يسعى الطرفان منذ توقيع الاتفاق النووي إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وتحديداً التجارية والاستثمارية، وخاصة أنّ السويد كانت من أولى الدول التي رحّبت بالاتفاق. ويحاول الطرفان الاستفادة من ركيزتين أساسيتين:

  • عدم تدخّل السويد في أي من قضايا الشرق الأوسط، وبالتالي عدم تضارب المصالح الإقليمية بين الدولتين، وهو ما خلق انطباعاً إيجابياً عن السويد في الأوساط الإيرانية. وهذا ما أثنى عليه خامنئي في لقائه برئيس وزراء السويد في فبراير 2017. حيث تسعى السويد إلى أن تكون إيران بوابتها للشرق الأوسط، وكذا إيران التي تتطلّع إلى أن تشكِّل السويد معبراً إضافياً لها نحو أوروبا الغربية والشمالية.
  • أمّا الركيزة الثانية فتقوم على اعتبار أنّ السويد كانت الشريك التجاري الأول لإيران قبل فرض العقوبات الدولية، وهو ما يسعى الطرفان إلى استعادته، حيث تحتاج إيران إلى ضخّ أموال ضخمة في بنيتها التحتية، فيما تتطلّع السويد إلى أن يكون لها حصة من المكاسب الاقتصادية الدولية في إيران بعد الاتفاق النووي (استثمارات، تبادل تجاري، علاقات مصرفية، …).

إضافة إلى العنصرين السابقين الذين يشكِّلان أطر التوجّهات الخارجية لكلا الدولتين تجاه بعضهما، فإنّ لدى السويد محدِّدات أخرى في سياساتها الخارجية تجاه إيران، أبرزها:

  • تُعتبر ستوكهولم إحدى أبرز العواصم الأوروبية التي تشهد حراكاً لناشطي القوميات الإيرانية غير الفارسية، وتحديداً الحراك الأحوازي، حيث تشهد مظاهرات أحوازية بالتشارك مع قوى عربية وإيرانية، ومحاضرات، ولقاءات مع مسؤولين سويديين، منذ عدّة سنوات.
  • كما تُعتَبر السويد واحدة من وجهات اللجوء للمعارضين الإيرانيين (الفرس والقوميات الأخرى)، منذ عام 1979، وأحدث تفاعلاتها كان اقتحام مجموعة إيرانية معارضة للسفارة الإيرانية في السويد في يناير 2018، وإحراق العلم الإيراني. فيما وصلها بعد عام 2011، بعض اللاجئين السوريين والعراقيين (تحت حجج الفرار من داعش)، وربما يكون لبعضهم ارتباط بإيران.
  • يوجد فيها على الأقل 60 ألف مسلم من أصل إيراني (فرس وسواهم)، معظمهم شيعي المذهب، ولهم عدّة مساجد وحسينيات ومراكز، وتتباين الأرقام حول مجمل الشيعية في السويد بين 50-250 ألف.
  • لا تخرج السياسة الخارجية السويدية عن الإطار العام للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بالملف النووي، وملف الأسلحة الباليستية، والعقوبات الدولية، وملف حقوق الإنسان في إيران.

وقد شهدت العلاقات البينية تطوّراً منذ مطلع عام 2016، غير أنّه ما تزال دون طموح الطرفين، ولم تحقّق كثير إنجاز، سوى فيما يتعلق بالصادرات السويدية إلى إيران. حيث تقوم العلاقات وفق المحاور الأربعة التالية:

  • المحور السياسي والدبلوماسي.
  •  المحور الاقتصادي.
  • المحور العلمي والصحي.
  •  المحور الإنساني

أولاً-المحور السياسي والدبلوماسي:

يمكن تحديد نقطة تجدّد العلاقات بشكل أكثر استقراراً بين الطرفين، منذ أكتوبر 2016، حيث عيّنت السويد سفيرة جديدة لها في طهران. وقد التقاها روحاني، وبحث معها تعميق العلاقات المصرفية باعتبارها مفتاح العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع محاولة روحاني بناء إطار عمل سياسي مشترك بين الطرفين فيما يخصّ القضايا الإقليمية والإرهاب.

