يشير تتبع تحولات الدور القطري  إلى إيجاد أنواع جديدة من بؤر الصراع، في إطار مشاريعها الرامية لصناعة الدول الفاشلة والفوضى. إذ لم تتعظ قطر بعد من أدوارها الإشكالية في “عسكرة” و” أسلمة” الصراعات داخل دول ما سمي بـ ” الربيع العربي”، وما جرته سياساتها من خراب جعل المنطقة مفتوحة على جميع الاحتمالات. لتتجاوزتها عبر إيجاد موطئ قدم لها في القارة الأفريقية، وفي إطار مشروع نقل داعش إلى القارة السمراء.

أول ما تبدى من خيوط المشروع القطري، محاولة قطر السباحة في مستنقع جديد بدايته الصومال، اتساقاً مع أدوارها في تعطيل الدور الإماراتي، الذي اشتغل على انتشال الصومال من حالة هشاشة الدولة، التي أصبحت تهدد البلاد بمعضلات الفقر والبطالة والفوضى، كأرضية خصبة لولادة الإرهاب وصناعته وتصديره.

تبدو الصومال الآن على شفير هاوية بسبب الأدوار القطرية، ويبدو معها النظام الصومالي متماهياً بسياسات التورط عبر أدوار مشبوهة، تضع الدولة الصومالية – التي كانت تمر في فترة من النقاهة السياسية والاجتماعية- لتعود من جديد أرضاً خصبة لمشاريع أنهكت الشعب الصومالي، حتى أصبحت عبارة “الصوملة”  مصطلحاً سياسياً يشير إلى مفهوم الدولة المفككة والفاشلة من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هذه النقطة بالذات، بدأت الجهود الإماراتية منذ عقود في العمل على مداواة الدولة الصومالية من أمراضها المزمنة.

من جهة أخرى،  تحاول قطر تصدير الاستعصاء السياسي الذي تمر به “نخبتها” السياسية، وإيجاد مخرجات بديلة يعوضها التورط المشين لها في التغريد خارج البيت الخليجي.

تعصف  بقطر الآن أزمة حقيقية في الهوية، عجز من خلالها النظام القطري في إيجاد مدخلات تؤهله للتعامل مع الواقع الصعب، ما دفعها من جديد إلى انتهاج سياسة التعطيل عبر الاستمرار في سياسة صناعة الدول الفاشلة. فبعد فشلها داخل بيتها الخليجي، تعود من جديد بسياسة خلق الأزمات في علاقة الدول الخليجية مع الدول الأخرى، لاسيما تلك التي تشكل خاصرات رخوة، وباختراقات خارج الأعراف الدولية، وبأدوار تخريبية، تقوم على توريط الحكومات التي تحتاج إلى مد يد العون وإنقاذها مما تعانيه من أزمات. ولعل الأدوار القطرية الخبيثة مؤخراً في توريط الصومال بممارسات خارج العرف الدبلوماسي وقواعد القانون الدولي، أظهرت أن قطر أشبه بآكل الجيفة الذي لا يمكنه العيش إلا على جثث هامدة كالصومال.

الصومال: أزمة الشرعية وهشاشة الدولة والمحاولات الإماراتية لإنقاذ ما تبقى

يدرك النظام الصومالي أنه مازال مهدداً بفقدان الشرعية السياسية، وعدم قدرته على تقديم أية حلول للمعضلات الصومالية الكثيرة، كما يدرك مستوى فقدان الثقة مع المواطن، بسبب عدم قدرته أيضاً على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ما جعله يعتمد منذ عقود على المساعدات الإماراتية سواء منها الإنسانية أو الإغاثية أو التنموية، بما فيها تطوير المؤسسة الأمنية والقوات المسلحة، كما يدرك أن أي خطوة نحو تذليل هذه الصعوبات سيضع البلاد أمام مرحلة من التحول الديمقراطي، بدءً من التنمية التي ستهدد وجوده كنظام استبدادي في دولة فاشلة.

شكلت العمليات التنموية الاجتماعية والاقتصادية التي قامت بها دولة الإمارات، تهديداً فعلياً للنظام العسكرتاري الصومالي، الذي أدرك أن بقاءه مرهون بتكريس حالة الجهل والفقر في المجتمع الصومالي، كقاعدة متعارف عليها في النظم الاستبدادية، وفي تلك الدول التي تعاني من الصراعات والحروب، حيث يجهد زعماء الحرب أنفسهم في إبقاء حالة الحرب، مدركين أنّ بقائهم مرهون ببقاء حالة الصراع والفوضى.

 تشير تحولات الدور القطري في الصومال، إلى نوع من البراغماتية المتبادلة بين النظام الصومالي وقطر من جهة، وبين الضغوطات الخارجية التي تلعب من خلالها السياسة القطرية دور ” العراب” من جهة أخرى. وعليه تبدو مهمة النظام الصومالي هي الإبقاء على حالة التخلف والفقر، من خلال تحييد الدور الإماراتي، الذي اشتغل مراراً على إنقاذ الدولة الصومالية. وهو ما يعطي فرصة للنظام الصومالي للإمساك بالسلطة، والتعامل معها كمكسب آني يتجاهل التداعيات المستقبلية.

