لا يمكن إصلاح بنية تقوم على فكر تآمري تخريبي، يهدف إلى نشر الفوضى في محيطه، حتى يتسنى له بناء مصالح ونفوذ يتعارض مع العلاقات الطبيعية للدول، وفق أدوار وظيفية إقليمية ودولية. هذا باختصار، هو التوصيف الأبسط لإشكالية النظام القطري في غالبية علاقاته الدولية.

وهذا ما دفع الدول العربية لاتخاذ قرار مقاطعة قطر، كعقاب جماعي لها على سلوكها التخريبي (ذي العلاقة مع التنظيمات الإرهابية في كثير من أوجهه). وكسلوك وقائي استباقي من التدخلات القطرية. وهو ما دفع نظام قطر إلى استجداء كثير من المحافل الدولية والقوى الغربية للتوسّط لإنهاء المقاطعة عنه.

وهنا يظهر حجم التناقض في سلوكه وتصريحاته، ففي حين يدّعي النظام القطري أنه لم يتأثّر إطلاقاً بهذه المقاطعة، وأنّها قدّمت له خدمةً بتعزيز بناه التحتية الخاصة بالأمن الغذائي، وتعزيز تحالفاته مع القوى الإقليمية/الاحتلالية (إيران وتركيا)، إلا أنّه رغم ذلك يسعى إلى إنهاء المقاطعة عنه، بحثاً عن مسبّبات الحضور في داخل الدول العربية، ومسبّبات الاشتغال على تخريبها.

يقوم التخريب القطري على قواعد أساسية، أبرزها:

  • تأطير التدخل (التخريب)، بإطار إنساني، عبر تبني قضية المجتمع الذي يشهد حالة تدخل قطري. وهو ما يسمح لقطر أن تصادر الفعل المجتمعي من جهة، وأن تحوّله إلى ورقة تفاوض مع الجهات المحلية والخارجية، لاكتساب مصالح واسعة لها، وهو ما حصل في دول الثورات تحديداً.
  • في حال غياب فعل مجتمعي (نتيجة عدم توفّر مسبباته)، تشتغل قطر (عبر أجهزتها الإعلامية وأذرعها الاستخباراتية)، على بناء مسبّبات غير واقعية لهذا الفعل، وبناء جمهور حاضن له، والدفع بهم إلى بناء قضية وتحشيد الرأي العام خلفها.
  • لا يهدف التدخل القطري بشكليه السابقين، إلى تحقيق تطلّعات المجتمع المحلي بالمطلق، وخصوصاً أنها تتصادم مع المطامع القطرية في هذه الدول.
  • تدرك قطر صعوبة اختراق جبهة موحّدة تعمل بتنسيق عالٍ، لذا تشتغل على تفكيك هذه الجبهات/البيئات إلى عدة قوى محلية متنافسة، ثم متناحرة، وتدفع إلى تسليحها، وتمويل نزاعاتها المحلية، وصولاً إلى تفكيكها. وغالباً ما يتم ربط هذه القوى المحلية بثلاث دول إقليمية (قطر وإيران وتركيا)، وإظهار النزاع بينها في إطار تنافس/نزاع إقليمي.
  • في حال تعثر المسارات السابقة، تعمد قطر إلى توظيف ورقة الجماعات الإرهابية، التي يتم نقلها من بيئة إلى أخرى، وفق الحاجة التدخلية. حيث تكون وظيفة هذه الجماعات تدمير القوى المحلية التي رفضت الانصياع للتدخل القطري.
  • غالباً، ووفق تجارب دول الثورات، لا تتجاوز قطر دور الوكيل للمصالح الإيرانية والتركية. ففي حال دراسة هذه البيئات، يمكن ملاحظة أنّ الطرفين الإقليميين هما المستفيد الأول من حالة الفوضى التي تمّ نشرها، في حين أنّ مكاسب قطر تبقى محدودة للغاية، وربّما تكون هذه المكاسب مقتصرة على وضع قطر تحت الحماية (الوصاية) التركية والإيرانية، من خطر وهمي في المخيلة القطرية لم يكن قائماً يوماً (خطر دول الجوار العربية/الخوف المُتخيّل من الإمارات والسعودية)، ويبدو أن قاعدة “يكاد المريب يقول خذوني”، هي التشخيص المرضي لحالة النظام القطري.