تعزّز هذا المسار مع زيارة رئيس وزراء السويد إلى طهران في فبراير 2017، ولقائه بعدة مسؤولين على رأسهم روحاني، والمرشد الإيراني خامنئي.

حيث قال خامنئي لرئيس الوزراء السويدي: “في حين يُنظَر للولايات المتحدة والقوى الغربية بنظرة شك، فإنّ للسويد وقع جيد في نفوس الإيرانيين، وهي شريك اقتصادي مرموق”.

ونوّه المرشد الإيراني إلى أنّ: “الدول الأوروبية لم تنفذ غالبية توافقاتها مع إيران خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية بعد توقيع الاتفاق النووي”، وأبدى قلقه من أن يكون مصير الاتفاقيات مع السويد ذات مصير الاتفاقيات الدول الأخرى. حيث وقّع الطرفان أثناء هذه الزيارة، عدّة اتفاقيات أولية حول التعاون في مجالات خمسة، تشمل: العلوم والتكنولوجيا، والتعليم العالي والبحث، والطرق، والاتصالات، وشؤون المرأة والأسرة. (Reuters)

وأشار خامنئي إلى الإمكانيات الوفيرة التي يمتلكها البلدان للنهوض بمستوى التعاون الثنائي. مضيفاً أنّ: “إيران ترحب بتعزيز العلاقات بين البلدين على جميع الأصعدة، ويحدونا الأمل في أن تثمر المحادثات والتوافقات التي تمّ التوصل إليها عملياً”.

وقيّم خامنئي مستوى العلاقات الحالية بين إيران والسويد بأنها: “أقل بكثير من المستوى المنشود نظراً للإمكانيات الوفيرة التي يمتلكها البلدان”.

ويُلحظ مستوى تطور العلاقات (وإن ظّل في أطر دبلوماسية)، في موقف السويد من تطوّرات الملف النووي الإيراني في أروقة مجلس الأمن.

ففي ديسمبر 2017: رحب البيان السويدي الموجّه لمجلس الأمن، بتقرير الأمم المتحدة عن تنفيذ القرار 2231، المتعلّق بخطة العمل المشتركة، لضمان تنفيذ الاتفاق النووي. كما رحّب بـ “امتثال إيران المستمر بالتزاماتها النووية، على أن تواصل إيران تطبيق البرتوكول الإضافي والتصديق عليه”. مع تأييد توصيات الأمين العام للأمم المتحدة لبذل مزيد من الجهود، لزيادة الفوائد الاقتصادية من الاتفاق لصالح الشعب الإيراني. لكنه أبدى قلقه من الانتهاكات الإيرانية لحظر الأسلحة وحظر السفر والقذائف، حيث ترى السويد أن السلوك الإيراني في هذا الخصوص لا يتسق مع القرار 2231. (Government Office of Sweden)

في حين لم تذهب السويد كثيراً في انتقاد العنف الذي سلكه النظام الإيراني تجاه الانتفاضة الشعبية مطلع عام 2018 (والتي ما تزال مستمرة بعدّة أوجه)، وهو ما أدّى إلى انتقاد حادّ من قبل منظمة (UN Watch) غير الحكومية، لضعف موقف وزارة الخارجية السويدية، واعتبرت أنها لم تدن بقوة كافية ردود الفعل العنيفة التي اتخذتها الحكومة الإيرانية تجاه الاحتجاجات. (Radio Sweden)

غير أنّ العلاقات السياسية بين الطرفين تظلّ رهناً بالملف الإنساني، الذي يؤثر في تقدّمها، وخصوصاً مع ملف منح السويد جنسيتها لإيراني محكوم عليه بالإعدام (فبراير 2018).

 ثانياً-المحور الاقتصادي:

يُعتبر هذا المحور، المحور الذي يشتغل الطرفان على تعزيزه بشكل مكثّف، بمعزل عن تقدّم/تعثّر المسارات السياسية والإنسانية. حيث لم تتجاوز الصادرات السويدية إلى إيران مبلغ 2 مليون كرونة سويدية (أقل من 250 ألف دولار)، مطلع عام 2016، وفقاً لـ Business Sweden.

