CC BY-SA 3.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=1662951

 

إندونيسيا أكبر بلد مسلم في العالم: الديمغرافيا الإسلامية النابضة بالثقافة العربية في جنوب شرق آسيا

تقع إندونيسيا في الجنوب الشرقي من قارة آسيا، بين المحيط الهندي والمحيط الهادي، ولها حدود مع كل من ماليزيا، وتيمور الشرقية، وغينيا الجديدة، وتحاذيها أستراليا من الجنوب الشرقي، والفلبين وسنغافورة شمالاً. وتتمدد إندونيسيا على مساحة تبلغ 1.904.569 كم مربع، على شكل مجموعة من جزر وأرخبيلات عددها 17508 في المحيط الهندي، وتعد الدولة الـ 16 في العالم من حيث المساحة، وهي رابع دولة من حيث عدد السكان في العالم. إذ يصل عدد سكانها اليوم إلى 253 مليون نسمة، أي أنها تشكل 3.5٪ من عدد السكان في العالم. وهي أكبر بلد مسلم في العالم، إذ يبلغ عدد معتنقي الإسلام فيها 87.2 % من الشعب الإندونيسي، أما الباقون فيتوزعون 9.9 من المسيحيين، و1.7 % من الهندوس، والباقي أقليات من البوذية الكنفوشيوسيه.

انتشر الإسلام في إندونيسيا بدون حرب أو فتوحات، ويعود الفضل في انتشاره إلى التجار العرب الأوائل من سلطنة عمان وحضر موت والساحل الجنوبي لليمن، وإلى التحالفات القوية مع التجار العرب، وهم من المسلمين السنة على المذهب الشافعي. وتسمح التشريعات الإندونيسية بحرية ممارسة الأديان.

 تعد إندونيسيا من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، مثل النفط، والذهب، والفضة، والنيكل، والنحاس، والخشب، والغاز، والتربة الخصبة الصالحة للزراعة، وهي تنتج النفط والغاز الطبيعي والمعدات الكهربائية والمنسوجات والسيارات والمطاط والكاكاو وزيت النخيل والفول السوداني وزيت النخيل. وتصنف إندونيسيا بأنها الدولة الثانية في التنوع الحيوي.

تعاني إندونيسيا الكثير من المشاكل الاقتصادية، فهي بلد ضعيف الإنتاج، إذا ما قورن بموارده الطبيعية، ومساحته وعدد سكانه، حيث ينتشر الفقر بنسب عالية، وتتفشى الأمية والبطالة والجهل. وبسبب هذه المشاكل واجهت إندونيسيا منتصف القرن العشرين الكثير من حملات التنصير، وبإمكانيات هائلة من ميزانيات ضخمة وإعلام وقنوات تلفزيونية، مما أثر على أعداد المسلمين، فتراجعت نسبتهم من 97% إلى85%.

المتتبع لخارطة التوزيع الديمغرافي يلاحظ أن السكان يتموضعون حسب اتجاهاتهم الدينية، فالغالبية العظمى في إندونيسيا تدين بالإسلام المعتدل في المقاطعات الشمالية في بونتاك وسنتانغ المحاذية برياً لماليزيا، والمقاطعات الجنوبية الغربية في مادان وسومطرة وجامبي وبالمانغ، بينما تتموضع في مقاطعتي جاكرتا وباندونغ ومالانغ اتجاهات الدين الإسلامي المتشدد. أما المسيحيون فيتمركزون في الشرق في مقاطعات سارنه وسارمي وميروكي.

إندونيسيا دولة موحدة، نظام الحكم فيها جمهوري رئاسي ذو طابع برلماني، ويعين رئيس الجمهورية مجلس الوزراء كاملاً، بحيث لا ينتخبون من مجلس الشعب، وتتكون البلاد من 33 مقاطعة لكل منها سياسة تشريعية خاصة بها وحاكم مستقل، ويتم فيها تنفيذ إجراءات حكم ذاتي إقليمي. وقد ظلت البلاد في التاريخ المعاصر تعاني من الضعف والفقر والإهمال كونها دولة إسلامية خالصة تقريباً، كمنعكس لحالة الضعف الذي تعاني منه الدول العربية الإسلامية، مما حال دون الالتفات إليها أو النهوض بها.

