ما يشد الناس، فهو مذهب يركز على المشاعر، ومفعم بقصص الضحايا، والبوسنيون يميلون إلى ذلك؛ لأننا عانينا الأمرين ولدينا حساسية عالية تجاه الظلم، حتى أنّ بعض المثقفين تبنّوا موقف إيران إزاء الصراع في سوريا حتى وقت قصير خلا، لكنهم يعلنون ابتعادهم عن هذا الموقف الواحد تلو الآخر. لكني أجد أنّ التأثير ديني أكثر مما هو سياسي؛ لأن إيران بعيدة عنا كثيراً من الناحية السياسية، فنحن ننتمي من حيث الثقافة والطباع إلى الغرب (7)“.

وعلى رأس المناهضين للمشروع الإيراني في البوسنة، رئيس المشيخة الإسلامية: الشيخ حسين كارزفيتش، والذي قال إبان زيارته لمكة المكرمة في يونيو 2016: “نظام ولاية الفقيه يصر على الاستمرار في نهج البدع، وذلك بتسييس الحج ورفع الشعارات السياسية والتفرقة بين المسلمين في أطهر البقاع … كان واضحاً من النظام الإيراني بعد رفضه التوقيع على محضر ترتيبات الحج لهدف تسييس الفريضة وإبعادها عن مقصدها لأهداف وغايات لا علاقة لها بالإسلام … بالإضافة إلى إثارة الفوضى ونشر الجهل بين الحجاج أو الاعتداء، وتفريق المسلمين وجعلهم شيعاً وأحزاباً”.

ويُحذّر المناهضون للمشروع الإيراني، من أن يؤدي إطلاق قناة البلقان، إلى مزيد من تقسم المجتمع وإثارة الفتنة داخله، وتحريض شرائحه ضد بعضها، معتبرين أنّ التدخل الإيراني سيجر البلاد إلى حرب أهلية، على المدى المتوسط، وخصوصاً أنّ البلد يضمّ عوامل تفجر صراع أهلي جديد.

إذ إنّ عوامل التصدع الإثني تبقى حاضرة، بل ويتم الاشتغال عليها (من قبل روسيا تحديداً)، رغم ما شهده مؤشر هشاشة/فشل الدولة، من تحسّن سريع وملحوظ خلال العقد الفائت، حيث انتقلت من مستوى التحذير العالي جداً عام 2006 (88.5 نقطة)، ومن المركز 35 عالمياً في ترتيب الدول المهددة بالفشل، إلى مستوى التحذير العالي عام 2017 (73 نقطة) متقدّمةً إلى المركز 93 عالمياً في ترتيب الدول المهددة بالفشل، ويتجه (حالياً) إلى مزيد من التحسن. في حين أنّ إيران كانت عام 2017 في المرتبة 49 عالمياً بين الدول المهددة بالفشل، وبمستوى التحذير العالي جداً (85.5 نقطة).

ثانياً-أثر العوامل السياسية:

تشتغل إيران سياسياً على محوريين:

  • العلاقات الدبلوماسية الرسمية والشخصية مع القيادات الرسمية للدولة (كما مر سابقاً).
  • العمل على تعزيز العلاقات مع الهياكل السياسية في الدولة. حيث تتكون البوسنة من: اتحاد البوسنة والهرسك، وجمهورية صرب البوسنة، ومقاطعة بريتشكو. وقام السفير الإيراني في مايو 2017، بزيارة مدنية بانيا لوكا، في جمهورية صرب البوسنة، والتقى رئيسها ميلوراد دوديك (ذا النزعة الانفصالية)، ورئيس غرفة التجارة فيها، ومفتي المسلمين فيها. وأعرب مسؤولو صربسكا عن ترحيبهم بتنمية العلاقات مع إيران، وضرورة تنميتها في مختلف المجالات، والتواصل لاحقاً لتعزيز العلاقات الثنائية.