غير أنّ تعزيز العلاقات الثنائية، أدّى إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الطرفين، حيث بلغت قيمته في نهاية نوفمبر 2017، ما يقارب 409 مليون يورو (505 مليون دولار)، بارتفاع بنسبة 86% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. حيث بلغت صادرات إيران للسويد 11.33 مليون يورو (13.5 مليون دولار) بزيادة 2%، في حين بلغت الصادرات السويدية لإيران 397.7 مليون يورو (491 مليون دولار)، بزيادة 91%. (Financial Tribune)

وتبقى السويد متفوقة على إيران في الميزان التجاري بعدّة أضعاف، وهو نتيجة حتمية لطبيعة الاقتصادين ومستوى تطوّرهما، بل هو ما تتطلّع السويد تحديداً إلى تحقيقه، وتعزيزه.

وشهدت الدولتان عدّة اتفاقيات لتعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما، من أبرزها:

  • فبراير 2016: زيارة رئيس الوزراء السويدي لإيران ويرافقه وفد تجاري رفيع المستوى، يضمّ ممثلين عن عدة شركات ومؤسسات حكومية برئاسة وزير التجارة والاتحاد الأوروبي. بهدف تبادل وجهات النظر في مجال دعم حضور السويد في السوق الإيرانية، وتطوير الاستثمارات واستراتيجيات الصادرات الي إيران.
  • إبريل 2017: سمحت الحكومة السويدية بإنشاء شركات باستخدام حساب بيتكوين لتسهيل الاستثمار في إيران بشكل قانوني. (Coin Desk)
  • سبتمبر 2017: تمّ عقد ندوة دولية حول ممارسة الأعمال في إيران، في ستوكهولم، برعاية منظمة SCC السويدية، بالاشتراك مع مركز التحكيم الإقليمي في إيران TRAC. وبحضور 130 ضيفاً. تناولت الندوة العقوبات والتمويل واللوائح، والتحكيم الدولي في السويد وإيران. (Arbitration Institute)
  • سبتمبر 2017: وقّعت شركت سكانيا (Scania)، صفقة لبيع 1350 حافلة نقل عام لإيران، توزّع في خمس مدن. (Meddle East Observer)
  • نوفمبر 2017: نظّمت غرفة التجارة والأعمال السويدية-الإيرانية قمة الأعمال شمال الأوروبية-الإيرانية الأولى في ستوكهولم، بمشاركة وفود من السويد والنرويج والدنمارك ودول أوروبية أخرى وإيران، وتمّ بحث فرص الاستثمار المتاحة في إيران في مجالات: البنية التحتية، وتكنولوجيا المعلومات، والتعدين والصلب، والصحة والأدوية، والبنوك والتمويل، والبيئة، والطاقة. (Financial Tribune)
  • إبريل 2018: زيارة محافظ البنك المركزي السويدي لإيران، بدعوة من محافظ البنك المركزي الإيراني، حيث تسعى إيران إلى الاستفادة من خبراته كأحد أبرز المصرفيين الأوروبيين للخروج من أزمة عملتها التي يتسارع انهيارها.

ثالثاً-المحور العلمي والصحي:

يُعتبر هذا المحور رديفاً للمحور الاقتصادي، حيث تسعى إيران لزيادة شبكات الارتباط مع السويد، من خلال الارتباط المؤسساتي. إذ شهدت العلاقات بين الطرفين عدّة محطات، من أبرزها:

  • أغسطس 2016: التقى وفد من الرعاية الصحية ووفود اجتماعية من إيران بمسؤولي الصحة السويديين في ستوكهولم، وتمّ مناقشة إنشاء مشفى مشترك في إيران.

والتقى الوفد الإيراني 10 شركات عاملة في المجالات الطبية، لمناقشة سبل توسيع التعاون في مجالات الصناعات الدوائية والمعدات الطبية وبناء المستشفيات. (Iran Daily)

ومن بين الشركات التي ارتفعت صادراتها إلى إيران منذ مطلع عام 2016، شركة الأدوية السويدية Astrazeneca، خاصة الأدوية التي لها علاقة بجهاز التنفس وأدوية القلب والشرايين وأيضاً الأدوية المضادّة للسرطان.