الحركات الجهادية في إندونيسيا:

 تواجه إندونيسيا التي تعد من أكبر الدول الديمقراطية في العالم الإسلامي، الكثير من التحديات بسبب انتشار الفكر المتطرف في الآونة الأخيرة في أوساط التنظيمات المحلية. وتعمل الدولة الإندونيسية على قطع الطريق على الدعوات التي تتحدث عن دولة إسلامية تحكمها الشريعة، بعد أن اختارت البلاد – عبر نضالها السياسي الطويل- شعارها الشهير “الوحدة عبر التنوع” بهدف حماية الأقليات غير المسلمة وإدماجها في المجتمع. لذلك ظلت غالبية الخطب التي يلقيها الرئيس الإندونيسي “ويديدو” تأخذ حيزاً للتركيز على مخاطر التطرف التي بدأت تعصف بالبلاد مؤخراً، والتي يعزوها الرئيس الإندونيسي للمواطنين العائدين من ساحات الجهاد في الخارج.

تشير الكثير من الدراسات والبحوث إلى تنامي التنظيمات المتطرفة الخطرة في إندونيسيا، والتي تسعى لتغيير الهوية الوطنية الإندونيسية، كما إيمانها بفكرة الجهاد العالمي خارج الحدود. هذه التنظيمات بدأت في المجتمع الإندونيسي المسلم تحت شعارات مثل “نصرة إخواننا المظلومين”، أو “منتدى أمة الإسلام لدعم الروهينغيا”، أو “الجماعة الإسلامية” التي يقودها “أبو بكر باعشير”، التي تدعو إلى إقامة الخلافة في إندونيسيا وعموم جنوب شرق آسيا. ومازالت الدولة الإندونيسية تحاول إيجاد حلول ناجعة بشأن الجماعات المتطرفة للحيلولة دون حوادث العنف المتكررة في البلاد، حيث قبضت السلطات الإندونيسية مؤخراً على خمسة متطرفين بحوزتهم مواد كيماوية لاستهداف القصر الرئاسي.

و يمكننا أن نستعرض – بعجالة- بعض أهم الجماعات المتطرفة في إندونيسيا:

  • جماعة انتشار التوحيد: وهي جماعة تعلن صراحة أن الذهاب للجهاد في سوريا له أولوية تتقدم على الذهاب إلى مكة للحج. ومن أهم قيادات هذا التنظيم المدعو “أبو وردة” المصنف دولياً في قائمة المطلوبين، لتاريخه الإجرامي في تنظيم القاعدة.
  • جبهة الدفاع عن الإسلام: تأسست على يد حبيب محمد شهاب، وكانت مهتمة بأمور الحسبة، لكنها مالبثت أن تحولت إلى العنف المسلح والتخريب ضد الأقليات بدافع الكراهية.
  • جمعية هاسي: التي تقوم بأعمال خيرية طبية، ولاعلاقة لها مع الاتحاد العالمي لجمعيات الصليب أو الهلال الأحمر. وقد تأسست على يد بعض الجهاديين والنشطاء، الذين يقومون بجمع التبرعات المالية دون أية رقابة من الدولة الإندونيسية.
  • منتدى علماء إندونيسيا: بزعامة المدعو “محمد غاتوت سابتونو” الشهير بـ “محمد الكثاث”، وهو من الذين عملوا مع حزب التحرير الإسلامي، الذي يدعو لإعادة الدولة الإسلامية.

العلاقات الإماراتية الإندونيسية: رغبة إندونيسية للانفتاح أكثر نحو مجالها الحيوي تاريخياً وثقافياً

بدأت العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا عام 1976، مع افتتاح السفارة الإندونيسية في أبو ظبي، وتميزت العلاقات بين البلدين تاريخياً بنوع من التواشج والتلاقي، ورغبة إندونيسية واضحة لتمتين هذه العلاقات، سواء في المجالات السياسية، أو في المجالات الاقتصادية.