وتشير هذه العلاقات مع الهياكل السياسية ذات النزعة الانفصالية، إلى اشتغال إيران على تعزيز الانقسامات المحلية، رغم أنّ احتمالات اللجوء إلى العنف واضحة للغاية، وعلنية من قبل صرب البوسنة. ما يقود إلى الاستنتاجات التالية:

  • ربّما تُنسِّق إيران وروسيا في عملية خلخلة المجتمع البوسني.
  • ربّما تشتغل إيران على تغذية أسباب النزاع الأهلي في المستقبل القريب. حتى تستطيع من خلال جماعتها (المتشيعون الجدد) أن تفرض هيمنتها وتنحّي القوى السنية من البوسنة، وصولاً للتنسيق مع صرب وكروات البوسنة، أو هو على الأقل ما تتطلّع إلى الحصول عليه مستقبلاً. وخاصّة أنّ هذا نهج إيران الذي يتكرر في عدة دول، لناحية صناعة أقليات وتحالف مع أقليات، وتغذية أسباب النزاع المحلي.
  • رغم التصريحات العدائية التي تخرج من مسؤولي صربسكا، إلا أنّ القيادات البوسنية لم تعترض على زيارة السفير الإيراني لهم.

ورغم العلاقات الدبلوماسية النشطة بين الطرفين (وربّما الشخصية)، إلا أن ذلك لم يمنع من طرد دبلوماسيين إيرانيين عام 2015، هما: حمزة دولاب أحمد، جديدي صهراب، باعتبارهما شخصين غير مرغوب فيهما، بناء على طلب من وزارة الأمن، بعد تواصلهما مع زعيم شيعي محلي متشدد. فيما تشير التسريبات إلى أنّ سبب الطرد هو قيامهما بالتجسس (8).

في حين تستفيد إيران من البنية البوسنية السياسية (ذات نسب الفساد المرتفع)، في تعزيز العلاقات مع أشخاص داخل السلطة. حيث ارتفع مستوى الفساد فيها منذ عام 2012، لتحتل البوسنة المرتبة 91 عالمياً من أصل 180، ورغم ذلك تبقى إيران متأخرة عنها وفي المرتبة 130 عالمياً، مع تحسن طفيف للغاية. (قيمة المؤشر: 100=الأقل فساداً، 0=الأعلى فساداً)

ثالثاً-أثر العوامل الاقتصادية:

مؤشرات اقتصادية مقارنة بين إيران والبوسنة، البنك الدولي :

البند

إيران البوسنة والهرسك
إجمالي الدخل القومي (طريقة الأطلس، بالأسعار الجارية للدولار)، 2016 438.87 مليار 17.37 مليار
نمو إجمالي الناتج المحلي (% سنوياً)، 2016 13.4% 3.06%
إجمالي الناتج المحلي (القيمة الحالية بالدولار الأميركي)، 2016 418.98 مليار 16.91 مليار
أرصدة الدين الخارجي (% من إجمالي الدخل القومي) 1.35% (2014) 65.81% (2016)
إجمالي رصيد الدين الخارجي (المستحق والمنصرف، بالأسعار الجارية للدولار الأميركي)، 2016 5.38 مليار 10.96 مليار
الاستثمار الأجنبي المباشر، صافي التدفقات الوافدة (ميزان المدفوعات، بالأسعار الجارية للدولار الأميركي)، 2016 3.37 مليار -265 مليون (قيمة سالبة)
التضخم، الأسعار التي يدفعها المستهلكون (% سنوياً)، 2016 8.6% -1.3% (قيمة سالبة)
النمو في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي (% سنوياً)، 2016 12.1% 3.6%
نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي، طريقة الأطلس (بالأسعار الجارية للدولار الأميركي)، 2016 5470 4940
نصيب الفرد من صافي المساعدات الإنمائية الرسمية المتلقاة (بالأسعار الجارية للدولار الأميركي)، 2016 1.45 دولار (كان دولاراً واحداً عام 1960، مع ملاحظة القوة الشرائية للدولار حينها) 126.64 دولار (ارتفع من دولار واحد عام 1960)
صادرات السلع والخدمات (% من إجمالي الناتج المحلي)، 2016 22.4% 35.4%
صادرات الركاز والمعادن (% من صادرات السلع) 2.2% (2011) 6.28% (2016)
صادرات الوقود (% من صادرات السلع) 70.48% (2011) 6.67% (2016)
واردات السلع والخدمات (% من إجمالي الناتج المحلي)، 2016 20.81% 52.3%
واردات الطاقة، صافي (% من إجمالي استخدام الطاقة)، 2014 -33.4% 22.73%
مستخدمو الإنترنت (لكل مليون شخص)، 2016 14.19 37.53
إجمالي القوى العاملة، 2017 27344965 140302
إجمالي البطالة (% من إجمالي القوى العاملة)، 2017 11.4% 25.8%

