لاتزال قطر تبرهن للعالم أنها لاتملك سوى وسائل التخريب لتحقيق أهداف سياستها الخارجية التي يتزايد عدد ضحاياها يوماً بعد يوم، جراء الحروب والصراعات التي امتدت لتستوعب خريطة العالم العربي. ويبدو أنها تعتمد على الحروب بالوكالة أو الحروب الهجينة، فهو نظام أصغر من أن يملك الشجاعة على المواجهة، ولذلك بات العمل السري والتخرييى هو طوق النجاة، ولكنه في الواقع سراب يوشك أن يتداعى عنده النظام القطري الذي يصطدم يومياً بحقيقة أحلامه في الهيمنة والسيطرة على المنطقة، تارة من خلال الإخوان، وتارة من خلال الميليشيات المسلحة.

 وما من شك في أن العزلة التي يعيشها النظام القطري قد كشفت عورات هذا النظام الذي يتصرف ويتحرك بعصبية أفقدته رشادة التفكير، فبدلاً من أن يتجه إلى البحث في اتخاذ إجراءات تساعد على تحقيق التقارب والتصالح مع جيرانه العرب، إذا به يكشف كل يوم عن الخلل النفسي الذي يعوق قدرته على مراجعة سياسته فيتمادى في عناده، إلى درجة أن الأزمة الخليجية قد باتت تعبر عن أزمة نفسية لدى القيادة السياسية القطرية، وأصبح هذا النظام جامداً فكرياً ونفسياً وغير قادر على الاندماج في محيطه العربي الذي لفظه. وقد عبرت الصورة الإعلامية لمشاركة هذا النظام في القمة العربية الأخيرة في المملكة العربية السعودية خلال الأيام الماضية، كيف يعيش هذا النظام عزلة نفسية طوق بها نفسه، فحتى في ظل حضوره يبدو حضورا غريباً عن محيطه، لقد أصبح فجأة يشعر أنه ضيف وليس من أهل هذا البيت.

إن الغربة النفسية التي يعيشها النظام القطري قد أصبحت مزمنة، مالم يخضع لمراجعات ذاتية لتحركاته وتصرفاته. فالتحركات والتصرفات القطرية في دولة مثل الصومال بلاشك تستهدف أمنه، فقد استغلت قطر ظروف الصومال، في تقديم مساعداتها الخيرية والاقتصادية والعسكرية، لكنها في الواقع تستهدف أمنه. فالقراءة في دوافعها تكشف أنها لا تهدف إلى التأثير على العلاقات العربية بدولة الصومال، وعزل الصومال عن محيطه العربي، وهذا بلاشك مصير كل الحكومات التي تعاونت مع هذه الدولة في تنفيذ مخططاتها. فأصبحت إيران وتركيا اللتين ترعيان الإرهاب في العالم العربي خير جليس وأنيس. إنها حقاً عدوى نفسية تتملق هذه الدول التي تأبى إلا أن تستمر في سياستها التي ظل وقودها حتى الآن دماء الأبرياء في العالم العربي.

بلاشك فإن التحركات القطرية في دعم الميليشيات الإرهابية مثل حركة الشباب الصومالية تأتي في سياق الهيمنة والتغلغل في المنطقة، حيث تستخدم قطر هذه الميليشيات لفرض السياسة القطرية والضغط على حكومات المنطقة، بما في ذلك الحكومة الصومالية، والتي رضخت مؤخراً للسياسة القطرية وانحازت للموقف القطري، في إطار صفقاتها الاقتصادية والعسكرية مع الحكومة القطرية. ويبدو أن المواقف باتت تقايض بمنطق الصفقات القطرية، وبات منطق الصفقات هو المنطق السائد الذي يحكم العلاقات القطرية – العربية، فليس لدى قطر ما تقدمه سوى المزيد من الأموال لشراء مواقف النظم التي تقبل بهذا المنطق والمبدأ.

            وتظن قطر أن استثماراتها الطائلة في تمويل الميليشيات سوف تحقق لها أرباحاً طائلة، لكنها في الواقع خسرت أكثر مما أنفقت نتيجة حساباتها غير الدقيقة للمكسب والخسارة. بل إن الحكومات والميليشيات التي تتعاون معها باتت تخسر، لأنها تستند في الواقع إلى ظهير هش، ليس لديه القدرة على المواجهة وحماية حلفائه سوى العمل من خلف الستار. ولذلك لم تحقق ميليشياتها أية سيطرة سياسية حقيقية سوى أصوات الدمار التي تدوي في المنطقة. يبدو أن قطر لم يعد لديها خيار آخر سوى أن تحتمي خلف الميليشيات، وكلاهما يركن إلى حليف حتماً ساقط.

وما من شك في أن التمويل القطري للميليشيات الصومالية، وخاصة حركة الشباب الصومالية لم يعد سراً، فقد كشفته ووثقته الكثير من التقارير الدولية. التي أشارت إلى أن قطر ضالعة في تمويل حركة الشباب في الصومال. وكشفت تسريبات “ويكيليكس” مطالبة الولايات المتحدة في وقت سابق، قطر، بوقف تمويل هذه الحركة الإرهابية. وكشفت عن ممولين للإرهاب يعيشون في قطر بحرية ويلعبون دوراً محورياً في تمويل الحركة. وعلى رأس هؤلاء القطري عبد الرحمن بن عمير النعيمي، الذي تربطه حسب تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية علاقة وثيقة بزعيم حركة الشباب حسن عويس. وتشير التقارير إلى أن النعيمي حول نحو 250 ألف دولار في عام 2012 إلى قياديين في الحركة، مصنفين على قوائم الإرهاب الدولية. وقد اعترفت السفيرة الأمريكية السابقة في الأمم المتحدة سوزان رايس أن التمويل القطري كان يتم عبر تحويل الأموال إلى الصومال عن طريق إريتريا. ونفس الاتهام كرره رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك شريف شيخ أحمد، الذي قال خلال اجتماع مع دبلوماسيين أمريكيين في ليبيا إن حكومة قطر تقدم الدعم المالي إلى حركة الشباب.