تأتي الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 21 كشريك تجاري غير نفطي مع إندونيسيا. وبين أعوام 2010 و2013 بلغ إجمالي التجارة بين البلدين 3.39 مليار دولار. وفي العام 2013 بلغت الاستثمارات 23 مليون دولار، وهي المرتبة 26 من بين الدول المستثمرة في إندونيسيا، ويعد هذا الترتيب ضعيفاً قياساً بالسياسيات الاقتصادية التي منحتها الدولة في هذا المجال، مثل سياسات تدعيم السوق، وقلة الحواجز أمام التجارة، ما تعيشه الدولة الإماراتية من نسبة عالية في الاستقرار السياسي، ومناخ الشفافية وعدم الفساد. ما يؤهل الإمارات لأن تجد فرصاً أكبر ومرتبة أكثر تقدماً بين الدول المستثمرة، كدولة مثل الإمارات تتقارب ثقافياً وتاريخياً مع الثقافة الإندونيسية والمجتمع الإندونيسي، سواء لجهة أن اندونيسيا أكبر بلد في العالم من السكان بثقافة الإسلام المعتدل على الطريقة الإماراتية في الشرق الأوسط. وبما يتناسب وموقع دولة الإمارات كدولة تعد واحدة من أكثر الاقتصاديات نمواً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذلك يعتبر الترتيب الإماراتي قياساً بالدول المستثمرة في إندونيسيا ضعيفاً، إذا ما قيس بحاجة الأخيرة إلى موقع الإمارات الاقتصادي في الشرق الأوسط، أو قيس بحاجة أكبر بلد مسلم بثقافة عربية إلى حل مشكلاته من الفقر والبطالة والأمية، وتلبية احتياجات الطاقة، والاستثمار والتجارة.

منذ سبتمبر من العام 2015، دعا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ضرورة تعزيز الشراكة الإندونيسية الإماراتية خلال لقاءه مع الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، بحضور وزراء الاقتصاد ووزير التجارة، ووزير التخطيط والتنمية، لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وخاصة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، بالعمل على تعزيز فكرة الشراكة الإستراتيجية، التي تخدم البلدين في جميع المجالات. حيث أكد الشيخ محمد بن زايد حينها على حرص دولة الإمارات على تعزيز التعاون المشترك مع إندونيسيا، مشيراً إلى “أنّ الإمكانيات والمقومات التي يملكها البلدان تستدعي مضاعفة الجهود لاستغلالها وتنميتها حتى تحقيق الفائدة المرجوة. وتطرق الجانبان الإماراتي والإندونيسي إلى تطابق وجهات النظر حول العديد من الأمور ذات الاهتمام المشترك، لاسيما تلك المتعلقة بمحاربة الإرهاب وكل أشكال العنف والتطرف، التي تمارسها التنظيمات الإرهابية، والعمل على تثبيت دعائم أركان السلام والاستقرار في المنطقة.

في نوفمبر من العام 2016، نظمت غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، بحضور السفير الإندونيسي، “ملتقى الإمارات – إندونيسيا للأعمال”، وبحضور مدير المركز الإندونيسي لترويج الاستثمار في أبوظبي، ورؤساء ومديري أكثر من 100 شركة ومؤسسة إماراتية وإندونيسية، وقد أشار السفير الإندونيسي بضعف وتواضع الأرقام التي تعكس العلاقات الاقتصادية قياساً بالروابط التي تجمع البلدين، مشيراً إلى أن قيمة الاستثمارات الإماراتية في إندونيسيا لم تتجاوز 19 مليون دولار، وهو رقم – على حد تعبيره- لا يعكس التطلعات، كما لا يتناسب مع الإمكانيات والعلاقات القوية بين البلدين الصديقين، داعياً إلى ضرورة زيادة الشركات الإماراتية استثماراتها في الأسواق الإندونيسية.

في مارس 2018 وفي رغبة منها على تأكيد العلاقات المشتركة بينها وبين دولة الإمارات، أدرجت الحكومة الإندونيسية صكين بقيمة إجمالية بلغت 3 مليار دولار أمريكي في بورصة “ناسداك دبي”.