ملاحظات حول هذه المؤشرات:

  • سجّل إجمالي الدخل القومي والمحلي الإيراني قيمة تتجاوز 25 ضعفاً لنظيره البوسني، وذلك طبيعي نتيجة حجم كل دولة، وحجم اقتصادها، عدا عن حجم الثورات النفطية التي تستحوذها إيران.
  • ورغم ذلك، يتقارب نصيب الفرد في الدولتين، ما يعطي دليلاً على تقارب طبيعة اقتصاد الدولتين.
  • يُشكِّل الدين الخارجي عبئاً كبيراً على الحكومة البوسنة، وهو ناتج عن الفساد وضعف الموارد وآثار الحرب وعدم الاستقرار الداخلي.
  • غير أنّها تتلقّى مساعدات خارجية، تجعل حصة الفرد البوسني تعادل 100 ضعف (تقريباّ) من حصة نظيره الإيراني، والتي لم تسجل زيادة ملموسة منذ عام 1960 (بل تسجل تراجعاً في حال احتساب فرق القيمة الشرائية للدولار).
  • رغم أنّ البوسنة، تُسجّل مؤشر تضخم سلبي (غياب التضخم)، إلا أنها في المقابل تسجل نسبة بطالة مرتفعة تجاوز ربع السكان. ووفق مصادر أخرى تصل إلى 28% منهم.
  • ووفق بعض المصادر، تبلغ البطالة في البوسنة 62.3% بين شريحة (15-24 عاماً) (9).
  • وتستنزف الواردات من السلع والخدمات أكثر من نصف الناتج المحلي البوسني، فيما تستحوذ واردات الطاقة على قرابة ربع هذا الناتج، ما لا يترك مجالاً للادخار والتنمية المحلية.
  • حيث تسجل البوسنة المرتبة 81 عالمياً (من أصل 188) على دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2016، وهي مرتبة قريبة من إيران (69).

وبلغت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع متعدّد الأبعاد (يعانون من أحد أوجه الحرمان الشديد)، وفق دليل التنمية البشرية لعام 2016، قرابة 1.7%، إلى جانب 3.2% من المحتمل تعرضهم له. عدا عن أن قرابة 18% من السكان يقعون تحت خط فقر الدخل الوطني.

انعكاس المؤشرات على العلاقات مع إيران:

  • من المؤشرات السابقة، يتضح أنّ اقتصاد البلدين متشابه، بحيث لا تمتلك إيران بنية/تجربة تنموية تقدّمها للبوسنة، ترفع من مستوى معيشة الأفراد فيها.
  • عدا عن أنّ التحسّن (الملحوظ) في الدخل القومي الإيراني، هو مؤقت نتيجة رفع جزئي للعقوبات الدولية عام 2016. في حين لا تمتلك إيران فوائض مالية كبيرة تستثمرها في البوسنة. عدا عن أنّ تجاربها في كثير من الدول لا توحي بأنّ إيران راغبة في مثل هذه الاستثمارات.
  • رغم أنّ البنية البوسنية التحتية فقيرة للغاية، وقادرة على امتصاص كثير من الاستثمارات الأجنبية، عدا عن رخص اليد العاملة. غير أنّ الفساد وعدم الاستقرار ربّما يكونان عامليّ طرد، لإيران وسواها. حيث ما تزال البوسنة تُسجِّل تراجعاً في هذا الاستثمار، رغم التحسن الظاهري في نسبة التراجع.
  • تفضِّل إيران تقديم دعم مالي عبر مشروع التبشير المذهبي (التشييع)، وعبر العلاقات الشخصية.
  • للتدليل على ضعف العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، يمكن مراجعة حجم التجارة البينية، والتي رغم كلّ التأكيدات واللقاءات الرسمية لرفدها، سجّلت وفق بيانات 2014 الصادرة عن غرفة التجارة الخارجية البوسنية: صادرات بوسنية إلى إيران بقيمة 1.58 مليون يورو، وواردات منها بحوالي 600 ألف يورو. حيث تصدّر البوسنة إلى إيران مكونات كهربائية وتقنية، وتستورد منتجات غذائية (Balkan Insight). أي بميزان تجاري ضعيف للغاية ولصالح البوسنة.