  • نوفمبر 2016: زيارة وفد من السفارة السويدية في طهران إلى وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيرانية، لبحث تعميق التعاون العلمي، وتمّ توقيع مذكرة تفاهم بهذا الخصوص. واتفق الطرفان على دعم مشاريع البحوث المشتركة، وتخصيص منح دراسية قصيرة الأجل، وعقد ورش عمل مشتركة، ومؤتمرات، وإقامة برامج تعليمية مشتركة، وإنشاء كراسٍ لغوية في كلا البلدين.
  • إبريل 2018: بحث وفد جامعي سويدي توطيد العلاقات الأكاديمية والعلمية مع إيران خلال زيارته لجامعة اميركبير التكنولوجية في طهران. وضمّ الوفد السويدي ممثلين دوليين وأساتذة من جامعات: لوند، جالمرز، هالمستاد، مالمو، لیناس، بوراس، KTH.

رابعاً-المحور الإنساني:

يبقى هذا المحور عائقاً أساسياً في تطوير العلاقات بين الدولتين، وخصوصاً لما تتمتّع به السويد من مستوى حريات عالية، ومنظّمات مجتمع مدني فاعل على المستوى الدولي في الدفاع عنها.

وحيث تحاول الحكومة المواءمة بين المصالح السياسية والاقتصادية من جهة وملف حقوق الإنسان من جهة أخرى، إلا أنّه يبدو أنّ ملف حقوق الإنسان يتراجع أحياناً في خدمة المصالح الأخرى.

وهو ما دفع ناشطين سويديين إلى اتّهام الحكومة السويدية بتغيير قيمها الأخلاقية من أجل المال، عقب زيارة رئيس الوزراء إلى إيران في فبراير 2017. وذلك لعدة أسباب: سواء نتيجة ضعف أداء الحكومة السويدية في ملف حقوق الإنسان الإيراني والضغط على النظام الإيراني، أو نتيجة حدث ارتداء وزيرة سويدية (والطاقم النسائي) لغطاء الرأس في تلك الزيارة مراعاة للقوانين الإيرانية.

ومن ذلك أيضاً، إدانة عدّة منظمات حقوقية، على رأسها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قرار الحكومة السويدية بإبعاد الممثلة الإيرانية إلى إيران، وخصوصاً أنّها قد تحوّلت إلى الديانة المسيحية، ما قد يُشكِّل خطراً بالغاً على حياتها (مارس 2018).

غير أنّ ملف حقوق الإنسان، ورغم ذلك، يبقى حاضراً مهما طغت المصالح بين الطرفين، حيث ما تزال قضية الطبيب والأكاديمي (إيراني الأصل): أحمد رضا جلالي، متفاعلة بين الدولتين.

وهو الطبيب الذي اعتقلته السلطات الإيرانية صيف عام 2016، إبان زيارته لطهران (رغم أنّه كان يحمل الإقامة السويدية الدائمة)، متهمة إياه بالتجسس النووي لصالح إسرائيل، والمشاركة في قتل علماء إيرانيين. في حين تقول منظمة العفو الدولية أنّ اعتقاله جاء نتيجة رفضه التجسس على الدول الأوروبية لصالح إيران، وقد حكمت عليه السلطات الإيرانية بالإعدام، فيما يتعرّض لتعذيب شديد.

ففي مطلع فبراير 2018، أعلنت وزارة الخارجية السويدية أنّها استدعت السفير الإيراني لدى ستوكهولم، للاحتجاج على تأييد حكم الإعدام، ثمّ أصدرت السلطات السويدية بعدها بأيام قراراً بمنحه جنسيتها.

ما أدّى إلى استدعاء وزارة الخارجية الإيرانية للسفير السويدي في طهران، والاحتجاج على ذلك. ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي ذلك بأنه “بعيد عن الأعراف”.

وأكدت وزيرة الخارجية السويدية، مارغوت فالستروم، في تصريح للقناة السويدية الرابعة TV4K على مواصلة الجهود للإفراج عن جلالي، وقالت: “نحن على اتصال بوزارة خارجية إيران، وطلبنا الوصول إلى جلالي. كما تمت مناقشة عقوبة إعدامه بالاتحاد الأوروبي، حيث طالب الجميع بوقفها، لأنها عقوبة غير إنسانية، وطلبنا هو عدم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقه”.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 أبريل 2018