الموقف الإندونيسي من اليمن: الحياد السلبي، وتجاهل الشرعية الدولية

تربط اليمن وإندونيسيا علاقات روحية وتاريخية مميزة، تعود إلى فترة تمتد قبل القرن الحادي عشر الميلادي، منذ مجيء اليمنيين (وخاصة الحضارمة منهم) إلى إندونيسيا، لغرض التجارة التي كانت مدخلاً لانتشار الإسلام في إندونيسيا، وظلت هذه العلاقات متينة كثقافة جماهيرية، لاسيما بين الإندونيسيين وأبناء جنوب اليمن، إذ يدين الشعب الإندونيسي المسلم لليمنيين بانتشار الإسلام في بلدهم.

منذ أبريل 2015، دعت منظمة المؤتمر الإسلامي إندونيسيا كأكبر دولة إسلامية للتوسط في اليمن، وكانت دعوات إندونيسيا تتحدث في حل النزاع بالطرق السلمية، وخلال هذه الفترة كان الموقف الإندونيسي يقتصر على جهود الوساطة بين المتمردين الحوثيين والقوات الشرعية المعترف بها دولياً. كما قامت السفارة الإندونيسية في اليمن بإجلاء أكثر من 1900 مواطناً إندونيسياً من اليمن بينهم 17 من موظفي السفارة، بسبب الهجمات التي قام بها الحوثيون على جميع مؤسسات الدولة، والتي أصبحت تهدد أمن البلاد وسلامتها. بما فيها السفارة الإندونيسية التي تعرضت لهجوم نتج عنه إصابة عدد من العاملين في السفارة، وتدمير مبنى السفارة الإندونيسية بشكل كلي تقريباً. حيث أدانت الخارجية الإندونيسية حينها بشدة الهجوم الذي استهدف السفارة، منوهةً أن الحكومة الإندونيسية قد أكدت أن الحل السلمي هو أفضل وسيلة لتسوية النزاع الدائر.

من جهته أعلن المجلس التنفيذي المركزي لجمعية نهضة العلماء في إندونيسيا، أنه سيكون ممتناً لأية دولة للمشاركة في جهود المصالحة بين الحوثيين والحكومة الشرعية. حيث طالبت الحكومة الإندونيسية إبان ذلك، باحترام القانون والقواعد الدولية، وقرارات الأمم المتحدة، وأنّ إندونيسيا قلقة جداً وتأمل في حل النزاع باليمن من خلال الحوار والحل السلمي. وقد قدمت الحكومة الإندونيسية مقترحاً بذلك، تضمن ضرورة التوصل إلى حلول للمشاكل التي تقف وراء عدم الاستقرار في المنطقة، خصوصاً تلك المشاكل المتعلقة بانتشار التطرف، ومحاربة داعش في العراق وسوريا، والاضطراب في اليمن.

الموقف الإندونيسي من أزمة قطر: الاقتصاد يوجه السياسة، ودور إيراني لتكريس الخلاف

في يوليو 2017 أعربت وزيرة الخارجية الإندونيسية ريتنو مار سودي في لقاء لها في جاكرتا مع وزير الصحة الإماراتي عبد الرحمن العويس رغبة بلادها لحل الأزمة الخليجية عبر الوسائل الدبلوماسية، معتبرةً “أنّ الدبلوماسية والحوار هما الخيار المنطقي الوحيد لحل الأزمة”، وقالت : “لا نعتقد أنّ الطريق العسكري يمثل طريقاً لحل هذه الأزمة”. وحسب وكالات عالمية كانت وزيرة الخارجية الإندونيسية قد تلقت اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تباحثا خلاله آخر التطورات في منطقة الخليج، عقب قطع العلاقات مع قطر. حيث شرح ظريف للجانب الإندونيسي “قلق إيران من تدخل عسكري في قطر، أو دعم انقلاب ضد حكومة الدوحة”، علماً أن الجانب الإندونيسي لم يتطرق لموضوع المكالمة، واكتفت بتكرار احترام سيادة كل بلد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. الأمر الذي يستنتج منه تعاطف إندونيسي مع قطر، في الوقت الذي تربطها علاقات قوية مع إيران.

في الشهر ذاته من العام 2017، تلقى تميم آل ثاني اتصالاً هاتفياً من الرئيس الإندونيسي جوكو ويديدو بحثا خلاله الأزمة بين الدوحة ودول عربية، وحسب وكالة الأنباء القطرية، عرض الرئيس الإندونيسي استعداد بلاده لحل الخلاف بالسبل الدبلوماسية. وجرى خلال الاتصال بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تنميتها.