تحديات الاقتصاد البوسني:

ينمو اقتصاد البوسنة بوتيرة بطيئة، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد 28% من متوسط نظيره في الاتحاد الأوروبي. وتوصف البوسنة باستمرار بأنها “دولة مختلّة الوظائف”، وأحيانًا “دولة فاشلة”. كما أنّها تُتهم بالفساد، حيث تنتشر البيروقراطية بشكل واسع وتسود الانقسامات العرقية التي لا يمكن تجاوزها. (مجلة ناتو ريفيو، 2015)

وبدأت منذ فبراير 2014، بشكل متكرر ومتقطع، احتجاجات ضدّ حكومة اتحاد البوسنة والهرسك، أُطلِق عليها اسم الربيع البوسني، وقد تمّ إضفاء الطابع الشخصي على العمّال من عدّة مصانع تمّ خصخصتها وأصبحوا مفلسين، للمطالبة باتخاذ إجراءات بشأن الوظائف والرواتب والمعاشات غير المدفوعة. وانتشرت الاحتجاجات إلى بقية الاتحاد، مع اشتباكات عنيفة في حوالي 20 مدينة وبلدة. وهي تعبير عن غضب عامّ على البطالة العالية وعقدين من الجمود السياسي في البلاد منذ نهاية الحرب البوسنية في عام 1995. في حين لم تشهد جمهورية صربسكا (صرب البوسنة) ذات العنف، بل شهدت تجمّعاً لمئات العمال لدعم الاحتجاجات في بلدة بانيا لوكا ضدّ حكومتها المنفصلة.

في ظل هذه البيئة والتحديات، لا يبدو أنّ لدى إيران اقتصادياً، الكثير لتقدّمه للبوسنة، عدا عما تحمله المخاطر الاجتماعية المقبلة على أي استثمار.

رابعاً-الارتباطات الأمنية والعسكرية:

كما العلاقات الاقتصادية الهشة بين الطرفين، والدبلوماسية الرسمية، فإنّ العلاقات العسكرية تبقى في ذات الأطر المحدودة، رغم التأسيس للوجود الاستخباراتي والأمني الإيراني، غير أنّ هذا الوجود يظلّ محدوداً بمئات الأفراد من الإيرانيين والمتشيعين الجدد البوسنيين.

وبمقارنة القدرات العسكرية بين الطرفين، لا يمكن الحديث عن إقامة تحالف عسكري بينهما، حيث تتفوّق إيران بشكل كبير للغاية على البوسنة، وإن كانت هناك من علاقات ستتجاوز موضوع التنسيق المشترك إلى هيمنة إيرانية، سواء لناحية التدريب والاستخبارات وتوريد الأسلحة …الخ.

ورغم ذلك، تشير التسريبات إلى أنّ إيران ما تزال تمتلك قاعدة عسكرية تدريبية (صغيرة) بالترتيب مع الجيش البوسني، في ضواحي مدينة فيسكو، إلى جانب تمويل وحدة عسكرية بوسنية (وحدة عبد اللطيف) (10).