  في إطار هذه العلاقة الجدلية، تبدو عملية إبقاء الصومال كبؤرة للصراع في أفريقيا، عملية ممنهجة للاستثمار بها كخزان لصناعة الإرهاب وتصديره، بالاستفادة من تاريخية الحالة الصومالية في هذا المجال.

 إنّ دور قطر عبر ربط النظام الصومالي بالحيلولة دون إعطاء فرصة للنمو السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن خلال إعاقة الدور الإماراتي لإنقاذ الدولة الصومالية، بدءً من محاولات النظام الصومالي نفسه في إعاقة عدم تلبية الحاجات الأساسية للدولة، الأمر الذي يضمن للدور القطري تحقيق فكرة هشاشة الدولة، حيث تعمل قطر على استنساخ فكرة ” الصوملة” من جديد. فطبقاً لتقديرات عام 2014 تربعت الصومال في واجهة الدول التي شكلت مرتعاً للعنف الذي يتوازى مع هشاشة الدولة، مما يمهد للانقسام الاجتماعي، ويعطل جهود التطور، ويقف حائلاً دون تحقيق التنمية المستدامة، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تجاهل حاجات المواطن، ويخلق مشكلات اجتماعية تتبدى على شكل مشكلات سياسية وانقسام مجتمعي، يضع البلاد على أعتاب حالة من الفراغ والفوضى التي تولد فيها الجماعات الإرهابية.

الأدوار القطرية ومشروع داعش في أفريقيا: البداية من الصومال

 تأخذ قطر على عاتقها اليوم، مشروع نقل ما يعرف بـ ” تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق” إلى قارة أفريقيا، بكل ما يحمله هذا المشروع من تداعيات خطيرة، وما يحمله هذا التطور من تهديد للاستقرار وعمليات التنمية في القارة الأفريقية ككل.

وتبدو القارة الأفريقية المحطة القادمة لنوع من التنافس بين عناصر تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، بعد أن قام الأخير بنقل مركزه إلى مدينة سرت الليبية. إذ شهدت الأحداث تنافس التنظيمين لاستقطاب المزيد من العناصر. وفي هذا المجال يظهر داعش أكثر قوة، ما يدفع الكثير من التنظيمات الإرهابية إلى مبايعته كفرصة لزيادة مواردها وتوسيع نشاطاتها. ولعل ما أقدم عليه تنظيم” بوكو حرام” خير دليل على ذلك. إذ حاول الانضمام إلى تنظيم القاعدة، إلا أنه عدل عن ذلك بسبب اختلافه مع بعض من أفكار القاعدة. الأمر الذي يؤهل داعش لأن يضم جميع التنظيمات الإرهابية في أفريقيا. وفي هذا الإطار تشكل الصومال في القرن الإفريقي موقعاً استراتيجياً لتموضع تنظيم الدولة الإسلامية، حيث المحيط الهندي وخليج عدن.

وعلى هذا الأساس، ينخرط النظام الصومالي اليوم في عملية تشكل نوعاً من أشكال “دبلوماسية الشيكات” أو الصفقات العابرة التي تعمل على تحويل البلاد إلى خزان لتصدير الفوضى والجهاديين، عبر إعادة تدوير مفهوم  مصطلح “الصوملة”  كنموذج ومقياس عالمي لحالة الصراع والفوضى وصناعة الدول الفاشلة، وفي اتساق مع تاريخية أدوار السياسية القطرية في المنطقة ككل.

المحاولات الإماراتية لانتشال الغريق الصومالي: خط بياني متصاعد من المساعدات المالية والإغاثية

لم تنقطع المحاولات الإماراتية في إنقاذ الدولة الصومالية التي تعصف بها تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، وقد وضعت دولة الإمارات وبتوجيهات شخصية من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، وصاحب السمو محمد بن زايد آل نهيان خطط متكاملة وبشكل سنوي لم تنقطع خلاله المساعدات التي أظهرت خطاً بيانياً تصاعدياً، ينم عن إرادة حقيقة فاعلة ومستمرة للنهوض بالصومال.

بين أعوام 2009 و2016 وصلت المساعدات الإماراتية للصومال نحو 941 مليون درهم إماراتي. لم تنقطع وبزيادات مطردة. ففي العام 2009 بلغت المساعدات الإماراتية للصومال أكثر من  33 مليون ونصف درهم، وفي العام 2010 وصلت إلى أكثر من 16 مليون ونصف. بينما سجل العام 2011 أكثر من 83 مليون درهم. وفي العام 2012 بلغت نحو 80 ألف درهم، وفي العام 2013 تجاوزت الـ 92 مليون ونصف المليون درهم. ووصلت في العام 2014 إلى ما يقارب 131 مليون درهم. أما العام 2015 فقد سجل مساعدات إماراتية للصومال بقيمة 113 مليون درهم، أما العام 2016 فقد سجل ما يقارب الـ 393 مليون درهم.