لم ينقطع الحراك الدبلوماسي الكثيف بين قطر وإندونيسيا خلال العام المنصرم، ولعل أهمها زيارة تميم آل ثاني لإندونيسيا في أكتوبر 2017 خلال اختتامه جولة آسيوية قام بها شملت ماليزيا وسنغافورة. حيث أعلن من إندونيسيا أن بلاده مستعدة للحوار مع الدول “الداعية” لمكافحة الإرهاب (الإمارات، السعودية، البحرين، قطر)، دون أن يحدد ماهية الحوار وموعده، والأسس التي سيكون عليها هذا الحوار. علماً أنّ الدول التي قاطعت قطر نفسها كانت قد أعلنت أن لا حل عسكري فيما يتعلق بأزمة قطر.

في السياق ذاته، ركز أمير قطر خلال زيارته لإندونيسيا التي استمرت ليومين على تمتين العلاقات الاقتصادية، وذكرت وزارة الخارجية الإندونيسية حينها أن اللقاء بين الرئيس الإندونيسي وأمير قطر تركز على بحث التعاون في مجالات تتعلق بالبنى التحتية والسياحة.

ويظهر أن قطر تدرك تماماً أن توثيق عرى التعاون الاقتصادي هو المقدمة لكسب الموقف السياسي، خصوصاً في نظام دولي جديد يقوم على التحديات الاقتصادية والتنمية.

وعلى خلفية الزيارة أعلن وزير الطاقة الإندونيسي أنّ “نبراس القطرية” اتفقت على استثمار مليار دولار في محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز الطبيعي في جزيرة سومطرة، والقيام بمشاريع بنى تحتية، وأنّ المقرر تخصيص 800 مليون دولار من قيمة الاستثمار لمحطة الكهرباء، وتخصيص الباقي 200 مليون دولار لوحدة عامة للتخزين وإعادة التغيير.

كانت الزيارة نتيجة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، فقد وصلت قيمة مشاركة قطر باستثمارات في إندونيسيا إلى 750 مليون دولار عبر مؤسسة قطر – إندونيسيا القابضة للاستثمارات، منها تعود إلى ملكية أراضي زراعية، ليس في إندونيسيا وحدها بل في عموم آسيا، فعلى سبيل المثال، تتجاوز الاستثمارات القطرية في آسيا الـ 30 مليار يورو، إذ تملك قطر في ماليزيا وحدها استثمارات بقيمة 3.8 مليار يورو في قطاعي الطاقة والعقارات، كما تشارك في مشروع “بنغرينغ” بمبلغ 4.4 مليار يورو.

ويبدو أن قطر تركز على الاستثمار في العقارات وشرائها بما في ذلك الأراضي الزراعية، في محاولة منها لتعويض عقدة النقص في مساحتها، من خلال شراء مساحات جغرافية في العديد من الدول للقيام بمشاريعها الاقتصادية، التي تعزز أيضاً مواقفها السياسية مع هذه الدول، لاسيما النامية أو الفقيرة، وهي بذلك تحقق الفائدتين الاقتصادية والسياسية.

في فبراير من العام الجاري 2018، عززت قطر علاقاتها الاقتصادية مع إندونيسيا، وكانت من أهم المشاريع التي أطلقتها قطر في إطار ما أسمته “الخطة للتغلب على الحصار” اتفاقية الشراكة بين شركة” بي تي بيلابوهان الإندونيسية، وإدارة موانئ قطر، وتهدف الاتفاقية إلى تبادل الخبرات في تشغيل الموانئ وإدارتها وتعزيز التعاون بشأن الاستثمار والترويج والتقنيات المبتكرة.

لذلك، تتوقف مسألة مقاطعة قطر وتحجيم دورها في الملفات السياسية، على تحجيم دورها في تلك الدول، وإيجاد المدخلات القانونية في العلاقة مع الدول والمجتمع الدولي، بأن غالبية هذه الاستثمارات إنما تعود للقضايا المتعلقة بدعم الإرهاب في المنطقة. وعليه لابد من مناشدة المنظمات الدولية بمحاصرة قطر خارج بيتها الخليجي، استناداً للقرارات الدولية التي حثت على التعاون في تمويل مكافحة الإرهاب، لاسيما عمليات التمويل المتعلقة بغسيل الأموال.