وفي إطار التنسيق الأمني المشترك، قام وفد برلماني إيراني بزيارة إلى البوسنة، التقى فيها بمسؤولين برلمانيين وسياسيين وأمنيين بوسنيين (MEHR News). لكن الملاحظ أن الوفد الإيراني كان برئاسة علاء الدين بوروجردي رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني، والتقى تحديداً برئيس اللجنة المشتركة للدفاع والأمن في البوسنة: سيفت بوديتش، وتم مناقشة قضايا تتعلق بالأمن والدفاع.

وفقاً للسفير الإيراني في البوسنة، محمد حيدري، فإنّ هناك تطويراً للتعاون الأمني بين البلدين (وتحديداً في مجال مكافحة الإرهاب). (تحرير نيوز، ديسمبر 2016)

وتركِّز اللقاءات الثانية بين مسؤولي البلدين مؤخراً، على قضية التشارك في محاربة الإرهاب. إذ إنّه يتم الاشتغال على بناء تهديد جديد، من خلال تهديد “عودة مقاتلي داعش” إلى البلقان، أو نقلهم من قبل بعض الأطراف الإقليمية. وتشير الأرقام الروسية إلى أن البيانات الرسمية تؤكد وجود 700 بوسني في داعش، في حين تشكّك المصادر الروسية بذلك، وتدّعي أن الرقم قد يصل إلى ثلاثة أضعاف.

وتحاول إيران ترويج روايتها في محاربة داعش لدى البوسنيين، وعرض التعاون، بهدف تعزيز الحضور الاستخباراتي الإيراني. على أنّ عوامل التطرف قائمة في المجتمع البوسني، سواء أكانت متعلقة بالبطالة أو الفساد أو التدخل الأجنبي، إلى جانب النزعة الانفصالية لصرب البوسنة، كلها عوامل قد تشكل بمجملها عوامل جذب للشباب البوسني المسلم نحو الجماعات المتطرفة للدفاع عن الذات، وخصوصاً أن ذاكرة الحرب ما تزال قائمة.

أهم القدرات العسكرية الإيرانية والبوسنية، Global Firepower، 2017:

البند إيران البوسنة والهرسك
الترتيب العالمي 21 من أصل 133 121 من أصل 133
مجمل عدد السكان 82801633 3861912
تعداد الجيش الحالي 534000 12750
تعدد القوات الاحتياطية 4000000 0
الموازنة الدفاعية السنوية (دولار) 6300000000 250000000
مجموع الطائرات العسكرية 477 20
الطائرات المقاتلة/الاعتراضية 137 0
الطائرات الهجومية 137 0
طائرات نقل عسكري 203 11
طائرات تدريب عسكري 79 0
مروحيات عسكرية 126 20
مجمل عدد مطارات الخدمة 319 24
مجمل عدد الدبابات 1616 149
مركبات قتالية مدرعة 1315 100
مدفعية ذاتية الدفع 320 15
مدفعية مقطورة 2078 40
منصات صواريخ 1474 110
مجمول الأصول البحرية 389 0

خامساً-تحدّي التدخلات الخارجية:

غير أنّ الوجود العسكري والأمني الإيراني في البوسنة، قد يواجه تحدّيات أكبر من تحدي العلاقات الثنائية، وهو متعلّق بموقع البوسنة كمنطقة تماسّ/صدام حضاري شرقي-غربي-إسلامي. حيث تُعتَبر المنطقة منطقة نفوذ تركي وروسي وصربي وأوروبي غربي، وإسرائيلي مؤخراً، لكل منهم مطامعه وادعاءاته التاريخية، التي قد تستعيد خيارات العنف (الحرب الأهلية) لاحقاً في المنطقة، بشكل أكثر حدة عن العنف الذي وقع في التسعينيات، في تكرار لسيناريو المشرق العربي (سوريا تحديداً)، ويبقى الحضور الإيراني الأضعف بينها حتى تاريخه، وإن كان قد تم تأسيس قواعده.

