لم يعد سراً على أحد المحاولات القطرية الماكرة لتنفيذ أجندتها ولعب دور الوكالة عن أطراف خارجية أو إقليمية. لقد اختارت لنفسها دور “الثعالب الماكرة” التي لم تتقن مهارة المكر على “الأسود”. فانكشفت حيلها الماكرة سريعاً ولطالما أنكرتها. فقد حاولت كثيراً أن تخفي حقيقة مطامعها وتطلعاتها في التسلق إلى دور إقليمي لا تملك مقوماته أو مؤهلاته، وها هي لاتزال تحاول بين الحين والآخر فتفشل. ولا تمل برغم سقوط قناعها وانكشافه للرأي العام في العالم العربي.

 ولطالما أظهرت وجهاً آخر عبر أداتها الإعلامية “قناة الجزيرة”، وحاولت أن ترتدي عباءة الدين وتظهر بوجه المتدين فسقطت اللحية وانكشفت حقيقة ذلك الوجه. وبات العالم العربي حزيناً جراء خيبة أمله في عروبة النظام القطري الذي يتنصل ويتبرأ كل يوم من عروبته بممارساته وأفعاله، ولم يعد لديه من حقائق ومصداقية يستر بها عوراته وأكاذيبه التي تتكشف يوماً بعد يوم، فقد عاد هذا النظام يجر ذيول الخيبة والعار من خلفه، وعاد بخفي حنين. فلم تفلح خططه ولم تسلم مكائده من أن تمر في أمان، ومني بإخفاقات وعثرات وفضائح….. واحدة تلو الأخرى.

 لقد ارتضى هذا النظام أن يرتدي رداء الخزي، فالخزي كل الخزي لنظام اختار أن يتبنى أجندة خاصة تستهدف إسقاط النظم أو دفعها إلى الحروب، أو تجنيد العملاء وتمويل الميليشيات لاستدراجها في حروب عصابات أو حروب مع الميليشيات. لماذا الدهشة إذن؟ وقد يأس النظام القطري من دعم الإخوان المسلمين في تحقيق أجندته في المنطقة بعد احتراق هذه الورقة في العالم العربي. فليس من العجب أن يبحث عن ورقة أخرى أو عملاء جدد. ولذلك يتجه لدعم الميليشيات الشيعية والتحالف مع إيران ضد دول الخليج والدول العربية. ولعله يجد في هذه الميليشيات من ينقذ سفينته من الغرق بعد أن أعلنت الرياح غضبها وثورتها إذ أن هذا نظام هش وليس له من أوتاد يشتد عليها.

لقد اعتمدت قطر في البداية على حركة الإخوان المسلمين وميليشياتها المسلحة في مصر وليبيا ودول أخرى. وها هي اليوم تحاول مرة أخرى عبر الحركات والميليشيات الشيعية في لبنان إلى اليمن وحتى العراق وسوريا. وبرغم الدور الإيراني الواضح في دعم هذه الميليشيات، فإن قطر تتفهم ذلك جيداً لممارسة المزيد من الضغوط على الدول الخليجية، وهي تدرك جيداً أن إيران تستخدم الميليشيات الشيعية أذناب الحرس الثوري الإيراني لزعزعة الاستقرار في الدول العربية، ولذلك فهي تستغل هذه الورقة جيداً لممارسة المزيد من الضغوط على الدول الخليجية للخروج من المأزق الذي تعيشه جراء المقاطعة العربية التي أنتجتها سياستها في المنطقة.

وتدرك قطر كيف تمثل الميليشيات الشيعية تهديداً لاستقرار الدول الخليجية، فتقدم الدعم للميليشيات الحوثية لإفشال العملية العسكرية لقوات التحالف العربي في اليمن. وتدرك قطر جيداً ما تمثله الميليشيات الشيعية العراقية للأمن الخليجي، فقد هددت هذه الميليشيات السعودية والكويت والبحرين بشن حروب على حدودها. ومن ثم فإن قطر تحاول دعم هذه الميليشيات الشيعية لاستدراج الدول الخليجية في حروب بالوكالة. ولأن قطر فشلت في تنفيذ أجندتها عبر حركات الإسلام السياسي التي راهنت على أنها سوف تظفر بالانتخابات في مصر وليبيا وتونس ودول أخرى. فإنها تحاول اليوم استدراج الدول الخليجية في مواجهات عسكرية غير مباشرة عبر هذه الميليشيات. فهي لا تستطيع مواجهة هذه الدول عسكرياً أو حتى سياسياً أو عسكرياً.

وفي العراق ، أشارت تقارير دولية عدة عن فضائح الدعم القطري لهذه الميليشيات، فهو يتخذ صور وأساليب مستترة، وعلى سبيل المثال تقدم قطر مليارات الدولارات كفدية لتحرير الرهائن من قبضة الميليشيات الشيعية. وحسب ما كشفته تقارير دولية فإن حكومة الدوحة دفعت أموالاً طائلة للميليشيات في العراق، للإفراج عن أمراء من الأسرة الحاكمة، والذين فقدوا في العراق عام 2015 في صحراء محافظة المثنى. وما أثار الاستغراب والشك في أن هذه العملية استغلت لإيصال الأموال إلى جهات تحتاج إلى أموال كبيرة في هذه الفترة؛ أن تنقل الأموال عبر الطائرات ، وهو ما يشير لوجود كثير من الحقائق الخفية وغير المعلنة، والتدخلات القطرية الواسعة في العراق.