الدور الإيراني في إندونيسيا: 2017 2018 أعوام الضخ الاقتصادي والثقافي

المتتبع لتاريخ العلاقات الإندونيسية الإيرانية، يلاحظ التكثيف غير المسبوق بين البلدين منذ العام 2017، أي بالتزامن مع الأزمة القطرية، كما تتزامن هذه العلاقة مع علاقة قطر مع إندونيسيا في العام ذاته، الأمر الذي يكشف أدواراً قطرية بالتنسيق مع إيران.

في سبتمبر 2017 انعقد الاجتماع السابع للجنة التشاور السياسي بين إيران وإندونيسيا، وجرى خلال الاجتماع مناقشة ضرورات التعاون بين إيران وإندونيسيا – فيما أسماه الطرفان- بإرساء الأمن والاستقرار في منطقتي الشرق الأوسط وشرق آسيا. وجرى خلال الاجتماع الاتفاق على زيادة التبادل التجاري بين إيران وإندونيسيا، وتمتين العلاقات السياسية بين البلدين، حيث تقدمت إندونيسيا بالشكر والتقدير لمشاركة إيران في رابطة الدول المطلة على المحيط الهادي خلال تولي إندونيسيا رئاسة الرابطة، وكذلك الدعم الإيراني في الأوساط الدولية لترشح إندونيسيا كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي.

 منذ أكتوبر من العام 2015، أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استئناف أعمال اللجنة الاقتصادية الإيرانية الإندونيسية المشتركة، بعد نشاط دام سبع سنوات. وجرى خلال أعمال اللجنة بحث تعزيز العلاقات في المجالات الاقتصادية كافة. وفي إشارات خبيثة من الجانب الإيراني، طرح ظريف– حينها- موضوع حادثة منى، قائلاً: “إنّ إندونيسيا فقدت 113 من حجاجها، وهذه كارثة على الشعب الإندونيسي، وأنّ تعاون البلدين ضروري للحيلولة دون ذلك”. في محاولة من إيران للإساءة للمملكة العربية السعودية.

منذ بداية العام 2016، ظهر التعاون الإيراني الإندونيسي الوثيق في مجال التعليم والطاقة، وتشير الأرقام والإحصائيات أن طهران، ومنذ بداية الأزمة القطرية أصبحت تسابق دولاً عربية ومنها السعودية.

ظهر الاندفاع الإيراني نحو تمتين العلاقة مع إندونيسيا مع بداية العام 2017، ففي فبراير من هذا العام، استقبل الرئيس الإيراني روحاني وزير الاقتصاد الإندونيسي، وبحث الطرفان المساعي نحو تعزيز العلاقات بين طهران وجاكرتا. حيث أكد روحاني حينها على ضرورة الإسراع بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، قائلاً: “الشركات الإيرانية مستعدة لتقديم الخدمات الفنية والهندسية من أجل تطوير مصافي النفط الإندونيسية، كما يمكنها تقديم الخدمات في مجال الكهرباء وإنشاء الطرق، من أجل الارتقاء بإمكانيات البلدين في النواحي الاقتصادية”. بالمقابل قال وزير الاقتصاد الإندونيسي: “إندونيسيا مستعدة للتعاون في مجال الطاقة، كما تبدي استعدادها للمشاركة في الاستثمار في المجال النفطي، وتطوير حقول النفط الإندونيسية، وإنّ جاكرتا مستعدة لاستيراد كميات إضافية من النفط والغاز الإيراني”.

في أكتوبر من العام 2017، التقى وفد إندونيسي مع وفد من جامعة شيراز التي تعتبر الجامعة الأولى في إيران، وجرى التباحث حول إيجاد أرضية متينة للتعاون المشترك في إطار المشاريع البحثية وتبادل أساتذة الجامعات والطلبة الجامعيين، النقل والعلوم والزراعة وتكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا النانو والطاقات المتجددة والطاقة الشمسية والصحة وصناعة الأدوية التعاون العلمي بين الجامعات الإيرانية والجامعات الإندونيسية.