وقد رصدت Erjada Progonati، عدّة نقاط حول التدخل الإيراني في البوسنة، حيث وجدت أنّ (11):

  • العديد من الأنشطة الدولية الإيرانية تشكل النماذج التي يمكن تطبيقها أيضاً في منطقة البلقان: حدود سائبة، وفساد مستشر، ومناطق متخلفة وضعيفة نسبياً، فيما يسمح أمن دول البلقان لإيران وميليشيا حزب الله بتوسيع عملياتهم في المنطقة.
  • يأتي التوسّع الدبلوماسي الإيراني في جزء منه، استراتيجية مستخدمة لتحقيق التوازن بين ضغوط المجتمع الدولي بخصوص البرنامج النووي، ويشمل جزء آخر مهم من هذه الاستراتيجية تطوّرات التأثير الاقتصادي والسياسي الإيراني في الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تتداخل مع مصالح إسرائيل.
  • البلقان من وجهة نظر إيران، منطقة مهمة؛ لأن الأمن وتطبيق القانون ليسا في المستوى الذي يمكن أن يتعارض مع تدخلها، بالإضافة إلى أنّ مسلمي البلقان يتقبلون التأثيرات الإسلامية الأجنبية.
  • في وقت تزيد إسرائيل من حجم حضورها الدبلوماسي والتجاري والسياحي في البلقان. ويُظهر الكيان الأرثوذكسي في البوسنة المتمثل بصربسكا موقفاً مؤيداً لإسرائيل، مما أثر في موقف جمهورية البوسنة بامتناعها عن التصويت لصالح فلسطين في الأمم المتحدة عام 2012.

فيما تدعم روسيا تقسيم البوسنة والهرسك، من خلال العلاقات الوثيقة مع جمهورية صرب البوسنة، حيث تتلقى قوات الشرطة والأمن في صربسكا تدريبات وأسلحة روسية، تجاوزت الأسلحة الخفيفة إلى صواريخ مضادة للطيران، في انتهاك مباشر لاتفاق دايتون للسلام. وتقدّم مجموعة “الذئاب الليلية” الروسية مساعدة شبه عسكرية لتشكيل قوات قومية صربية في البوسنة، وهي المجموعة التي أدت دوراً عسكرياً قوياً في احتلال شبه جزيرة القرم. وتدعم روسيا بشكل مباشر، رئيس جمهورية صرب البوسنة: ميلوراد دوديك، في طموحاته الانفصالية بشكل مالي وسياسي وعسكري؛ بغية الحصول على موطئ قدم داخل البلقان وقريب من أوروبا الغربية، ضمن استراتيجية إعادة تشكيل النظام الدولي. إلى جانب ارتفاع مستوى التعاون الأمني مع جمهورية صربيا، حيث وقع الطرفان اتفاقيات تفاهم تتعلق بتعزيز مجالات الشرطة وتبادل المعلومات. وتقوم صربسكا بتجهيز مطارات وثكنات عسكرية، لتحويلها إلى قاعدة عسكرية، يمكن من خلالها تسليم الدعم الروسي بشكل أكثر سرية وفعالية. وتدعم روسيا العديد من عصابات الجريمة المحلية والروسية، تظهر على أنها منظمات قومية غير حكومية، بلغ تعدادها 78، وبرعاية حزب تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين SNSD وهو حزب دوديك (12).

فيما سعى دوديك، إلى ربط مصيره بتوجهات موسكو، بما في ذلك بيع الحصة الأكبر من قطاع الطاقة بجمهورية صربسكا إلى شركة زاروبيز نفط الروسية. ونظّم دوديك الاحتفال بعيد جمهورية صربسكا، يناير 2017، متضمناً عرضاً عسكرياً، في تحدٍّ لكل من المحكمة الدستورية للبوسنة والهرسك والممثل السامي فالنتين انزكو (13). وأعادوا الاحتفال ثانية في يناير 2018.

ويظهر تحدٍّ آخر، متعلّق برغبة كلٍّ من الحكومة البوسنية وبعض الدول الغربية، في انضمام البوسنة إلى المؤسسات الغربية (الناتو، والاتحاد الأوروبي). وهو ما سيعني عرقلة الوجود الإيراني في المنطقة. غير أنه لا يبدو أنّ هناك إمكانية في انضمام البوسنة قريباً.