أما المساعدات التي قدمتها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي منذ 1993 حتى نهاية 2016 أكثر من 277 مليون و553 ألف درهم، وقد شملت المساعدات القيام بالعديد من المشاريع التنموية وبرامج الإغاثة، ومشاريع ومساعدة إنسانية للمحتاجين. أما المساعدات الإغاثية فقد بلغت بين أعوام 1993 وحتى نهاية 2016 أكثر من 95 مليون درهم. كما بلغت قيمة المشاريع الإنمائية أكثر من 82 ونصف مليون درهم. ومشاريع الأضاحي 19 ونصف مليون درهم، والمشاريع الخاصة بكفالة الأيتام ما يقارب 79 مليون درهم، والمساعدات الإنسانية بأكثر من 10 مليون ونصف المليون درهم إماراتي. وفي العام 2017 توجهت إلى ميناء بربرة سفينة تحمل مساعدات بقيمة 4259 طن من المواد الإغاثية، وأدوية ومستلزمات للأطفال بقيمة تتجاوز الـ 10 مليون ونصف مليون درهم.

وفي آذار من العام 2016 ، وبعد موجة الجفاف التي ضربت الصومال وأودت بثرواتهم الزراعية والحيوانية، تصدت دولة الإمارات لتعويض الشعب الصومالي خساراته فرداً فرداً، فوزعت مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية آلاف السلال الغذائية على الشعب الصومالي في جميع المناطق المتضررة، والمناطق والقرى المحيطة، ولاقت المساعدات حينها ثناءً وشكراً من القيادة السياسية في الصومال، والإشادة بالقيادة الرشيدة لدولة الإمارات لوقوفها إلى جانب الشعب الصومالي.

  • شخصيات صومالية تندد بممارسات النظام الصومالي:

وبالرغم من اتخاذ السلطات الصومالية بعض الإجراءات التي تحاول من خلالها الإساءة للدور الإماراتي في الصومال، مازال نبض الشارع الصومالي يدين بالمعروف لأشقائه الإماراتيين. إذ أكد رئيس ولاية بونت لاند شمال شرق الصومال عبد الولي محمد علي، أن انسحاب الإمارات من الصومال سيكون عبئاً على البلاد، مشيراً في مقابلة أجرتها معه إذاعة صوت أمريكا “أن الإمارات العربية المتحدة تقوم بتأهيل وتدريب القوات الصومالية، وتصرف مرتباتها وتنفذ في البلاد مشاريع تنموية مختلفة تقدر بملايين الدولارات، وجميع ذلك يصب في مصلحة الدولة الصومالية، حيث تضطلع الإمارات – رئيس ولاية بونت لاند-  بمحاربة الهجرة غير الشرعية، والحرب ضد الإرهاب الذي يهدد البلاد بالعودة إلى مستنقع الفوضى.

وفي اعتراف وإشادة بتاريخية المساعدات والدفع الإماراتي لبناء الدولة الصومالية، تحدث – مؤخراً-  الرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد عن الدور التاريخي لدولة الإمارات وضرورة الإبقاء على العلاقات المتميزة، وذلك في صدد تعليقه على مصادرة الحكومة الصومالية مبالغ مخصصة لدعم وتأهيل الجيش الصومالي، مشيداً بدور الإمارات في بناء قدرات القوات الصومالية، ومؤكداً أن ذلك يتنافى والعرف الدبلوماسي. كما يتنافى مع ما قدمته الإمارات العربية المتحدة للصومال والشعب الصومالي، الذي لجأ منذ مطلع التسعينيات إلى الإمارات ووجودوا فيها فرصة لممارسة أنشطتهم الاقتصادية.

ختاماً، وفي إطار سيرورة الإفلاس القطري، لا يبدو أنّ الأمور تسير نحو الرؤية القطرية،  فالنظام الصومالي اليوم يعيش أزمة حقيقية مع الثقافة المجتمعية الصومالية، التي تكونت عبر عقود، والتي لم تنسَ دور أشقائها بمد يد العون لها، والتي تمثلت بدعم لا محدود لمسه كل مواطن  صومالي. تزامن ذلك مع أصوات لشخصيات سياسية انتقدت الإجراء المشين الذي قام به النظام الصومالي.

وعليه، تبدو الثقافة المجتمعية هي القاعدة الأساس في العلاقات الدولية ومتغيراتها، وهي الفاعل الأقوى من السياسيات الخارجية أو الاستراتيجيات التي تحاك في أقبية الظلام القطرية، والتي لا يمكن معها ترك الباب مفتوحاً لسياسات التخريب القطري في القرن الأفريقي وبوابته الإستراتيجية في خليج عدن.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٨ أبريل ٢٠١٨