وفي إطار التعاون العسكري، وفي أغسطس من العام 2017، زار قائد القوات البحرية الإيرانية جاكرتا، والتقى بقائد القوات البحرية الإندونيسية، على هامش الدعوة التي بعثتها إندونيسيا لإيران للمشاركة في المنتدى التخصصي للأمن البحري في جزيرة بالي بإندونيسيا، حيث أكد الطرفان على تطوير التعاون المشترك في المجالات التعليمية والفنية والعملياتية في غرب وجنوب شرق آسيا، وإجراء مناورات مشتركة،وتعزيز التعاون في مجال صيانة العوامات والمروحيات، والتعاون في مجالات ضمان أمن البحار والمياه الدولية، على حد تعبير الجانب الإيراني، الذي أشار إلى ضرورة التعاون مع إندونيسيا لما تتمتع به من موقع استراتيجي مميز، وتمتعها بأطول حدود ساحلية.

التشيع في إندونيسيا: صناعة الولاءات والتأثير على القرار السياسي في العاصمة والمدن الرئيسية

يعد المدعو حسين الحبشي مدير معهد التربية الإسلامية بأنحل جاواه الشرقية من أهم أوائل المرتبطين بإيران لنشر التشيع في إندونيسيا، عن طريق رفعه شعار “الوحدة الإسلامية”، قبل أن ينكشف أمره عام 1993 عندما أرسل تقريراً إلى الخميني حول أنشطته في نشر التشيع في إندونيسيا، فخرج من معهده حينها 13 مدرساً من أهل السنة. حيث كان يرسل طلابه ليدرسوا في الحوزة العلمية في قم، ليتغلغلوا في المؤسسات والأحزاب الإسلامية والعلمانية الإندونيسية. كما تغلغلهم في المجالات الاقتصادية كافة. وقد برز في إندونيسيا أحمد بارقبة الذي يشرف على أكثر من 40 مؤسسة لنشر التشيع في إندونيسيا، وتنتشر في جاكرتا باندونغ وسوارابايا ومالانج وجمبر وبانجيل وبتنياناك وكالمنتان الشرقية والغربية وبانجر ماسن.

يوجد في إندونيسيا الآن أكثر من 100 مؤسسة لنشر التشيع في إندونيسيا، ومن أهم هذه المؤسسات: مؤسسة المطهري التي تصدر مجلة الحكمة في باندونغ ومعظم أعضائها جامعيون، ومؤسسة المنتظر في جاكرتا، التي لديها روضات أطفال ومدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية. ومؤسسة ملا صدرا في بوقور التي تمتلك دوراً للنشر، ومؤسسة الجواد في باندونغ، التي تقوم بأعمال وأنشطة تعليمية واجتماعية، ومؤسسة المحبين في بكالونجان في جاواه الوسطى.

دور النشر والمطبوعات الإيرانية في اندونيسيا: هناك الكثير من دور النشر والطباعة المدعومة من إيران، وأهمها: مطبعة السجاد، ومطبعة الهداية، ومطبعة أبي ذر في جاكرتا، ومطبعة الميزان، ومطبعة بليتا في باندونغ، ومطبعة يابي في لامبونج سومطرة وغيرها. وتنتشر المجلات التي تشرف عليها إيران ومن أهمها: مجلة المودة التي تصدرها رابطة آل البيت في باندونغ جاواه الغربية، ومجلة الهدى في جاكرتا، ومجلة القدس التي تصدرها السفارة الإيرانية باللغة الإندونيسية في جاكرتا، ومجلة الحكمة ومجلة الغدير الصادرتين عن مؤسسة المطهري في باندونغ، ومجلة المصطفى في جاكرتا، ومنشورات الجواد والغدير التي تصدرها مؤسسة الجواد في جاكرتا. وهناك أكثر من 100 مؤسسة خيرية بأسماء دينية وأخرى بأسماء علمانية.