رغم أنّ البوسنة وقّعت اتفاقيات استقرار وشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وأرسلت البوسنة والهرسك طلباً رسميّاً للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي في فبراير عام 2016.

كما أطلق الاتحاد الأوروبي في فبراير 2018، استراتيجية توسّع جديدة تجاه دول غرب البلقان، داعياً الدول إلى “مضاعفة جهودها على وجه السرعة، ومعالجة الإصلاحات الحيوية، واستكمال تحوّلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي”. بحيث يمكن للبوسنة أن تصبح مرشّحة للانضمام “بجهد ومشاركة متواصلين”، إذ سيبدأ النظر في طلبها عند استلام الأجوبة على استبيانها، والذي سلّمه القادة البوسنيون في 28 فبراير. وخصوصاً في ظلّ قلق الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بشراء جمهورية صرب البوسنة أسلحة روسية، مع مدربين روس، وعن محاولات “إنشاء تشكيلات مسلحة”. (Crisis Group)

خلاصة

يبدو أنّ خيار تغيير البنية الديموغرافية البوسنية عبر عمليات التشييع، الوسيلة الأقل مواجهة حالياً، والأقل كلفة سياسياً، إلى حين بناء حواضن قادرة على حمل المشروع الإيراني في البلقان، في ظلّ احتمال تجدّد النزاعات الأهلية على المدى المتوسط.

إلى جانب بناء علاقات شخصية مع قيادات بوسنية، عوضاً عن بناء علاقات مؤسساتية واسعة، حيث لم تتجاوز العلاقات المؤسساتية العلنية إطار الزيارات المتبادلة، دون كثير نتائج، رغم التغلغل الذي حصل في تسعينيات القرن الماضي.

ويعيق الحضور الروسي انضمام البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي ويعيق توسّع الدور الإيراني، عدا عن أنّ انضمام البوسنة (بعيد الاحتمال) إلى الاتحاد الأوروبي سيعيق هو كذلك الأدوار الإيرانية، إلى جانب أنّ المنطقة هي منطقة نفوذ تركي وغربي، وإسرائيلي مؤخراً.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

15 أبريل 2018

الهوامش:

(7) شارلوته فيديمن، “المذهب الشيعي يجتذب البوسنيين”، ترجمة: يوسف حجازي، قنطرة، 2012:

http://ar.qantara.de/content/lslm-fy-lbwsn-lmdhhb-lshyy-yjtdhb-lbwsnyyn

(8)  “العمامة الإيرانية تغزو البوسنة مجدداً”، صحيفة كل الوطن السعودية، 18/8/2015: http://www.kolalwatn.net/news201294

(9) World Factbook, Bosnia and Herzegovina, Central Intelligence Agency:

https://www.cia.gov/library/publications/resources/the-world-factbook/geos/bk.html (accessed March 1, 2018).

(10) “العمامة الإيرانية تغزو البوسنة مجدداً”، صحيفة كل الوطن السعودية، 18/8/2015: http://www.kolalwatn.net/news201294

(11) Erjada Progonati, “The Balkan Region As A New Target for the Iranian-Israeli Political Rivalry”, DergiPark Akademik, October 2017: http://dergipark.gov.tr/download/article-file/391586

(12) Reuf Bajrovic, Richard Kraemer, Emir Suljagic, “Bosnia on the Russian Chopping Block: The Potential for Violence and Steps to Prevent It”, Foreign Policy Research Institute, March 16, 2018:https://www.fpri.org/article/2018/03/bosnia-russian-chopping-block-potential-violence-steps-prevent/

(13) كريستوفر بينيت، “دول البلقان الغربية تشهد حالة من التراجع”، مجلة NATO Review، 2/2/2017:

https://www.nato.int/docu/review/2017/Also-in-2017/backsliding-western-balkans-kosovo-servia-bosnia/AR/index.htm