في حال تطبيق هذه النقاط على السلوك القطري في الصومال، تبدو مفرداته تكراراً لسلوك قطر في البيئات العربية الأخرى، حيث كشفت حادثة احتجاز الطائرة الإماراتية منذ أيام في الصومال، ومصادرة أموال مخصصة لدعم الجيش الصومالي، عن حجم التغلغل القطري في البنى الصومالية، وحجم التخريب الذي تشتغل عليه، وصولاً إلى اختراق المؤسسة الرئاسية عبر: شخص الرئيس، ومدير عام القصر فهد ياسين.

وفي دراسة سابقة لمركز المزماة عن “التغلغل التركي والقطري في القرن الإفريقي”، يمكن ملاحظة أنّ حجم المصالح القطرية في الصومال محدود للغاية من جهة، وكذا حجم “المساعدات والمنح” المقدمة للمجتمع المحلي. حيث تشتغل قطر على بناء علاقات شخصية (مع مسؤولين وقادة محليين وقادة ميليشيات)، لكن المستفيد الأكبر والحقيقي هي تركيا عبر بناء قاعدة عسكرية قرب مقديشو، تؤسّس لوصاية تركية على الصومال.

وهو ما يثبت صفة دور الوكيل الذي تؤديه قطر في عموم المنطقة، وخاصّة أنّها استطاعت إلى جانب اختراق القصر الرئاسي وتقديم مساعدات عسكرية (مركبات) رغم المقاطعة التي أثرت كثيراً في الاقتصاد القطري. إلا أنّها توسّعت في عمليات اختراق/بناء/دعم عدة ميليشيات، تحافظ على استمرار الفوضى والنزاعات المحلية المسلحة، التي بدأت تتعافى منها الصومال مؤخراً، لصالح وجود قوة خارجية احتلالية تركية. ووفق تقرير مجموعة الأزمات الدولية، تدعم قطر كلاً من:

  • تحالف إعادة تحرير الصومال.
  • جيش الحنوين.
  • حركة الإصلاح في القرن الإفريقي.
  • حركة قبائل البانتو.
  • حركة قبيلة كيسمايو.
  • حركة عشيرتي “هارتي” و”دارود”.

بدأت الصومال بعد أكثر من ربع قرن من الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية، بتوطيد حالة استقرار تتّسع تدريجياً، وتساعد في إعادة بناء المجتمع المحلي وإطلاق عملية تنمية، وهو ما يتعارض مع الوجود التركي بشكله العسكري/الاحتلالي، لذا تعود قطر إلى العبث بالأمن الصومالي، وفق النقاط السابقة.

يضاف إلى ذلك، حاجة كل من قطر وتركيا، إلى تقويض جهود القوى الأخرى التي تشتغل على تعزيز أمن الصومال، لذا كان المطلوب ضرب الجهود الإماراتية تحديداً، والتي قدّمت طيلة ربع قرن مئات الملايين من المساعدات والمشاريع، إلى جانب التدريب وحضور أبناء الإمارات على الأرض الصومالية منذ منتصف التسعينيات، في وقت تخلى فيه الجميع عن واجباتهم الأخلاقية والإنسانية، وخصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة والأمم المتحدة من الصومال.

وظيفة أخرى تسعى قطر إلى تحقيقها في الصومال، في عملية تدمير البنى المحلية وزرع ميليشيات ذات سمة إرهابية فيها، وهي سمة عامة في سياستها الخارجية، تهدف إلى “مناكفة” الدول العربية، في سياسة خارجية تقوم على أهواء شخصية مرضية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٧ أبريل ٢٠١٨