أخيراً انكشفت لعبة قطرية جديدة، لا تختلف عن ألعاب الدوحة المعتادة، التي تقوم على استثمار مستنقعات الإرهاب، ومحاولة بعث التطرف وجماعاته من جديد في كل بيئة تقترب من التعافي ومن التحرر من ثقافة العنف. اللعبة القطرية القذرة توجهت هذه المرة نحو القرن الأفريقي، وبالتحديد نحو الصومال، الدولة الأفريقية التي عانت من ويلات الحرب الأهلية حوالي ثلاثة عقود من الزمن، وكانت قد بدأت تقترب من مرحلة التعافي ونبذ الإرهاب والعودة إلى المجتمع الدولي بثوب جديد، وذلك بعد جهود دولية كبيرة، أسهمت دولة الإمارات في إطارها بدور إيجابي في قطاعات مختلفة، شملت المساعدات والمنح المالية، إلى جانب جهود تدريب الجيش والأمن الصومالي. وكان الهدف من العطاء والبذل الإماراتي مساعدة الأشقاء في الصومال للوقوف على أقدامهم وامتلاك مؤسسات دولة حديثة قادرة على مواجهة العواصف الأمنية والتهديدات الإرهابية، وبخاصة أن البيئة الاجتماعية في الصومال لا تخلو من التعاطف إلى وقت قريب مع فصائل ومسميات جهادية وكيانات إسلاموية تتماهى مع تيار الإسلام السياسي وتتحرك في المجتمع بنفس أسلوبه وباستخدام أدواته التحريضية والتكفيرية الشائعة.

من هنا يمكن معرفة دوافع وخلفيات التطفل القطري في شؤون الصومال. وهو تطفل لم يولد بالصدفة، فلطالما كانت القفازات الإعلامية القطرية الداعمة لجماعات القتل حاضرة منذ ظهور ما تسمى بحركة الشباب المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة. وعملت أدوات الدوحة منذ سنوات على تشيع بذور الإرهاب والتطرف في الصومال، مروراً باستضافة عناصر من فصيل اتحاد المحاكم الإسلامية التي تمثل عملياً من خلال بعض قياداتها البارزة واجهة التنظيم الإخواني في الصومال.  ثم جاء التدخل القطري الأخير ليمثل محاولة بشعة من قبل الدوحة لإقحام الشأن الصومالي والعلاقات الإماراتية الصومالية في الإشكاليات والأزمات التي تعاني منها قطر في محيطها الخليجي. فبعد فشلها في التأقلم مع جيرانها، تواصل قطر الإصرار على أن تجعل من أموالها أداة قذرة لتخريب جهود الآخرين الإيجابية وإحداث قطيعة بين الصومال والدول التي تساعده لكي يغادر المنطقة الهلامية التي تجعله دولة إرهاب وفوضى وقرصنة.

الدليل على تورط قطر المرتهنة لخطاب الإرهاب وبرنامجه في الشأن الصومالي، أن التغطيات الإعلامية القطرية الموسعة لنقض العهود الصومالية مع الإمارات كانت موسعة، وحفلت بنكهة ابتهاج غير مبرر. وذلك يثبت وجود مخطط قطري للعبث بأمن الصومال وإعادته إلى مرحلة سابقة كان قد تجاوزها بمساعدة الإمارات والدول الداعمة.

العبث القطري بأمن الصومال يستند كما هو معروف إلى أجندة قطرية لا تخفي أن علاقات الدوحة الخارجية قائمة على تشجيع التطرف، ودعم الجماعات الإرهابية وأجنحتها السياسية. هذا هو النهج القطري المستمر الذي يحكم السياسة القطرية الخارجية.

وإذا ما تأملنا طبيعة السياسة القطرية الخارجية، سوف نجدها تختزل نفسها على هيئة حقيبة نقود منتفخة، يتم استخدامها بحقد لزعزعة الاستقرار والسلم الاهلي في أكثر من مكان. والهدف الدائم للدوحة هو تمكين حلفائها الإسلاميين من الوصول إلى الحكم وتعويضها عن صغر حجمها الجغرافي والمعنوي والسياسي.

إن ما يجري في الصومال من تطفل قطري لا يخدم الشعب الصومالي بقدر ما يورطه في منح الدوحة مساحة لتنفيذ مخططاتها، التي بدورها جعلت الدوحة مجرد سمسار للنظام التركي في المنطقة.

كان على الصوماليين أن يفكروا ألف مرة وأن يتساءلوا أين تكمن مصلحتهم الحقيقية. لأن الاستسلام للأهواء القطرية لا يعني سوى القبول بأطماع قطر التي تريد تحقيقها عبر الذراع العثماني الجديد، وذلك بتحويل أموال الغاز القطري إلى ذراع لتمكين الإسلام السياسي، وتعويض خسائر الدوحة وفشلها المدوي في تمكين حكومة المرشد من الصمود في بلد منشأ الإخوان!

لكن من المؤكد أن فشل الدوحة في الدفع بالإخوان لاستغلال الجحيم العربي سوف يتكرر، لأن من يدركون خطر تحالف المال القطري مع التطرف لن يتوقفوا عن وضع حد لهذا التحالف الشيطاني، بفضحه وتعريته أمام الجمهور العربي، وإحباط مشروعاته المشبوهة، سواء في السودان أو في الصومال أو في أي مكان آخر.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٧ أبريل ٢٠١٨