الصورة بواسطة CT Snow from Hsinchu, Taiwan – pictures from an armed convoy trip in Mogadishu وCC BY 2.0 وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=2437040

 

من الواضح أن قطر بعد أن تم تحجيمها من قبل دول الإقليم أصبحت مستعدة للعب أي دور قذر يضاف إلى ملفها الأسود. ورغم أن الدوحة كانت تتظاهر من قبل بالسيادة والانحياز لخيار دعم الإخوان بقرار داخلي من قصر الحكم، إلا أنها بعد التحجيم الخليجي العربي المشترك الذي فضح أدوارها الخبيثة في خدمة الإرهاب والتحول إلى ناطق رسمي باسمه؛ أصبحت بعيدة جداً عن الادعاء بحماية سيادة قراراتها ومواقفها. فالاحتياج لأبسط المواد الغذائية التي تنقل إليها جواً من تركيا وإيران دفعها إلى القبول بدور التابع المطيع والمنفذ لرغبات أردوغان وخامنئي.

وللدور القطري الجديد ملامح قديمة أيضاً، مع فارق أن الدوحة كانت تلعب في الماضي لصالحها منفردة، بينما أصبحت الآن مجرد منفذ غبي لأجندة أردوغان الحالم باستعادة الخلافة والهيمنة. فخلال سنوات ما بعد استيلاء نظام الحمدين على السلطة في قطر، كانت سياسة الدوحة تراهن على تغطية صغر حجم الدولة بلعب أدوار دبلوماسية وإعلامية أكبر من حجمها. إضافة إلى تبني الدعم الإعلامي المكشوف للخلايا والعناصر الإخوانية التخريبية في المنطقة. وكل تلك الممارسات القطرية كانت تتخفى تحت أكثر من ستار، بما في ذلك الاستمرار الشكلي في مجلس التعاون الخليجي وحضور القمم والاجتماعات والتظاهر بالانسجام مع دول المجلس، إلى أن وجدت الدوحة الشريك التركي وأصبحت خادمة مطيعة له ومنفذه لخططه. وبخاصة بعد مواجهتها ومطالبتها بتغيير سياساتها العدوانية والداعمة للإرهاب. تلك كانت القشة التي قصمت ظهر قطر وكشفت نفسها بإصرارها على رفض مطالب الجيران المشروعة.

ومن الواضح أن السمسار القطري تحول إلى مستشار لإقناع دول القرن الأفريقي بأهمية التعاطي اقتصادياً وأيديولوجيا مع الراعي العثماني الذي يتجسد في شخصية أردوغان. من الناحية الاقتصادية يرغب أردوغان بشدة في مواصلة كسب رضا الناخبين الأتراك، بهدف تعزيز صلاحياته الرئاسية بشكل مطلق، مع ضمان فوز حزبه مستقبلاً بكثافة أكثر بحصد أغلبية المقاعد في الانتخابات المحلية والنيابية. وهو يدرك أن الناخب التركي المعارض لأيديولوجيا الحزب الإخواني الحاكم سوف يصمت عندما يلمس نمواً اقتصادياً يدفعه إلى أن يتجاهل أطماع أردوغان الخارجية، في مقايضة مستمرة بين القاعدة العلمانية التركية العريضة وبين حزب أردوغان الإسلامي. وإذا ما استمرت مكاسب تركيا التنموية وتضاعفت هيمنتها الخارجية وراء حدودها، فإن ذلك يشبع أيضاً نهم الناخب التركي ويغازل عاطفته القومية للشعور مجدداً بظلال تركيا تهيمن على العالم العربي تحت أي شعار مهما كان عنوانه.

غير أن هدف أردوغان وحزبه من استثمار القفاز القطري ليس كسب ود الناخبين الأتراك ورفع مؤشر النمو الاقتصادي التركي فقط، بل إن الهدف يتمثل في محاولة أردوغان المتكررة للوصول إلى تزعم العالم الإسلامي برمته، ولكن تحت يافطة إخوانية تمتد من أنقرة إلى مقديشو والخرطوم وكل عاصمة حليفة أو يجري ترويضها لتصبح كذلك!

القطريون بدورهم يقبلون مع الوقت القيام بدور مهرج السيرك ومروض الوحوش الصغيرة من خلال لعب دور القفاز والسمسار لصالح تركيا والإخوان، سواء في أفريقيا أو غيرها. وبدافع أيضاً من أوهام الحصول على الحماية الإخوانية لقطر. لأنهم في الدوحة يعتقدون أنهم يضربون أكثر من عصفور بحجر تركي واحد. في البداية تحقق الدوحة بتطفلها في القرن الأفريقي لصالح تركيا نوعاً من الاختراق، بعد أن تعرضت لانتكاسات وضربات إعلامية متتالية. وبعد أن تسببت لها المقاطعة الرباعية بصداع مخيف انعكس على اقتصادها ومجتمعها. وثانياً تواصل قطر تنفيذ الأجندة الخاصة بدعم الإخوان ومنهجهم ومن يمثلونهم أو يشبهونهم في الدول الأخرى. لأنها تعتقد أنها تحصن ذاتها من أي انهيار مستقبلي، عبر حماية إخوانية منتظرة. في حين أنه على الدوحة أن تعي جيداً أن الإخوان المتأسلمين لا يجيدون سوى تحقيق مصالحهم واستغلال من يساعدهم حتى اللحظة الأخيرة ثم يبحثون عن منقذ آخر. وأقرب مثال على ذلك حركة حماس الإخوانية الفلسطينية التي ظلت تمتدح النظام السوري وتستغل دعمه، وعندما وجدت أن الوقوف إلى جانبه لن يكون في صالحها شعبياً ومالياً انسحبت وأقفلت مكاتبها في دمشق فجأة!

أما الضحية الأبرز في العبث القطري الذي يتم لصالح تركيا فهو الشعب الصومالي، وبخاصة بعد التداعيات الأخيرة التي دفعت الحكومة الصومالية إلى التظاهر المسرحي مدفوع الثمن بعدم احتياجها للجانب الإماراتي!

سوف تخسر الصومال لأن الراعي الرسمي للمراهقة السياسية التي وقعت فيها هي قطر. بينما تقول التجارب والمؤشرات أنه لا يمكن الوثوق نهائياً بقطر وبنظام الحمدين، لأنه أصبح مجرد سمسار لتركيا وأطماعها التي تتغلف بالرغبة في استعادة التمدد العثماني القديم، ذلك التمدد الذي فشل تاريخياً في فهم واستيعاب الإنسان العربي وثقافته، لأن البعد العقائدي الإسلامي لم يكن كافياً بمفرده لتحقيق الانسجام مع الاحتلال التركي، الذي يريد أن يعود إلى المنطقة من جديد، ولكن بأسلوب مختلف، عنوانه الهيمنة الاقتصادية والتطفل على دول الإقليم ومنحها وعوداً كاذبة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٧ أبريل ٢٠١٨