بل إن السياسة القطرية لم تتوقف عند هذا الحد، إنما واصلت دورها التخريبي في المنطقة، ودعم الإرهاب وإيواء عناصر التنظيمات والميليشيات المسلحة، فجندت شباباً بالصومال مقابل 6 آلاف دولار. وبلا شك، أصبحت من أهم الممولين للأزمات في المنطقة، حيث يستخدم المال القطري في هدم استقرار الدول. كما أن تواطؤ الحكومة الصومالية مع السياسة القطرية في الصومال يؤكد من دون شك أن شعب الصومال يتعرض لمؤامرة كبرى عبر هذا الدعم القطري الواضح للحركات الإرهابية، خاصة حركة الشباب، فإمارة قطر تلعب على كل الأطراف في مقديشيو وتستغل تواطؤ الحكومة، لتحويل الصومال إلى أفغانستان جديدة في أفريقيا.

            ويكشف الدعم القطري للميليشيات الصومالية إصرارها على رعاية الارهاب وتهديد أمن وسلامة الدول، فقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية في قرار صادر 29 فبراير 2008م حركة الشباب الصومالية بأنها حركة إرهابية وأنها مجموعة متطرفة عنيفة ووحشية تنتمي لتنظيم القاعدة، قبل أن تعلن تجميد أموال الحركة في الولايات المتحدة، بعدما ارتكبت، أعمالاً وحشية ومجازر بحق المدنيين والقيادات السياسية بدعم من الدوحة، حيث قامت عناصرها بتفجيرات انتحارية في العاصمة مقديشو وأجزاء متفرقة بالبلاد، ولعل أبرز أعمالها الوحشية تفجير داخل فندق ببلدة بلدوين قضى باغتيال وزير الداخلية السابق عمر حاشي و30 شخصاً آخرين على الأقل.

وتكشف هذه السياسات المتناقضة أن العمل الإنساني القطري في الصومال، تحت ستار جمعية “قطر الخيرية” و”الهلال الأحمر” ومؤسسة “راف”، هي سياسة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فهي تتحرك كخلايا سرطانية تستغل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية لتحقيق مصالحها. لقد حاولت قطر عبر وسائل مختلفة محاربة التعاون والتواصل العربي مع الصومال. فوجدت مقديشو نفسها تحت ضغط كبير من قبل مسؤولين قطريين لاتخاذ مواقف معادية للدعم الإماراتي مما أدى إلى توتر في العلاقات الإماراتية الصومالية في وقت يبدو فيه الصومال في أمس الحاجة إلى مثل هذا الدعم. ووصلت العلاقات إلى حد قررت معه الإمارات إنهاء برنامج تدريب عسكري في الصومال، رداً على مصادرة الملايين من الدولارات كانت مخصصة لدفع رواتب عسكريين صوماليين.

ويفسر بعض المتخصصين في الشأن الصومالي التوترات الأخيرة بين الصومال والإمارات، بالتواطؤ التركي – القطري الذي يهدف بالأساس إلى تقويض العلاقات المتنامية مع الدول العربية، حيث تحاول قطر نقل المواجهة مع دول الخليج العربية، لاسيما الإمارات والسعودية إلى مناطق أخرى، لذلك تركز سياستها الآن على محاربة الحضور الإماراتي في الصومال، وأيضا استهداف مصر في منطقة القرن الأفريقي. وتركزت الجهود القطرية على رفض سياسيين في مقديشو لأي مشاريع تنموية خصوصاً في أرض الصومال وبونت لاند، وكانت موانئ دبي العالمية تستعد لتحويل ميناء بربرة إلى أكبر موانئ شرق أفريقيا على الإطلاق. وكان من المتوقع أن يتكلف مشروع ميناء بربرة 450 مليون دولار، وهو ما يجعله أكبر استثمار في أرض الصومال.

بلا شك فإن هذه السياسة تضر بأمن الصومال واستقراره أكثر من الدول الخليجية نفسها، وتجعل من الصومال وغيرها من دول القرن الأفريقي فريسة سهلة الصيد من جانب إيران وتركيا وغيرها. وخاصة أن الحكومة الصومالية الحالية المدعومة من أنقرة والدوحة، ليست لديها القدرات التي تستطيع من خلالها الحفاظ على ولاء الأقاليم شبه المستقلة كأرض الصومال وبونت لاند، لكنها في نفس الوقت ترفض أن تقوم دول كالإمارات بأي دور، تحت ضغط تنموي في الصومال وتحت ضغط مصالح شخصية من سياسيين بات ولاؤهم لقطر.

وحاصل القول، لقد ساهم الدور الإماراتي والسعودي في حل الصراع في الصومال و نزع فتيل الأزمة بشكل سريع، وتشكيل جيش نظامي صومالي لدحر الجماعات المسلحة والإرهابية في هذا البلد الأفريقي. لكن هذا الجهد يواجه اليوم بالسياسة القطرية التي تعمل على تحول الصومال إلى ساحة ومرتع للميليشيات الإرهابية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٧ أبريل ٢٠١٨