وهناك العديد من مجالس التعليم أبرزها: مجلس التعليم “أم أبيها”، ومجلس الرياحي التعليمي، ومجلس البتول التعليمي في جاكرتا، ومجلس الحوراء ومجلس النور في ساوانجان جاواه الغربية، ومجلس الأدروس في بورواكاتا، ومجلس الجواد في تاسيكمالايا جاواه الغربية، ومجلس العلاوي في جاواه الشرقية. وهناك الكثير من الرابطات والمراكز الثقافية والمدارس نذكر منها:

  • الرابطات الإيرانية في إندونيسيا: رابطة جماعة أهل البيت، ورابطة المسلمين في إندونيسيا، ورابطة الطلبة الإندونيسية – الإيرانية، ورابطة صف المسلمين، ورابطة مجتمع أهل البيت.
  • المراكز الثقافية واللجان: المركز الثقافي الإسلامي في جاكرتا، ومركز الهادي، ومركز التزكية في جاكرتا، ومركز العفة في جمبر في جاواه الشرقية، ولجنة أتباع أهل البيت.
  • المدارس الإيرانية في إندونيسيا: وأهمها المدرسة العالية مطهري في باندونغ وجاكرتا، ومدرسة الجواد للتربية الإسلامية، والكلية الإسلامية للدراسات العليا، ومدرسة لازوردي التي تبدأ من مستوى رياض الأطفال إلى الثانوية، ومدرسة نور الإيمان في سورونج إيرايان، ومعهد يافي في نانجيل جاوه الشرقية. ويساند كل هذه النشاطات راديو إيران باللغة الإندونيسية.

في فبراير من العام 2016 تنبه الأزهر الشريف في مصر إلى التغول الإيراني في إندونيسيا، وقد حذر شيخ الأزهر الدكتور محمد الطيب في زيارة له إلى إندونيسيا الشباب الإندونيسي للتمسك بعقيدة جمهور أهل السنة والجماعة. محذراً في كلمة ألقاها في مركز الدراسات القرآنية بجاكرتا من خطورة انتشار التشيع في إندونيسيا، مشيراً إلى محاولات تشييع الشباب السني في إندونيسيا، ومنتقداً ما تقوم به إيران في هذا الخصوص، من بوابة الوحدة بين المسلمين، قائلاً: “إن الوحدة بين المسلمين مطلوبة، بشرط ألا تشتغل هذه الوحدة من أجل نشر أجندات سياسية وطائفية خاصة، غالباً ما تؤدي إلى الاحتراب الداخلي بين المسلمين”، ودعا إلى وعدم الانجراف وراء دعوات التفرقة والتعصب المذهبي، كما نبه إلى خطورة انضمام أكثر من 500 إندونيسي إلى تنظيم داعش.

ويلاحظ أن التغلغل الإيراني في إندونيسيا يتركز في العاصمة جاكرتا والمدن الرئيسية، لسهولة التغلغل في القرار السياسي وحشد مؤيدين للمواقف الإيرانية، على خلاف انتشارها في البلدان العربية حيث الأطراف والمناطق النائية، ويعود ذلك أن مراكز المدن في المنطقة العربية تحمل وعياً بالأدوار الإيرانية، وهو ما يحول دون انتشار التشيع في مراكز المدن.

ومن خلال تتبع الأدوار الإيرانية في إندونيسيا يلاحظ مدى التركيز على الثقافة المجتمعية وعلى الأدوار الثقافية والتنسيق على مستوى تبادل الخبرات وأساتذة الجامعات والطلبة، في محاولة إيرانية لخلق حالة من الجذب الثقافي للمجتمع الإندونيسي تجاه القضايا الإيرانية. وهو ما انعكس بالفعل على مواقف إندونيسيا من إيران، إذ تبدو المواقف الإندونيسية تقف على الحياد، وهو موقف لا يتسق مع أكبر بلد إسلامي يتواجد فيه المسلمون السنة. إذ مازالت مواقف السياسة الإندونيسية غير محددة المعالم تجاه مواقف المسلمين السنة في البلدان العربية، ولم يظهر أي موقف يندد بممارسات إيران في العراق واليمن ولبنان، كما لم يظهر أي موقف إندونيسي يندد بالصواريخ الإيرانية التي تستهدف الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٤ أبريل ٢٠١٨