وتتواصل التقارير الدولية عن الدعم القطري لنشر التطرف في العالم العربي، عبر المؤسسات الخيرية، مثل جمعية الإحسان الخيرية، والتي تعد واجهة لتوزيع التمويل القطري للعناصر الإرهابية، إذ يترأس الجمعية عبد الله اليزيدي، وتتلقى الجمعية الكثير من الأموال القطرية التي يعاد توزيعها على العناصر الإرهابية، وترتبط الجمعية بمؤسسات “الرحمة” القطرية المعروفة بعلاقاتها القوية بالقاعدة، وكذا بمؤسسة قطر الخيرية، مؤسسة “الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية” (راف)، ومؤسسة عيد الخيرية وقطر الخيرية.

وقد نشرت ثقارير دولية عديدة عن تورط النظام القطري في علاقات متجذرة مع الميليشيات الحوثية منذ عقدين من الزمان، إلى جانب الدعم الإعلامي عبر التغطية الإعلامية لقناة الجزيرة التي استضافت أعضاء من الميليشيات الحوثية على شاشتها للتعليق على إنجازاتها العسكرية الكاذبة، مؤكدة أنها تؤكد تبنيها للرؤية العدوانية للمتمردين داخل اليمن.

وعلى أية حال، كثيراً ما كذبت قطر التقارير العربية عن أنشطتها الإرهابية، وها هي اليوم تواجه بالأدلة والإثباتات الجديدة من خارج المنطقة العربية، والتي من شأنها أن تلجم تنظيم الحمدين وأتباعه ليتوقفوا عن تكرار اسطوانة المظلومية. فكل الاتهامات ضد قطر كانت ثابتة ولم تتم مكاشفتها بدون أدلة وبراهين. وما يتوفر من معلومات نشرت أخيراً في مصادر غربية، يعزز تورط الدوحة ويثبت كذب إعلامها الذي يقفز على الحقائق ويحاول امتصاص الصدمات التي تواجهها. لكن التسريبات الأخيرة تمثل صدمة كبرى لمن كانوا يعتقدون أن الدوحة بريئة، ويبدو أنها لن تستيقظ من هذه الصدمة بسهولة. وما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، عن الدعم القطري للميليشيات العراقية يعتبر بمثابة صفعة قوية ومؤلمة للدوحة وأجهزتها المرتبطة بدعم الإرهاب وتمويل المتطرفين. وجاءت الحقائق المسربة عن سلوك قطر المرتبط بدعم الإرهاب لتشير إلى أن ملفات قطر بهذا الشأن مثقلة بالفضائح والتورط إلى أبعد الحدود في تقديم ملايين الدولارات لمنظمات إرهابية، وذلك تحت ستار أكذوبة دفع الفدية لإنقاذ أفراد من الأسرة الحاكمة، ومن المتوقع أن تكون اللعبة القطرية مدبرة عن سبق إصرار وتعمد بهدف تبرير تقديم الأموال للجماعات الإرهابية في كل من العراق وسوريا.

وعلى إثر هذه الفضيحة المدوية، وبالنظر إلى أهمية الوسيلة الإعلامية الأميركية التي قامت بتسريب مراسلات الدبلوماسيين القطريين، يتوقع المتابعون للملف القطري أن الدوحة ستكون بحاجة إلى وقت لاستيعاب صدمة التسريبات الأخيرة، وبخاصة أن الخبر ذاته عندما كان يتداول قبل شهور لم يكن يتضمن حجم المبالغ التي تم تقديمها ولا الأسماء التي حصلت على الدعم القطري تحت ستار تحرير مختطفين. وحسب ما ذكره الكثير من المتخصصين والمتابعين فإن الأخطر في فضيحة دعم قطر للإرهابيين، أن مئات ملايين الدولارات التي قدمتها الدوحة بغباء شديد لأعتى المنظمات المتوحشة، جاءت في وقت متزامن مع سعي كافة دول العالم لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه، مما يستدعي وقفة دولية ضد قطر التي تستخدم أموالها لمحاربة وتعطيل الجهود العالمية لمكافحة التطرف والإرهاب.

ولذلك فإن ما تشهده المنطقة من صراعات إقليمية وحروب وجرائم إنسانية تتحمل قطر كفلاً منه. فقد باتت ممارساتها تشكل تهديداً للأمن القومي الخليجي الذي يواجه تحديات غير مسبوقة بعد تقاربها مع إيران، واختيارها أن تلعب دوراً داعماً للأجندة الإيرانية. وباتت قطر نفسها هي التي تدعم التهديد الإيراني للأمن العربي بدعمها للميليشيات الإيرانية. بل وتحاول استدراج الجيوش العربية لحروب ليست لديها الشجاعة أن تكون طرفاً فيها وإنما الكيد من خلف الستار ومن خلال الوكلاء. ومن ثم فهي تدرك جيداً خسارتها الحتمية للمعركة ولذلك فهي تعمل على استنزاف موارد البلاد وإطالة أمد الحروب إلى أبعد مدى زمني ممكن. وهي لاتملك سوى أن تستمر بلعب دور الثعالب في المنطقة التي تجدها غابة مناسبة لتنفيذ حيلها وإثارة الحروب فيها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٩ أبريل ٢٠١٨